فتوحات العثمانيين في أوروبا (1)

فتوحات العثمانيين في أوروبا (1)

د. محمد عبدالحميد الرفاعي

اتخذت أوروبا موقفًا عدائيًّا ضدَّ الإسلامِ عبر التاريخ، وذلك نتيجةَ الجهلِ به، وخوفِهم على مصالِحهم السياسية وسياستهم الاستعمارية، وقد بدأ هذا الموقفُ منذ عهدِ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندما حشد الرُّوم حشودَهم وعبَّؤوا حلفاءَهم للقضاءِ على الدولةِ الإسلامية الناشئة، ولكنَّ الله ردَّ كيدَهم إلى النحر، وكلَّل جندَه بالنصر، وامتدتْ رايةُ الفتح في عهد الراشدين لتنتزعَ أغلى ما في تيجانِهم من دُرر، ثم اجتازت جيوشُ الأمويين مضيقَ جبلِ طارق من ناحيةِ الغرب، وعبرتْ جبالَ البرانس لتصلَ إلى مشارفِ باريس.

وظهرتِ الرُّوحُ الصليبية في أعتى صورِها في الحروبِ الصليبية في المشرقِ التي استمرَّتْ نحو قرنين من الزمان، ثم ارتدتْ على أعقابِها مدحورة، والحروبُ الصليبية في المغربِ التي سقطت فيها الأندلسُ في أيدي الإسبان.

ولم تكد أوروبا تظهر فرحتَها بسقوطِ السَّلاجقة الذين أذاقوها مرارةَ الهزيمة مرَّاتٍ، وأسروا أباطرتها، وانتزعوا من الرُّوم أعظمَ ممتلكاتِهم في آسيا الصغرى، حتَّى ظهر لهم الخطرُ الإسلامي من جديدٍ؛ ممثلاً في الدولةِ العثمانية الفَتِيَّة المجاهدة، فغلبتْهم على ما بقي لهم في آسيا، وبقي على العثمانيين أن يعبُروا البسفورَ إلى الشاطئ الأوروبي.

وقد نظر الأوروبيون إلى الدولةِ العثمانية على أنَّها ممثلةُ الإسلام وحاملةُ رايتِه، ومن ثَمَّ تكتَّلتْ جهودُهم لوقفِ مدِّها، ثم إضعافِها والإجهاز عليها، كما جنَّدوا أقلامَ مفكريهم ومؤرِّخيهم لتشويهِ تاريخِها وكيل الاتهامات لها.

وبعد الانتصارِ تقدَّم السلطانُ مراد إلى سهلِ كوسوفو، وهناك قَدِم عليه أميرٌ صربي متظاهرًا بالطَّاعةِ والخضوع، والرَّغبةِ في تقديم فروضِ الولاء للسُّلطان، وتقدَّم إليه ليقبلَ يدَه ثُمَّ عاجلَه بخنجرٍ مسموم، فسقط مضرجًا في الدِّماء، وأصبح في عداد الشُّهداء، وأبى رجالُه أن يذهبَ دمُه هباءً، فجدُّوا في قتال الأعداء، وسقط ملكُ الصِّربِ "لازار" بين الأسرى، ومعه عددٌ كبيرٌ من النبلاء، وسِيقوا يرسفون في الأغلالِ، وقُتِلوا أمام جثمانِ السُّلطانِ في ميدان القتال.

وكان من نتائجِ معاركِ قوصرة أن أصبحتْ بلادُ الصرب والبلغار ولاياتٍ تابعةً للتاج العثماني، وامتدت حدودُ الدولة إلى نهرِ الدانوب.

وفي نفسِ الوقت الذي غزا فيه العثمانيون شرقي أوربا، كانت جيوشُهم قد استولتْ على الجيوبِ الباقية والإمارات الصغيرةِ التي قامتْ في الأناضول على أنقاضِ دولة السلاجقة، واستكملتْ هذه المرحلة في عهدِ السُّلطان بايزيد الأول، وقد أدَّى انشغالُ هذا السلطانِ في حروبِه بالأناضول إلى تجرؤ القوى الأوربية، وعلى رأسِها ملكُ المجر الذي تباركُه الكنيسةُ الكاثوليكية في روما على مناهضةِ العثمانيين، واسترداد كثيرٍ من المدن التي فتحوها في أوربا، وفي نفسِ الوقتِ كانت الدولةُ العثمانية تستعدُّ لمواجهةِ خطرٍ جديدٍ قادم من المشرقِ يمثِّلُه تيمور لنك التتري.

واجتمعتِ القوى الأوربية ومن شرقي أوربا وغربيها على ضرورةِ طردِ العثمانيين المسلمين من قارَّتِهم، ووجَّه البابا "بونيفاس التاسع" نداءً إلى جميع ملوكِ أوربا وأمرائها يدعوهم إلى التحالُفِ والاستنفار في مواجهةِ عدوِّهم المشترك، فاستجاب له ملوكُ: (إنجلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج وبولندا وروسيا وترنسلفانيا وفرسان القديس يوحنا في رودس، والإمارات الإيطالية وبخاصة جنوة والبندقية)، وحشدوا حوالي مائة وعشرين ألفًا عند مدينة "نيكو بوليس" الواقعةِ على نهر الدانوب في بلغاريا قربَ الحدودِ الرُّومانية.

ولكنَّ الكثرةَ العددية لم تكن أبدًا مدارَ النّصرِ والهزيمة، وإنَّما النصرُ من عند الله، ويُنال بالصَّبرِ والمصابرةِ والإيمان والتُّقى والأخذِ بالأسباب، واستطاع السُّلطانُ بايزيد الأول بن مراد أنْ يلحقَ بهم هزيمةً نكراء، وساق نبلاءَهم أسرى في موقعةِ "نيكو بوليس" (سنة 799هـ/1396م)، وبذلك رسختْ أقدامُ العثمانيين في البلقانِ، وامتدَّتْ دولتُهم من الفراتِ شرقًا إلى الدانوب غربًا، ونمتِ الأنباءُ بذلك في أرجاءِ العالَمِ الإسلامي، فعمَّت الفرحةُ قلوبَ المسلمين، واعتبروا انتصاراتِ العثمانيين تجديدًا لدماء الإسلام.

وأراد العثمانيون مواصلةَ انتصاراتِهم في أوربا، وحاصروا القسطنطينيةَ حتَّى ترنَّحتْ نحو السُّقوط، ولكنَّ الأوضاعَ انقلبت رأسًا على عقبٍ بقدومِ السَّيل الدَّاهم من الشرقِ ممثَّلاً في خطر المغولِ بقيادة تيمور لنك، فاضطر السُّلطانُ بايزيد الأول إلى عقدِ الصُّلحِ مع أهلِ المدينة، على التزامِهم بالجزية وبناءِ مسجدٍ جامع للمسلمين الموجودين بها، ورحل عنها بقواته.

الهجوم التتري ونتائجه:

كان تيمور لنك يحكمُ دولةَ التتارِ في وسطِ آسيا وبلادِ الفرس، واستطاعَ أن يوسِّعَ دائرةَ ملكِه، فاستولى على بلاد الأفغانِ والهند في الشَّرق، ثم اتجه غربًا فاستولى على جورجيا وأرمينيا وكردستان، وأصبح وجهًا لوجهٍ أمام دولتي المماليك والعثمانيين، وقد اجتاح كثيرًا من مدنِ الشَّام، حتَّى دخل حلب ودمشق سنة (802هـ/1400م) كما ذكرنا في حديثِنا عن المماليك البرجية، ثُمَّ اتجه نحو ممتلكاتِ العثمانيين في آسيا، ووصل إلى سهولِ أنقرة سنة (805هـ/1402م).

وكان اللقاءُ الكبير بين القوَّتينِ المعروفتين بالشِّدةِ والبأس، وتلاحمتِ الصُّفوف وتقارعتِ السيوف، واستمرَّ القتال، وتساقطَ الأبطال، واستبسلَ السُّلطانُ بايزيد نهارًا بأكملِه أو يزيد، من مشرقِ الشَّمس إلى مغربِها، حتَّى وقع المحظور وانضمَّ من معه من أصولٍ تترية، وبعض الإماراتِ التركية التي أذعنتْ لطاعتِه حديثًا إلى صفوفِ عدوِّه تيمور، وإذا برحى الحربِ عليه تدور، واستشهد ابنُه مصطفى حلبي، ولاذ بعضُ رجالِه بالفرار، وبقي في المعركةِ فردًا، ولم يكن من وقوعه في الأسر بد، وسِيق إلى سمرقند مُكبَّلاً، وبقي فيها حتَّى مات كمدًا، ثم نقلت جثتُه إلى بروسة؛ حيث دُفِن بجوار قبر أبيه.

وكان مِن نتائج هزيمةِ "أنقرة" هذه أن فقَد العثمانيون معظمَ قوتِهم العسكرية، وانكمشوا حينًا، وفرَّتْ كثيرٌ من العائلاتِ التركية من المناطقِ الآسيوية إلى المناطقِ الأوربية خوفًا من التتار، حتَّى أصبحَ عددُ الأتراك بأوربا أكثر من الأناضول، وساعدَ ذلك على انتشارِ الإسلام في هذه المناطق، وتوقَّفتْ خططُ العثمانيين للتوسُّعِ في أوربا، وأصبحتِ القسطنطينية في مأمنٍ من هجماتِهم، وتأخَّرَ سقوطُها حوالي نصف قرن.

وابتهج العالَمُ الأوربي المسيحي بما نال العثمانيين، وهلَّلوا لانتصارِ التتار، حتَّى إنَّ بعضَ ملوك أوربا - مثل هنري الرابع ملك إنجلترا - أرسلوا إلى تيمور لنك يدعونَهُ إلى التحوُّلِ عن الإسلامِ واعتناقِ النصرانية، على أن يعترفوا به زعيمًا للعالم المسيحي.

وفقد العثمانيون معظمَ ممتلكاتهم في آسيا، واستقلَّتِ البلغارُ والصِّرب في أوربا، وأمر الإمبراطورُ البيزنطي بهدمِ المساجد التي بُنِيتْ في القسطنطينية، وطردِ أئمَّتِها وعلمائها ورعايا العثمانيين الموجودين هناك.

وتتابعتْ موجاتُ الهجرة من أنحاء آسيا أمام هجماتِ تيمور لنك الشَّرسة وأكثرُهم من الأتراكِ المسلمين، ووصلتْ إلى الأناضولِ فصبغتْه بالصبغةِ الإسلاميةِ الخالصة، وكان في الوافدين بعضُ الفرسِ الذين يدَّعون أنَّهم أصحابُ التفوقِ والمدنية، ويسعون لعودةِ مجدِهم القديم، وبعضُ الفِرَقِ الإسلاميةِ المغالية والمنحرفة عن الجادَّةِ، ولكنَّهم كانوا أقلية.

الصحوة العثمانية والنهوض من الكبوة:

برغم ما لقيه العثمانيون من آثارِ الغزو التتري فإنَّهم حافظوا على وجودِهم وبقائهم، ويعلِّل المؤرِّخون ذلك بأنَّهم تلقوا هذه الضربةَ وهم في طورِ البناء والتكوين والفتوة، وليسوا في مرحلةِ الشَّيخوخةِ والهرم، فكان من السَّهلِ عليهم امتصاصُ هذه الضربات، وتضميدُ الجراح، والنهوضُ من جديدٍ، وقد قدَّم لهم تيمور خدماتٍ من حيث لا يدري؛ لأنَّه دفع بجموعٍ تركية مسلمة إلى المنطقةِ، فضاعفتْ من قوةِ الدولة، كما أنَّه استولى على ميناءِ أزمير البيزنطي، الذي استعصى على العثمانيين من قبل.

وقد توفي تيمور عقب ذلك في "أورناوة" ببلادِ التركستان في السابعِ عشر من شعبان سنة (807هـ/19 من فبراير سنة 1405م)، ووقع الخلافُ بين أبنائِه، ومن ثَمَّ نجح السُّلطانُ العثماني محمد الأول بن بايزيد (805 - 824هـ/ 1402 - 1421م) أن يتغلَّبَ على المشكلاتِ الداخلية، ويستردَّ كلَّ ما فقدتْه دولتُه أمام غزوِ المغول، واتَّخذَ من مدينةِ أدرنة عاصمةً له، وتمكَّنَ من إخضاعِ بلغاريا وصربيا من جديد، وبذلك محا كلَّ أثرٍ لهزيمةِ أنقرة، وتمكَّنَ من توحيدِ دولتِه من جديد.

وواصل سياسيتَه ابنُه مراد الثاني (824-855هـ/1421-1451م) فركَّز اهتمامَه على بناءِ جيشٍ قوي واقتصادٍ سليم، وتأمينِ المناطق الحدودية.

وشرع السُّلطانُ مراد الثاني في استحداثِ فرقٍ عسكرية من نوعٍ خاص، معدة إعدادًا جيدًا للقتالِ؛ عُرِفت بفرق "الإنكشارية" لتكونَ معتمدةً في تحقيقِ أهدافِه التوسعية الطموحة في البلقان، وفي مواجهةِ مخطَّطاتِ إمبراطورِ القسطنطينية ومكايدِه؛ إذ كان يساعِدُ المتمرِّدين والثَّائرين ضدَّ السُّلطان.

وضرب السلطانُ حصارًا قويًّا حول القسطنطنيةِ لشلِّ حركتِها وإضعافها، ثم اتَّجه إلى ألبانيا والمجر، وتمكَّن من الاستيلاءِ على الشطرِ الجنوبي من ألبانيا، أمَّا الشطرُ الشمالي منها فقد واجه فيه مقاومةً عنيدة، وتكبَّدتْ جيوشُه خسائرَ كبيرة؛ نظرًا لطبيعةِ المنطقة الجبلية الوعِرة، وتعرَّضَ جنودُه لحربِ العصابات، ومؤازرةِ البندقيةِ للألبان بالإمدادات عن طريق البحر.

وفي المجر واجه السُّلطانُ تحالفًا صليبيًّا من البابا "يوجين" الرابع، وعديدٍ من الدول من بينهم الإمبراطورية البيزنطية، فتمكَّنوا من إلحاقِ الهزيمةِ به في موقعة "نيش" سنة (847هـ/1443م)، ولكنَّ عينَ السلطان لم تقر حتَّى ثأرَ لهزيمتِه في العام التالي في موقعة "وارنة"؛ وهي ميناء بلغاري يقعُ على البحر الأسود، وفقدت المجرُ زهرةَ شبابِها وخيرةَ فرسانِها، وعجزتْ بعدها عن القيامِ بأيِّ عملٍ حربي، ويئستِ القوى الصَّليبيةُ من التحالفِ ضدَّ العثمانيين، ولم يجتمعْ بعد ذلك في حربٍ مشتركة ضدهم.

فتوحات العثمانيين في أوروبا (2)

التعليقات (0)