"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (6)

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (6)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ - جامعة أم القرى

ولم يقتصر توفير الرعاية الصحية، على نزلاء الخان من البشر، بل شمل دوابهم وحيواناتهم، واتضح ذلك من وجود "بيطار"، من موظفي الخان وملحقاته، كما أسلفنا. 

ب ـ الوجبات الغذائية:

ومن ضمن شروط الواقف، توفير الغذاء لنزلاء الخان، فجاء في النص: " ... ويُصرف من فاضل الجامكيات والإخراجات، لكل وارد ونازل ومتطرق بالخان، في كل يوم من الخبز الجيد ثلاث أواق [1]، وقصعة من الطبيخ، مع أوقية لحم، من أي طبيخ طُبخ". ونستنتج من هذا النص عدة أمور، فقوله "من أي طبيخ طُبخ" يوحي بأنه كان هناك برنامج للطبخ كل يوم، وهو يختلف من يوم إلى أخر، ومن الصعب حصره وذكره مفصلاً في النص، الأمر الثاني: أن الخبز لابد أن يكون من النوع الجيد، وهو عكس الرديء طبعاً، الأمر الثالث: أن وجبتي الخبز الجيد واللحم، يومية ولا تخضع لبرنامج الطبخ اليومي المشار إليه، وأخيراً فإن عدم تحديد وقت للإقامة، يدفعنا إلى افتراض أن مدة الإقامة في الخان لم تكن محدودة بعدد من الأيام، وإلا فإن هذا الجزء من النص، هو الأنسب لذكرها.

ومن شروط الواقف أيضاً، أنه "في كل ليلة جمعة، تُعمل الحلاوة العسلية، وتـفرق على النازلين، من غير امتياز، حسب ما يقتضيه برأي المتولي، والمشرف، والناظر". وفي هذا الشرط، يعود الواقف ليؤكد على المساواة في المعاملة، بين النازلين في الخان، وعدم التمييز بينهم.

د- التدفئة و الإضاءة:

تكرر معنا، أنّ شتاء بلاد الروم قاسٍ، ولأجل اكتمال راحة النازلين في الخان، فقد تكفل واقفه بتوفير التدفئة ـ و كذلك الإضاءة ـ للنزلاء، فجاء في أحد شروطه: "أنْ يوقد في الخان المذكور، في الشتاء عند المتطرقين، من الزيت والحطب بقدر الاحتياج، من غير تبذير، وأن يُشعل في المسجد المبني بالخان ... في السنة التامة الشمع بقد الاحتياج، من غير إسراف، من المغرب إلى عشاء الأخر، وبعده سويعة يسيرة، ومن انبلاج الصبح الصادق، إلى وقت أداء صلاة الصبح".

هـ - توفير بعض الكماليات للنزلاء:

رأينا أنّ من العاملين في الخان وملحقاته الإسكافي، وعمله الأساسي ـ كما لا يخفى ـ إصلاح النعال ـ أكرمكم الله ـ وقد تم توفير متطلباته، من المسامير، والجلود، والحديد، وجاء في النص، أن يقوم بإصلاح "المداس" لمن يحتاج إليه من نزلاء الخان، بل و حتى إصلاح أحذية دواب المستفيدين من الخان. وشدد الواقف على مراعاة الفقراء النازلين بالخان أو الملتجئين إليه، وألاّ يكون فيهم أحدٌ حافي القدم.

و- توفير الأعلاف لدواب المستفيدين من الخان:

يواصل الواقف ـ رحمه الله ـ الاهتمام بالنازلين، وبدوابهم أيضاً، لأنها عنصر أساسي في مسألة السفر ونقل البضائع، ولا تكتمل راحة المسافرين، إلا إذا اطمأنوا على حيواناتهم، ووسائل سفرهم وتنقلهم، فتعهد الواقف بتوفير غذائها، وجاء في النص: "...ولكل وارد ونازل بالخان ... من التبن والشعير ما يكفي دوابه".

حادي عشر: تسليم الموقوف ـ الخان وملحقاته، والأشياء الموقوفة عليه ـ إلى المسئولين عنها:

غنيّ عن القول، أنّ جلال الدين قرطاي، جعل الخان وملحقاته وما أُقف عليه، وقفاً خيرياً لوجه الله تعالى، فلا يباع، ولا يُشترى، ولا يورث. وجاء في النص أنه أخرج الموقوف المشار إليه من ذمته إلى ذمة المشرفين عليه، " ...ثم إن الواقف ... أخرج جميع الأوقاف المذكورة من يده،و سلمها إلى من يسوغ التسليم له شرعاً، ثم سلمها منه بما لهُ من التولية شرعاً حسب مشروطه، وسأل من الحاكم [2] ... الحكم بصحة الوقف ولزومه، على الشروط المذكورة، فأجابه ... ".

وحتى يطمأن الواقف إلى استمرار بقاء الأوقاف بعده، فقد شرط ألاّ يُبدّل الوقف ولا يُعطّل، ولم يترك لأحدٍ بعده أي مسوغِ لينقض الوقفية، أو يُعدل في شروطها، مستشهداَ بقوله تعالى: " فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... الآية [3]وجاء في النص: " ... لا يحلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الأخر، من خليفةٍ وسلطانٍ ووزيرٍ وعميدٍ وقاضٍِ ومفتِ ومحتسبِ، ولا لأحدٍ من الناس قاطبةً، نقضُ هذا الوقف ....الخ".

ويبدو أنّ هذا التحذير القوي من الواقف، قد ساهم بصورة فعاّلة، في المحافظةِ على الأوقاف المذكورة، واستمرارها مدةً طويلةً من الزمن، كما سيتضح من سرد التواريخ المبيّنة في الوقفية، والتعاليق التي كُتبت عليها، ولم يرد فيها ما يدل على أنّ شروط الواقف قد انتهكت، أو أنّ الوقف قد عُطّل.

ثاني عشر : تنبيهات على بعض ما ورد في الوقفية، وله علاقة بموضوع الدراسة :

أ – التواريخ المبينة على الوقفية:

في بداية هذه الدراسة، عرفنا مكان الخان، ولعل من المهم معرفة زمان الوقف، لتكتمل الصورة. ولقد ضمت الوقفيةُ تواريخ متعددة مختلفة، بعضها خاص بالوقفية الأصلية، وأخرى متعلقة بذيل الوقفية، وثالثة تُثبت اطلاع بعض القضاة عليها.

ابتداءً فإن الشروع في بناء الخان، كان في سنة 635هـ/ 1237م[4]، واكتمل بناؤه سنة 638هـ/1240-1241م، وهذا ثابت بالنقش الموجود من بقايا الخان[5].

ـ بداية الوقف، غرة ذي الحجة، سنة 643هـ / (الموافق ابريل 1246م).

ـ تاريخ تحرير وثيقة الوقف، منتصف ربيع الأول، سنة 645هـ /(الموافق يوليو 1247م).

ـ تاريخ تحرير"ذيل الوقفية" أو "الضميمة"،كما ورد في النص، غرة جمادى الأولى، سنة645هـ /(الموافق سبتمبر 1247م).

ـ و أُضيف إليها أوقاف أخرى، بتاريخ:الرابع عشر من رمضان، من العام نفسه / (الموافق يناير 1248م).

ـ و أُضيفت إليها أوقاف أخرى، في غرة رجب، سنة 646هـ /(الموافق نوفمبر 1248م).

 و جميع التواريخ المشار إليها أعلاه، كانت في حياة الواقف، أما التي أضيفت بعد ذلك، فهي كما أسلفنا، لقضاةٍ اطلعوا على الوقفية، وسجلوا إعجابهم بها، ووقعوا عليها، وأشهدوا من حضر مجالسهم.

ـ نص بالفارسية ـ سبقت الإشارة إليه في التمهيد ـ و كُتب سنة 734هـ /1335م.

ـ غرة ذي الحجة، سنة 810هـ /(الموافق ابريل 1408م).

ـ الثاني من رجب، سنة 822هـ / (الموافق أغسطس1419م).

ـ غرة جمادى الأولى، سنة 1253هـ /( الموافق أغسطس 1837م).

ـ سلخ[6] رجب ، سنة 1267هـ /( الموافق يونيو 1850م).

وتعليقات القضاة المتأخرين، الذين اطلعوا على الوقفية، تحمل إشاداتهم بها، وبحسن صياغتها، ودقتها، وشموليتها، وكما بينت فيما سبق، فإن أحداً من هؤلاء القضاة، لم يذكر أنّ الأوقاف ـ بما فيها الخان وملاحقه ـ قد عُطلت، أو خربت، أو لم يعد معمولاً بها، بل أقرّوا بصحة الوقف، وأمضوه، وأشهدوا من حضر مجالسهم عليه، ولو أردنا تقصي ذلك لطال الأمر، ولخرجنا عن المقصود بهذه الدراسة، ولكنْ على أيةِ حال، فإن عدد محرري الوقفية ـ و الذيل عليها ـ وشهودها، والقضاة الذين اطلعوا عليها، يربو على الثلاثين نفساً.

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (7)


[1] أواقِ : جمع أُقية، بالضم و التشديد،ضرب من الموازين،و اختلفوا في مثاقيلها.المناوي: المصدر السابق،ص38

[2]ـ و يقصد به هنا، سلطان سلاجقة الروم في ذلك الوقت، و هو السلطان عز الدين كيكاوس الثاني بن كيخسرو الثاني .

[3]ـ سورة البقرة،آية :181.  

[4]- الوسيمي  : المرجع السابق،ص233.

[5]- أقطاي أصلان : المرجع السابق،ص

[6]ـ سلخ بمعنى نهاية الشهر، أو العام،و هو من المصطلحات التي كانت متداولة في العصور الإسلامية الماضية. 

التعليقات (0)