أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (6)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (6)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

 الملحق بالرعي و نظامه: و أعني بها تربية الدواجن و النحل و دودة الحرير:

- تربية الدواجن: ورأيت أن ألحقها برعي الماشية، وورد ذكر أنواع من الدواجن في الكتاب، والنظام المتبع في تربيتها. سأل أحدهم المفتي عن " ... الذي يؤذيه دجاج جاره في مزرعته؟ فأجاب: على الجيران أن يمنعوا دجاجهم و يقصروها والنحل كذلك. وهذا إذا كانت الدجاجة طائرة لا يستطيع الاحتراس منها وإذا كانت مقصورة  فهي كالماشية، ... قيل له: فإن فتح الباب إلى الدجاج وسيبها؟ قال: يضمن ما أفسدت، وكذلك البرك مثلها في الفساد، إلا أن أتلفها بالليل فلا شيء عليه، وعليه بالنهار الضمان، وإن عقد منها صاحب الأرض شيء ضمن[1].

وجاء في الحمام، أن أبراجه إذا تركت وعشعش فيها (الزازير) وتأذى منه الجيران، فعلى صاحب الحمام سد (كواه) التي عشعش فيها الزازير[2].

- تربية النحل: وهي مما ألحقته بتربية الماشية، للتشابه بينهما، وأطلق المؤلف على (خلايا) النحل مسمى (أجباح) وله أحكام و أنظمة، وهي تحتاج من يقوم برعايتها، واستخلاص العسل والشهد منها، واستخدموا الدخان لطرد النحل أو الحد من حركته أثناء جمع العسل من الخلايا، وعلى من يقوم بهذه العملية أن يكون محتاطاً حذراً، ويختار الوقت والطقس المناسب، فلا يشعل النار ليدخن على النحل في يوم تشتد فيه الريح، ولا يقوم بهذا العمل إلا من لديه خبرة فيه، لأن أدنى خطأ قد يكلف الكثير، ويتسبب في حريق يتلف أجباح النحل، ويضر به.

كما ورد في الكتاب العديد من صور الشراكة في النحل، بعضها موافق للشريعة والبعض الأخر مخالف لها، ولم يجزه الفقهاء. ومن صورها: أن شتري أحدهم نصف أجباح النخل مقابل خدمته للنصف الأخر، الذي لا يزال في ملك البائع، وهنا اشترط بعض الفقهاء معرفة مقدار العسل في الأجباح، وذلك بالكشف عن طرفي الخلية وتقدير العسل بها[3].

- دودة الحرير: وتكرر ذكرها في الكتاب، وكان لبعض الناس عناية بها، ومنها يأخذون خيوط الحرير، لاستخدامه في صناعة المنسوجات و الملابس[4]. وهي تتغذى على ورق التوت، ولا بد من زراعته لأجل ذلك، وجاء في إحدى النوازل أن الشائع بين الناس، استئجار شخص ليرعى شئون الدود، على أن يأخذ أجره من الحرير الناتج عنها، وبنسبة متفقٌ عليها سلفاً (نصف او ثلث او ربع ...) و يرى بعض الفقهاء أن هذا مخالفٌ للقواعد الشرعية، فالمحصول مجهول الكمية، قد يكون قليلاً وقد يكون كثيراً. بل إن أحد الفقهاء ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما سئل عن حكم تربية دود الحرير بالأجرة مما يخرج منها، فأجاب: " يظهر أن تربية دود الحرير لا يجوز أصلاً..." لكن آخرين أجازوه بشروط[5].  

الخاتمة:

 في ختام بحثنا هذا أود الإشارة إلى أبرز النتائج التي يمكن استخلاصها منه، و أبرزها:

- إن موسوعات النوازل الفقهية – خاصة كتاب الونشريسي (المعيار) هو بحق كنز لا ينضب للباحثين في مجالات عدة، يهمنا منها مجال التاريخ و الحضارة و النظم الاسلامية، في القرون الوسطى، في بلاد المغرب و الأندلس. فقد ضم بين دفتيه الكثير من المعلومات التي تلقي الضوء على المجالات المشار إليها، و التي لا غنى للباحثين عنها، لرسم صورة واضحة و سليمة و حقيقة لنظم الحضارة الاسلامية في ذلك الزمن.

- حرص الناس – في القترة موضع الدراسة – على معرفة أمور دينهم، في كل ما يقومون به من معاملات بينهم، مما يدل على تمسكهم بأهداب الشرع المطهر، وخاصة على مذهب الإمام مالك رحمه الله. و يتضح ذلك من خلال أنواع الأسئلة والفتاوي التي يسعون لمعرفتها للتقيد بها.

- في المحورين – موضع البحث: الفلاحة و الرعي – تبين أن الناس يمارسون الكثير من العاملات، ويبرمون العقود، بعضها متوافق مع الشريعة، فأقره الفقهاء وأجازوه، والبعض الأخر مخالف لها، فحذروا منه، و نهوا عنه.

- بعض ما اعتاد الناس على فعله في مجالي الفلاحة والرعي، توارثوه مع الزمن، وحافظوا عليه، حتى أصبح عرفاً، بل قانوناً متبعاً. وما توافق منه مع الشريعة أجازه الفقهاء، وأباحوه. أما ما تعارض مع الشريعة بشكل واضح، فإنهم نبهوا إليه، وحذروا منه.

وفي الختام، أرجو أن أكون وفقت فيما صبوت إليه في هذه الدراسة، وإن أصبت فبتوفيق الله وكرمه، وإن قصرت فمن نفسي الأمارة بالسوء.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (1)


قائمة المصادر و المراجع :

  • المصادر: 

أولاً : المخطوطة:

1 - المعداني ( أبو علي الحسن بن محمد بن رحال ، ت بعد 1180 هـ/ 1767 م) رفع الالتباس عن شركة الخماس.الخزانة العامة ، الرباط، رقم د 1862، ضمن مجموع ( 60-73).

ثانياً : المطبوعة:

1- ابن سهل ( أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي، ت 486 هـ) الإعلام بنوازل الأحكام. " المعروف بالأحكام الكبرى ". تحقيق : د / نورة محمد التويجري. ط 1، 1405 هـ / 1995 م.

-2  ابن القاضي ( أحمد ) : جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس . المطبعة الخيرية ، فاس،1993-1994.

3- الشفشاوني (محمد بن عسكر): دوحة الناشر. تحقيق: محمد حجي، مطبعة دار الغرب للتأليف و الترجمة     و النشر، الرباط، 1967م.

4- المنجور ( أحمد ) : فهرس. تحقيق : محمد حجي، محمد حجي، مطبعة دار الغرب للتأليف        و الترجمة و النشر، الرباط، 1967م.

5- الوزان ( الحسن بن محمد الفاسي "ليون الإفريقي")وصف أفريقيا.ترجمة : محمد حجي،و محمد الأخضر.دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983 م.

6 - الونشريسي ( أحمد بن يحيى بن محمد، ت 914 هـ) البيان المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي علماء أفريقية و الأندلس و المغرب. تحقيق: د/ محمد حجي و جماعة من الفقهاء. دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1401 هـ/1981م.

ب -  المراجع العربية و المعربة :

1- بن نميرة،عمر : النوازل و المجتمع : مساهمة في دراسة تاريخ البادية بالمغرب الأوسط،( القرنان الثامن و التاسع /14-15م ). سلسلة رسائل و أطروحات، رقم 67. الناشر: كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط. مطبعة الأمنية – الرباط  . 2012 م.

2 - محمد، أيت حمزة : النظام السقوي التقليدي و تنظيم المجال في جنوب المغرب. مجلة كلية الآداب ،

الرباط، ، ع 13.

-3 مزين،محمد : التاريخ المغربي و مشكلة المصادر: نموذج : النوازل الفقهية، مجلة كلية الآداب بفاس ، ع 2، 1985، (ص : 126-97)

4- و المؤذن ، عبد الرحمن : اسهام في دراسة العلاقات بين المجتمع القروي و الدولة في المغرب في القرن التاسع عشر ، قبائل إيناون و المخزن ( 1873-1902) كلية الآداب ، الرباط ، ( د.د.ع) 1984

5- موسى، عز الدين: النشاط الإقتصادي بالمغرب الإسلامي خلال القرن 6 هـ/ 12م، دار الشروق، بيروت، 1983

ج - المراجع الأجنبية:

BERQUE(J) : Etudes d,historire rurale maghrebine,Ed.Int.Tanger-Fes, 193. 1-

2- PASCON (P.) Theorie generale de la distribution des eaux dans Ie, Huouz de Marrakech" ,in, R.G.M.,18 1970.


[1] - نفسه ج 8، ص 353.

[2] - نفسه ج 8، ص 353.

[3] - نفسه ج 8، ص 193-199،236،ج 10، ص 91، 271-270.

[4] - نفسه، ج 5، ص 36، ج 6، ص 97.

[5] - نفسه ج 5، ص 36،59،62،238.

 

التعليقات (0)