التاريخ العلمي والدعوي للمرأة المسلمة .. تاريخ مظلوم

التاريخ العلمي والدعوي للمرأة المسلمة .. تاريخ مظلوم

أ.د. عبدالحليم عويس

لقد كان للمرأة المسلمة حضورها الواضح في عصر بناء دولة الإسلام الأولى في مكة - حيث المعاناة والملاحقة - وفي الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفي حفظ كتاب الله وأحاديث رسوله - عليه الصلاة والسلام - ومع ذلك فتاريخ المرأة في حضارتنا تاريخ مظلوم، مع أن المرأة كانت فاعلة وإيجابية ومتفوقة على كثيرٍ من الرجال، ولها إسهاماتها في طلب العلم، وفي الدعوة إلى الله، وفي الجهاد في سبيل الله!!

وقد ذكرت كتب السيرة أن هناك (أهل صُفَّة) من الرجال، وفي المقابل لم ترد إلا إشارات عابرة تفيد أن هناك (أهل صُفَّة) من النساء، والحق أنه كانت هناك (صُفَّة للنساء)، وهي عبارة عن سقيفة خاصة بالنساء في المسجد النبوي، أو لعلها في تلك الصفوف الخلفية المخصصة للنساء، وكانت تجتمع فيها مجموعة من النساء قد تَخالَلنَ وتآخَيْنَ، وتَعاهَدْنَ فيما بينهنَّ على القيام ببعض أعمال البر المفيدة النافعة، ومنها الأنشطة التعليمية، حيث طلبنَ من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يخصِّص لهن يومًا لتعليمهنَّ دينهنَّ، بعد أن غلبهنَّ الرجال على ذلك، فاستجاب لهن - صلى الله عليه وسلم - وجعل لهن يومًا على حِدة؛ (رواه البخاري).

وإضافة إلى هذا التعليم الجماعي، فقد كان هناك تعليم فردي، ندَب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض النساء، ومن ذلك حثُّه على تعليم المسلمين بعضهم البعض، كما طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشفاء بنت عبدالله تعليمَ حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنهما - بل إن النساء كنَّ من مؤسسي الدولة الإسلامية، لدرجة أن بيعة العقبة الثانية ضمَّت امرأتين من النساء بايَعْنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أن كل النساء اللائي كن يُسلِمْنَ، كن يَقُمْنَ بالبيعة أيضًا.

وكذلك كان للنساء مندوبة تتحدث باسمهنَّ، يدل على ذلك قول أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إني رسول مَن ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهنَّ يَقُلنَ بقولي، وعلى مثل رأي - وقد استمرَّت هذه (الجمعية النسائية الخيرية) مدة تَشغل مكانًا خاصًّا بها في المسجد، حتى طلب عمر - رضي الله عنه - خروجهنَّ من المسجد، تقول أم حبيبة (خولة بنت قيس): كنا نكون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله عنه - وصدرًا من خلافة عمر - رضي الله عنه - في المسجد، نسوة قد تَخالَلنَ، وربما غزَلت بعضنا فيه الخوص، فأخرَجنا منه (عمر) لوجود بدائلَ.

وهذه اللقطات تؤكد لنا مدى الفاعلية والإيجابية للمرأة المسلمة في بناء حضارة الإسلام ودولته، وذلك في وقت كانت أوروبا وأكثر بلاد العالم تَنظر إلى المرأة على أنها نصف شيطان، وأنها شرٌّ لا بد منه، وأن مكانها البيت من المهد إلى اللحد والوأد خشية العار.

لقد أعطى الإسلام للمرأة معاني الوجود الصحيحة قلبًا وعقلاً، ومعنى الإنسانية الحقة، ومعنى الحرية الإنسانية اللائقة بـ﴿ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4]، والبعيدة عن حيوانية ﴿ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ [التين: 5].

التعليقات (0)