"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (5)

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (5)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ - جامعة أم القرى

وعند انقطاع ذرية عتقاء الواقف، تنتقل الولاية إلى عتقاء أخوي الواقف المذكورين آنفاً، وحسب الترتيب المتّبع في ولاية الأخوين، ومن بعده إلى أولادهم، وأولاد أولادهم، "... ما تشعبوا شعباً بعد شعب، الأصلح فالأصلح".

وإذا لم يبق من نسل عتقاء أخوي الواقف، تصبح الولاية من حق عتقاء أخوات الواقف، ومن بعدهم إلى أولادهم، حتى إذا لم يبق منهم أحد، تُمسي الولاية من نصيب عتقاء أولاد أخوي الواقف حسب المتبع آنفاً.

وإذا انقطع نسل كل هؤلاء، ولم يبق منهم أحد يصلح للولاية، تُفوّض " ... إلى كل قاضٍ عفيف الذيل، مأمون الحسب، يتولى القضاء والحكم بمحروسة قيصرية، ويكون له من الأوقاف ما للمتولي، ليقوم بمصالح الخان والأوقاف المذكورة".

إن من يتتبع أمر الولاية على هذه الأوقاف، والواردة في نص الوقفية، بتحديدها الدقيق والمستفيض في الوقت نفسه، والعبارات والجُمل التي ِصيغت بها، لتتملّكه الدهشة والانبهار. ولاشك أن الواقف، يدرك أهمية وظيفة المتولي على الوقف، لذلك بدا جلياً، اهتمامه بها، وجعلها في أسرته، والمقربين منه، حتى إذا لم يبق منهم أحد يصلح لها، فوضها إلى قاض البلد، واشترط في الجميع، الرُشد والصلاح والأمانة والعفة.

 ثامناً: عمارة الوقف، وإنمائه، وترميمه:

وأيضاً، من الاحتياطات التي اتخذها الواقف، لضمان استمرار الخان في أداء واجباته، اشتراطه على المتولي والمشرف والناظر، الاهتمام بأمر الخان، وعمارته [1]، وترميمه إذا احتاج إلى ذلك، بل أكثر من ذلك، العمل على إنماء الوقف عامة، وذلك بزيادة الأوقاف التي يُنفق من ريعها على الخان وملحقاته، وجاء في نص الوقفية : " ... وإن انهدم الخان ـ عوذاً بالله من ذلك ـ ولم يكن استجدادها [2] من حاصل أوقافها، يصرف الفوائد الحاصلة من الأوقاف المذكورة ـ بعد العمارة ـ إلى ...".

وفي الحث على إنماء الوقف أيضاً، جاء في نص الوقفية "... شرط الواقف ... إنْ فضل من حاصل الأوقاف المذكورة، بعد الإخراجات، وتوفير الجامكيات [3] شيء، يُشترى بذلك الفاضل مُلكاً وعقاراً [4]، ويُوقف على مصالح الخان، حسب المبين في كل سنة وحين وأوان".

ولما كان الواقف نفسه ـ قرطاي ـ متولياً على الأوقاف ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ وليجعل من نفسه قدوة لمن يتولى بعده، فقد اشترى أملاكاً وعقاراتٍ [5]، مما فضُل من ريع الأوقاف، وهي التي ألحقت بالوقفية الأصلية، وأشير إليها في النص، باسم "ذيل الوقفية" و بـ"الضميمة"، و بـ"باطن هذه الوقفية"، بل هي التي أجبرت الواقف والمحرر، على إضافة نصوصٍ على الوقفية الأصلية. كما أنه عُمّر مما فضل من ريع الأوقاف بيوتاً ودكاكين وأشياء أخرى، وردت في نص الوقفية.

ولم يفت الواقف، أن يحذر المتولي والمشرف والناظر، من مغبة التقاعس عن إنماء الأوقاف، كلما لاحت فرصة لذلك، وحثهم على المحافظة عليها، وعدم إهمالها أو تعطيلها، وفي هذا الصدد، جاء في نص الوقفية: "... فمن بدل شرطاً من الشروط المذكورة، أو غيره، أو عطله، أو أهمله، هو بريء من لله ورسوله ... وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

 تاسعاً : الأشياء الموقوفة على الخان:

إن جميع ما يتم إنفاقه على الخان وملحقاته، ما هو إلاّ من ريع أوقافٍ أخرى، أُوقفت هي بدورها على الخان وملحقاته، وهذه الأشياء الموقوفة، متعددة ومتنوعة، منها أملاك وعقارات، وقد زادت مع الأيام، لأنّ من شروط الواقف، أنه كلما فضل مالٌ بعد الإنفاق على الخان، وملحقاته، وموظفيه، وتوفير الاحتياجات التي يقدمها لنزلائه، يُشترى به عقارٌ، أو شيءٌ فيه مصلحة، وتوقف بدورها على الخان، والموقوفات ـ برمتها ـ تحت إدارة الجهاز الذي سبقت الإشارة إليه.

أ ـ الأراضي الزراعية الموقوفة على الخان:

بدأ الواقف بعدد قليل من الأراضي الزراعية، فأوقفها على الخان وملحقاته، لكنّ الواقف نفسه، زاد عليها فيما بعد، وهي التي جاءت في "ذيل الوقفية"، وناهز عددها خمسون قطعة، ذُكرت مفصلة بحدودها، ومقدار ما يُبذر فيها من الحبوب، وإليك أنموذجاً لإحداها " ... أنه اشترى (الواقف)، في صفقة أخرى، من فاضل ريع الأوقاف المذكورة، بباطن هذه الوقفية، بعد توفير الجامكيات ...، جميع الأملاك التي يأتي ذكرها مفصلاً، فمن ذلك: ... جميع قطعة أرضٍ، بظاهر محروسة قيصرية، قريبةٌ من المشهد [6]، مبذرة خمسة أمداد، يتصل بملك يلمان (؟)، وبملك سلطاني، وبالنهر، وبأرض ...الخ". وجميع قطع الأراضي المشار إليها، محددة من جهاتها الأربع بهذه الطريقة، مع ذكر مقدار المبذر منها، وقسمت الوقفية تلك الأراضي إلى قسمين، يُفهم منها، أن بعضها يسقيها المزارعون بمياه الآبار، أو الأنهار، بينما القسم الأخر، تُسقى من مياه الأمطار فقط. وهذا يدفع إلى استنتاج، أنه كان يعمل في هذه الأراضي فلاحون، وهو ما لم يرد في تعداد الموظفين والعاملين في الخان وملاحقه، إلاّ أنه ورد نصّ، بأنْ لا يؤخذ من فلاحي القرى الموقوفة على الخان غير الخُمس، وسنتعرف في فقرة لاحقة، على تلك القرى.

ب ـ البيوت الموقوفة على الخان:

ومما أوقف على الخان وملاحقه، عددٌ من البيوت، بلغت بضعة عشر بيتاً [7]، اثنان منها وردا في أصل الوقفية، والبقية وردت في الذيل عليها، وقد تم تحديد تلك البيوت من جهاتها الأربع، تحديداً دقيقاً، مع ذكر اسم المدينة أو القرية التي تقع فيها.

ج- القرى الموقوفة على الخان:

ومما أدرج ضمن الأشياء الموقوفة على الخان، ثلاث قرى، اثنتان منهما ذكرتا في أصل الوقفية، وحُددتا من جهاتهما الأربع، أما الثالثة فجاءت في ذيل الوقفية، وجميع القرى المشار إليها من أعمال مدينة قيصرية، القرية الأولى: سراخور، وهي التي أُنشأ الخان على أراضيها كما أسلفنا، والثانية لصيقة لها، تُسمى "ليكندون LYKCANDON"، أما الثالثة فهي "كوتي COTI"، واشترط الواقف أنْ لا يؤخذ من فلاحي القريتين الأوليتين [8] من حاصل زروعهما غير الخمس، "... ومن أخذ شيئاً كان

ظالماً متعدياً، والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً[9]".

د- الحمّامّات الموقوفة على الخان:

ويُفهم من نص الوقفية، أن هناك أكثر من حمّام، أوقفت على الخان وملحقاته، وهي بالتأكيد غير الحمّام الملحق بالخان، والذي سبقت الإشارة إليه، على أنه جزء من أجزاء الخان. أحد تلك الحمامات، يقع في سوق مدينة "بهرام شاه BOHRAMSHAH [10]"، وتم تحديده في الوقفية من جهاته الأربع ـ كما حُددت بقية الأشياء الموقوفة ـ وهو مجهز بكل ما يلزمه، جاء في النص "... وبجميع ما للحمام من الحدود والحقوق، والمرافق والمضافات، من البناء والفناء والمسلخ والأبول (هكذا)، والأبواب والبحايح والأنابيب والقنوات".

وجاء في موضع أخر، أن الواقف عمّر من ريع الأوقاف حمّاماً بقرية سراخور، وهي كما علمنا، القرية التي بُني الخان على أراضيها، لكن يبدو أنّ الحمام المذكور هنا، ليس هو الحمام الداخل ضمن مرافق الخان.

هـ ـ الأفران الموقوفة على الخان:

ومن ضمن الأشياء الموقوفة على الخان، اثنان من الأفران، عاملان على صناعة الخبز، وكما هي عادة محرر الوقفية، فقد تم تحديدهما [11]، ومن المعلوم، أن الفرن لا يقوم بعمله على الوجه الأكمل، إلا بواسطة فريق من العمال ـ الخبازين ـ حيث تبدأ عملية إعداد الخبز، من طحن القمح، ثم عجنه وتخميره، ثم وضعه داخل الفرن، ليخرج فيما بعد خبزاً صالحاً للأكل. ولابد من إيقاد النار على الحطب حتى يصبح جمراً جاهزاً للاستخدام.

وـ الدكاكين الموقوفة على الخان:

وعددها خمسة عشر دكاناً، وردت في نص الوقفية، وهي محاذية للخان، وقد يستخدمها التجار النازلون فيه، إما للبيع أو الشراء، واشترط الواقف أن تؤجر "بأوفر أجرة"، وألاَ تزيد مدة عقد الإجارة عن ثلاث سنين، وشدد على الاهتمام بها، وبعمارتها، وزيادة عددها كلما أمكن ذلك، وما من شك، أنّ ريعها يُصرف على الخان وملحقاته.

زـ الحديقة:

وهي مما أوقف على الخان أيضاً، وجاء ذكرها في ذيل الوقفية، وأنها متصلة بالخان المذكور.

عاشراً: الخدمات ـ والحاجيات ـ التي يوفرها الخان لنزلائه:

إن الخانات في ذلك الزمن، توفرّ لنزلائها خدماتٍ ومتطلباتٍ ضرورية للحياة، وهذا هو جوهر وظائفها، ومنبع أهميتها، ودورها الأساسي والأصيل، في المحافظة على عجلة التجارة دائرةً على طول الزمان، وفي منأً من تقلبات الظروف السياسية والمناخية. وهو المحور الرئيسي من دراستنا هذه. والخدمات التي سنستعرضها بعد قليل، كانت تقدم للمستفيدين من الخان وملحقاته مجاناً وبلا مقابل، فالواقف يطلب الثواب من الله تعالى.

وذكر أحد الباحثين، أن مدة الإقامة في الخان ـ أيُّ خان ـ ثلاثة أيام فقط، ولم يوثق معلومته هذه من أي مصدر [12]. وأرى أنه "حجّر واسعاً"، فلم أجد في المصادر ـ ولا المراجع ـ التي اطلعت عليها، تحديد مدة الإقامة في الخانات، وهذا الخان ـ الذي نحن بصدد ه ـ لم تحدد وقفيته مدة الإقامة فيه، رغم أنها ـ الوقفية ـ جاءت شاملةً، مفصلةً، دقيقةً، ولو كان هناك تحديد لمدة الإقامة، لما أغفلها محرر الوثيقة، ولجاءت ضمن شروط الواقف، ومرّ معنا أنّ الصيغة في الوقف، ركن من أركانه الأربعة.

ومن نافلة القول، أن الغرض الأساسي الذي أُنشاْ من أجله الخان، هو إقامة المسافرين ـ بما فيهم التجارـ وحفظ ممتلكاتهم، ودوابهم، لأنهم إذا لم يجدوا مكاناَ يقيمون فيه، سيضطرون إلى النزول في أرض عراء، ويكونون عرضةَ للمخاطر، وللأحوال الجوية بكل تقلباتها. لكن ما نحن بصدد بيانه في هذه الفقرة، هي الأشياء التي يوفرها الخان لنزلائه غير الإقامة. وهي حسب وقفية خان قرطاي، على النحو التالي:

أ ـ الرعاية الصحية:

نص الواقف ـ رحمه الله ـ في شروطه، على "أن يُعالج كل فقيرٍ مرض بالخان، بالأدوية والأشربة، إلى أن يعافيه الله أو يتوفاه، فإن مات كُفّن وجُهّز من الوقف، إذا كان فقيراً معدماً". وسبقت الإشارة إلى أن من ملحقات الخان بيمارستان، وهذا الشرط الوارد في النص، مما يعزز فرضية وجود طبيب ـ أو أكثرـ في الخان، وإن لم يرد في عداد موظفي الخان وملحقاته. و توفير الأشربة والأدوية ـ المذكورة في النص ـ يُحتم وجود "صيدلية"، وهذا ما ذهب إليه أحد الباحثين، حيث ذكر أنه ملحق بكل خان ـ من الخانات التي كانت في بلاد الروم ـ صيدلية صغيرة، لحفظ الأدوية، وصرفها للمرضى[13].

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (6)


[1]ـ العمارة: في اللغة: الإحياء و الإصلاح،و في المصطلح: إنماء الوقف،و زيادته،و ترميمه إذا تهدم منه شيء. المصطلحات الوقفية،ص 172

[2]ـ لعل المقصود،تجديد البناء،و ترميم المتهدم منه.

[3]- الجامكيات: يقصد بها الأعطيات،و الرواتب،و قد مر ذكرها معنا فيما سبق،انظر الحاشية رقم (82)من هذا البحث.

[4]- العقار: في اللغة: كل ما له أصل و قرار ثابت،كالأرض،و الدار،و الضيعة،و النخل،و نحوها. و في الاصطلاح: هو الثابت الذي لا يمكن نقله أو تحويله من مكان إلى آخر. المصطلحات الوقفية،ص 177.

[5]- سترد معنا في صفحة قادمة،تحت عنوا " الأشياء الموقوفة على الخان".

[6]- المشهد : وهو هنا اسم لقرية،لكن في الاصطلاح، المشهد الأرض الفضاء التي تُقام فيها صلاة العيدين.

[7]- لم يتبين من خلال النص عدد البيوت الموقوفة على وجه الدقة. إذ جاء ذكرها متفرقة،و في ذيل الوقفية،و منها :

   ـ " ... جميع مغارتين (هكذا)فيهما خمسة بيوت".

   ـ " ... و جميع أرض،و هي مشتمل ( هكذا)،على أربعة بيوت و محوطة".

   ـ "... و أقر الواقف ... بأنه عمر من ريع الأوقاف المذكورة آنفاً ... جميع البيوت الكائنة قريبة من الحمّام،المستثنية عن التحديد لشهرتها".

  ـ"...و جميع الدار المبنية بمحروسة قيصرية،المنتهية أحد حدودها إلى ....،و جميع الدار الأخرى،بباطن محروسة قيصرية،بمحلة تعرف بنجم الدين المنشي،المنتهية حدودها إلى ...".  

111- ربما ينطبق الشرط المشار إليه على القرية الثالثة "كوتي"،لكن ا الذي ورد في النص،خاص بالقريتين المذكورتين وهي مما أضيف إلى الموقوف الأول.و أنظر:  

Vryonis, speros, J,R:The Decline of Medieval Hellenism In Asia Minor And The process of Islamization From The Eleventh Through The Fifteenth Century. Berkeley L0s Angeles. London.1971 .P.243. 

[9]- هنا يُضمّن محرر الوقفية، آية من القرآن في النص،وهي الآية(34) ،من سورة: الأحزاب. وقد تكرر مثل هذا التضمين في الوقفية.  

[10]- بهرام شاه ،أو قراحصار الشرق:  مدينة صغيرة،لها قلعة حصينة،إلى الشرق من قونية. لسترنج : المرجع السابق،ص 118.

[11]ـ جاء في النص،أن أحدهما في قرية تسمى " المشهد"،بينما الأخر،بظاهر قيصرية.

[12]ـ الوسيمي :المرجع السابق، ص 234

[13]ـ المرجع نفسه،و الصفحة.

التعليقات (0)