المسلمون في المدينة (بناء الدولة الإسلامية) - (1)

المسلمون في المدينة (بناء الدولة الإسلامية) - (1)

أ. د. عبدالشافي محمد عبداللطيف

أصبحت «المدينة» منذ أن وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها منزل الوحى، ومعقل الإسلام، ومركز إشعاعه الذى أضاء العالم، وشرع النبى فور وصوله فى بناء مسجده الذى شارك فى بنائه بنفسه مع أصحابه، وكان بناؤه متواضعًا؛ حيث بُنى من الطين أو الطوب اللبن، وكان سقفه من جريد النخل، وأعمدته من جذوعه، وفرشه الحصى، كما كان مربع الشكل، طول ضلعه نحو مائة ذراع. وهذا المسجد المتواضع البناء كان ذا شأن عظيم فى تاريخ الإسلام، فلم تقتصر وظيفته على أداء الصلوات فيه، بل كان مدرسة تخرَّج فيها الرعيل الأول من المسلمين، حملة لواء الإسلام ودعاته، مكانًا تُعقد فيه الجلسات لمناقشة الأمور العامة التى تتصل بحياة المسلمين ودينهم ودولتهم. وفيه استقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفود القبائل وسفراء الملوك والأمراء.

الإخاء بين المهاجرين والأنصار:

وهو الأساس الثانى الذى أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه دولته، ذلك أن «المدينة» فتحت صدرها الرحيب للمهاجرين، واستقبلهم الأنصار بحفاوة لا نظير لها فى التاريخ، فما نزل مهاجر على أنصارى إلا بقرعة، لتنافس الأنصار وتزاحمهم على استضافة المهاجرين، فآخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين الفريقين إخاءً ربط بين قلوبهم جميعًا، فأصبحت عروة الإيمان فوق كل أسباب الصلات البشرية، وأصبح النسب الإسلامى مقدمًا على سائر الأنساب.

معاهدة المدينة:

كانت الوثيقة الخالدة التى كتبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود الأساس الثالث لدولة الرسول فى «المدينة»، فبعد أن اطمأن على قوة جبهة المسلمين وسلامتهم، التفت إلى «المدينة»، فوضع لها نظامًا عامًا ثابتًا يحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا؛ مسلمين وغير مسلمين، فاليهود يقيمون فى «المدينة» منذ زمن طويل، وكانوا من قبل يقتسمون الزعامة مع الأوس والخزرج، وهؤلاء آمنوا بالله ورسوله، على حين بقى اليهود على دينهم ولم يؤمنوا، ولم يجبرهم الرسول على اعتناق الإسلام؛ إذ لا إكراه فى الدين، ومن ثم كان لابد من تحديد وضعهم فى الدولة الجديدة بنصوص صريحة، يُرجع إليها عند الضرورة.

ونص المعاهدة، كما رواها «ابن إسحاق»:

«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبى - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس» وهذا إعلان صريح للأساس العقدى للدولة الجديدة، وباب الانتساب إليها هوالإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا الأساس تمارس الدولة سياستها وسلطتها العليا فى الداخل والخارج. وجاء فى المعاهدة؛ وهو فى غاية الأهمية: «وأنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين، ماداموا محاربين، وأن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، .. وأن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، .. ». وأخذت الوثيقة تعدد سائر المجموعات اليهودية فى «المدينة»، ثم أضافت شيئًا مهمًا آخر، حيث نصت: «وأنه لا يخرج أحد منهم -من «المدينة» - إلا بإذن محمد». وهذا ليس تقييدًا لحريتهم، وإنما هو إجراء وقائى اقتضته ظروف الدولة الناشئة؛ خوفًا من عمليات التجسس، ونقل أخبار الدولة إلى أعدائها، وبخاصة أنها تعتبر فى حالة حرب مع «قريش»، التى أجبرت المسلمين على ترك أوطانهم وديارهم وأموالهم. وهذه المعاهدة كانت مهمة وأساسية فى إعلان ميلاد دولة المسلمين بقيادة النبى - صلى الله عليه وسلم -، باعتراف جميع أطرافها بهذه القيادة، كما يفهم من عبارة النص الآتى: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى «محمد» رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الله على أتقى ما فى هذه الصحيفة وأبره».

وعلى هذه الأسس الثلاثة السابقة قامت الدول الإسلامية فى «المدينة»، وكان فى قيامها فتح جديد فى الحياة السياسية؛ إذ قررت حرية الاعتقاد والرأى، وحرمة «المدينة»، وحرمة الحياة، وحرمة المال، وحددت أعداء الدولة فى صراحة ووضوح، فمنعت إجارة «قريش» ومن نصرها.

حكومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - :

كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أول رئيس للدولة الإسلامية، كما نصت على ذلك المعاهدة، وقد قام النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذه المهمة طوال حياته، فهو الذى يقضى فى الحقوق المدنية والجنائية كافة، وينفذ القضاء، ويقيم الحدود، ويجبى الأموال من مواضعها الشرعية، ويوزعها فى مصارفها الشرعية، ويعلن الحرب، ويعقد معاهدات الصلح، ويخاطب رؤساء الدول، ويستقبل سفراءهم، ويولى الولاة على الأماكن البعيدة عن «المدينة». وهو فى ذلك كله مؤيد من الله - تعالى - فإذا نزلت الحادثة بالأمة، ولم يكن نزل فى شأنها وحى من الله، اجتهد النبى رأيه وشاور أصحابه من أهل العلم والرأى، وكانوا تارة يجمعون على رأى فيعمل به، وتارة يختلفون فيعمل برأى بعضهم، ويترك رأى البعض الآخر، مجتهدًا فى ترجيح رأى على رأى. ولما كانت أعباء الدولة كثيرة، وفى الوقت نفسه يقوم بمهمة تبليغ الرسالة، وهى مهمة ثقيلة، فقد احتاج إلى معاونة أصحابه فى إدارة الدولة، ومنهم تشكَّلت حكومته واختص بعضهم بملازمته، مثل «أبى بكر الصديق»، و «عمر بن الخطاب»،فأطلق عليهم «وزراء الرسول»، وكان له «صاحب سر»، أشبه ما يكون بالسكرتير الخاص، إن صح هذا التعبير، هو «حذيفة بن اليمان»، و «صاحب شرطة» هو «قيس بن سعد بن عبادة». وكان له عدد من الحرَّاس، منهم: «سعدُ بن زيد الأنصارى»، و «الزبير بن العوام». وكان له عدد من الحجَّاب الذين يستأذنون للناس فى الدخول عليه، منهم: «أنس بن مالك». وكان له خاتم لختم الرسائل والمعاهدات، يحمله اثنان هما: «حنظلة بن الربيع بن صيفى»، و «الحارث بن عوف المرِّى».

المسلمون في المدينة (بناء الدولة الإسلامية) - (2)

 الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي - عصر النبوة والخلافة الراشدة/ أ. د. عبدالشافي محمد عبداللطيف

التعليقات (0)