(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (1)

(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (1)

د. محمد عبدالحميد الرفاعي

مصرية المماليك:

المماليك عناصر أجنبيَّة مَجلوبة إلى مصر - كما سيأتي تفصيله - بهدف استعمالهم كجُند وقوَّة عسكريَّة يَعتمد عليها حُكَّام البلاد، وهم ينتمون إلى أجناس متعددة من تُرْك وخزر، وجركس وأرمن، وأكراد وأورام.

وقد شاع بين كثيرٍ من المؤرِّخين اعتبارُ هؤلاء المماليك طائفة أجنبيَّة لا تنتمي إلى مصر، وفي مقدمة أصحاب هذا الرأي فريق من المستشرقين، يأتي على رأْسهم المستشرق الإنجليزي "وليم موير" في كتابه "تاريخ دولة المماليك في مصر".

وقد بَنَى هذا المستشرق رأْيه على عدة اعتبارات:

منها: أنَّ هؤلاء المماليك قد جُلِبوا من خارج مصر، وأنهم بعد استقدامهم إليها عاشوا في عُزلة داخل أسوارهم وأبراجهم، ولَم يَختلطوا بأهل البلاد، أو يتزوَّجوا من مصريَّات إلاَّ نادرًا، وهو يعتبر حكومتهم "حكومة أجنبيَّة استبداديَّة"، وأنهم كانوا حريصين على أن يجمعوا الأموال، ويملؤوا خَزَائنهم على حساب أهل البلاد واستعبادهم وإذلالهم.

وأَعْقبه بعد ذلك المستشرق الفرنسي "هنري لاوست" الذي كانت آراؤه صدًى وترديدًا لأقوال موير، وأضافَ أنَّهم لَم يتمكَّنوا من إجادة اللغة العربية، ولَم يتعمَّقوا في الدين الإسلامي أو يلتحموا به، فهم في نظره طائفة من الجُند المرتزقة والغُزاة المحتلين، ومِن ثَمَّ تعمَّقت مشاعر الكراهية بينهم وبين المصريين.

وقد انسَاق بعض المفكرين المصريين خلف هذه الآراء ونقلوها دون تحقيق أو تمحيص، ودون تنبُّه لِمَا يُمكن أن يحمله هذا الرأي من انتقاصٍ من قدْر مصر وتاريخها المجيد، والغَض من شأْن الإنجازات والانتصارات العظيمة التي تحقَّقت في هذه الحقبة الحافلة من تاريخها.

وإذا ارْتَضينا هذا المقياس، واعتبرنا كلَّ مَن وفَد إلى مصر أو جاء آباؤه وأجداده من خارجها، فإننا سوف نهدر حِقَبًا عظيمة من تاريخها، ونرفض عديدًا من حُكامها، مثل: أسرة الملك "مينا" أوَّل ملوك الفراعنة الذين ذكَرهم التاريخ، التي قَدِمت - كما تؤكِّد معظم الدراسات - من آسيا، ونُنكر عهود الفتح الإسلامي، ونرفض حُكم الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين وغيرهم.

وبهذا المقياس أيضًا يُمكننا أنْ نحكم على دول أوروبا التي نشأَت مع غزوات القبائل النورمانديَّة القادمة من شمال أوروبا؛ من وندال وجِرمان، وفرنجة وقوط، ودول أمريكا الشماليَّة والجنوبيَّة وأستراليا الوافدة من أوروبا وغيرها.

ومِن سُنة الله في خَلْقه أنَّ الناس في حركة دائمة دائبة، يسيحون ويهاجرون في أرض الله الواسعة، ويستوطنون مناطق جديدة، ومنهم العرب والأتراك، والمُغول والأوروبيون وغيرهم، وبمرور الزمن، وبتأثير عوامل التمازُج والتفاعُل، يرتبطون بالمَوَاطِن الجديدة، ويلتحمون بها، ويُصبحون من أهلها.

والمقياس يجب أن يختلفَ عمَّا ذكَره هؤلاء المستشرقون ومَن تابعهم، فالمقياسُ الحقيقي هو الولاء والانتماء وخدمة الأوطان، فكلُّ مَن عاش على أرض مصرنا أزمانًا، وارتبط بتُرابها وتُراثها، وعَمِل على حمايتها والرُّقي بها، وانتمى إليها دون غيرها، فهو مصري، حتى ولو كان أجداده من خارجها، وعلى العكس من ذلك، فكلُّ مَن أساء إلى مصر، أو جعَل انتماءَه الأوَّل لغيرها - فكرًا أو عملاً - فهو غير مصري، حتى ولو كان مولده على أرْضها وكان أبواه مصريَّيْن.

وهذا المقياس الذي نرتضيه - وهو مقياس الولاء والانتماء والإيمان - هو ما يرتضيه الإسلام، فقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن سلمان الفارسي: ((سلمان منَّا آل البيت))، وقال الله - تعالى - عن ابن نوح - عليه السلام -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ [هود:46].

وإذا نظرنا إلى المماليك نلحظ ما يأتي:

1 - أنهم قَدِموا إلى مصر أطفالاً صغارًا بين السابعة والثانية عشرة، قبل أن تتحدَّد انتماءاتهم، وتتكوَّن مشاعرهم وثقافتهم، فقد كانوا في سنِّ التعليم والتلقين والنمو، فساعَد ذلك على الْتِحَامهم بموطنهم الجديد مصر، ومثال ذلك المؤيِّد شيخ الذي اشتراه السلطان "برقوق" وهو في السابعة من عُمره، ثم صار بعد ذلك سلطانًا، وكان المماليك في هذه المرحلة من العُمر يُسَمون بالمماليك "الكُتَّابيَّة"؛ نسبة إلى "الكُتَّاب"، وهو مكان لتعليم الصغار؛ مما يُشير إلى أنهم في سنِّ التعليم الأُولى.

2 - أنَّ هؤلاء المماليك جاؤوا إلى مصر؛ ليقيموا بها إقامة دائمة مدى الحياة، ولَم تكن إقامتهم فيها مؤقَّتة، ولَم يأتوا لأداء مهمة عسكريَّة محدودة، ثم يرجعون بعدها إلى مواطنهم؛ مما ينفي عنه وصْفَهم بأنهم مُرتزقة مأْجورون، أو أنهم غُزاة مُحتلُّون.

3 - أنَّ هؤلاء المماليك انقطَعت صِلَتهم تمامًا بمواطنهم الأصليَّة انقطاعًا مكانيًّا ووجدانيًّا، وكان بعضهم يعرف موطنه وبلده الذي جاء منه، ولكنَّ أحدًا منهم لَم يُفَكِّر في ترْك مصر والعودة إلى موطنه الأصلي، أو زيارة أهله وذَوِيه هناك، فقد أصبحَت مصر بالنسبة لهم وطنَهم الوحيد الذي لا يرتضون به بديلاً، ولا يشعرون بالحنين لسواه.

4 - تلقَّى هؤلاء المماليك ألوانًا من التعليم والثقافة والتربية والتنشئة، بما يجعلهم أكثر ارتباطًا وامتزاجًا بمصر، فقد كانوا يتعلَّمون إلى جانب الفنون العسكريَّة والحربيَّة علومَ الدِّين واللغة؛ من قرآن وحديث، وفقه وسيرة ولُغة.

وقد ذكَر المقريزي في كتابه "الخُطط" أنَّ هؤلاء المماليك كانوا يُجْلَبُون صغارًا، لَم يَبلغوا الحُلُم، فيقيمون في طوابق القلعة، ويتعلَّمون القرآن الكريم والفقه، والأذكار واللغة العربية، فإذا وصلوا سنَّ البلوغ بدؤوا في تعلُّم فنون القتال؛ مِن رمْي، وطعْن، وضَرْب.

وكان أساتذة هؤلاء المماليك - من أُمراء وسلاطين - يوثِّقون فيهم الانتماءَ لحياتهم الجديدة، بحُسن معاملتهم، والإغداق عليهم من ألوان الخير، ومثال ذلك ما كان يَمنحه لهم السلطان محمد بن قلاوون من أموال وهدايا، وكان يقول: "إذا رأى المملوك سعادة تملأ عينَيْه وقلبه، نَسِي بلاده، ورَغِب في أستاذه".

وكان المماليك يتلقون تعليمهم على أيدي علماء مصريين في مدرسة القلعة التي تسمَّى "بالطباق".

5 - وأجاد كثيرٌ من هؤلاء المماليك اللغةَ العربية إلى درجة عالية، حتى إنهم اشتغلوا بالعلم والأدب وقرَضوا الشعر، وبخاصة في دولة المماليك البُرجيَّة؛ قال ابن إياس عن السلطان المؤيد شيخ: "أن عارفًا بالموسيقى والشعر، ويصنع الألحان، وله أشياء كثيرة دائرة بين المغنين إلى الآن".

وقال عن الظاهر جقمق: "كان فصيحًا بالعربية متفقِّهًا، له مسائل في الفقه عويصة يُرجع إليه فيها"، وقال عن السلطان الأشرف قايتباي: "كان له اشتغال بالعلم، كثير المطالعة، وكان متقشِّفًا فيه نزعة صوفيَّة".

6 - أدى المماليك دورهم التاريخي العظيم في الدفاع عن مصر وعن العالم الإسلامي، فردُّوا عنها غارات الصليبيين والمغول بكلِّ بَسَالة وإخلاص، ولَم يتوانوا في ملاحقة هؤلاء الغُزاة حتى استأْصلوا شأْفَتهم، ولَم يُفكر أحدٌ منهم في التخلي عن واجبه أو مهادنة هؤلاء الأعداء، كما يفعل غيرهم من المرتزقة والمجلوبين، ولَم يقل أحدٌ منهم: إنها ليستْ بلادنا ومواطننا حتى نموت من أجْلها، وذلك إلى جانب دورهم الحضاري والعمراني الذي لا يُنكره أحد.

7 - كان هؤلاء المماليك على وعْي بانتمائهم المصري، وكانوا يَفخرون بأنهم مصريون، فقد ردَّ السلطان برقوق على تهديدات تيمور لنك المغولي سنة 796هـ قائلاً: "إن خيولنا برقية، وسهامنا عربيَّة، وسيوفنا يمنيَّة، وليوثنا مصريَّة"، وكانوا يحرصون على أن تكون مدافنهم ومقابرهم في أرض مصر، فيذكر ابن إياس أنَّ سلامش بن الظاهر بيبرس عندما توفي في منفاه بالقسطنطينيَّة سنة 690هـ وضعتْه أُمُّه في تابوت وحملته معها إلى مصر عندما سُمِح لها بالعودة إليها سنة 696هـ، ودفنتْه في إحدى مقابر مصر.

وكان المؤرِّخون يُطلقون على المماليك لقب: "الأُمراء المصريون"، وهذا واضح تمامًا في كتابات المقريزي والجبرتي.

وقد تزايَد شعور المماليك بالانتماء إلى مصر في الجيل الثاني والثالث من أبنائهم؛ حتى أصبحوا مصريين تمامًا، أمَّا العُزلة التي يشيرون إليها، فإن المماليك لَم يكونوا في عُزلة كاملة، فقد تزوَّج عددٌ منهم من مصريَّات من بنات القُضاة وكُبراء المصريين، وقد فرضَتْ عليهم طبيعة حياتهم العسكريَّة والمهمة المنوطة بهم أن يكونوا في ثكناتهم وقلاعهم؛ لتوفِّر لهم الانضباط والالتزام، والتعليم والتدريب، وهذا موجود في كلِّ نظام عسكري إلى اليوم.

8 - ظهَر من أبناء المماليك عددٌ من العلماء والمؤرِّخين، منهم: أبو المحاسن بن تغري بردي صاحب كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، وابن دقماق (ت 809هـ-1407م)، صاحب كتاب: "الانتصار لواسطة عقد الأمصار"، وابن إياس صاحب كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وقد تجلَّى في كتاباتهم الشعور بالمصريَّة، وطغَى عليهم التغنِّي بحب مصر وإجلالها وتعظيمها، واتخذوا من تاريخها مجالاً لأعمالهم ودراساتهم.

وفي عصرنا الحديث تمنح بعض الدول جنسيَّتها لبعض الأجانب الوافدين إليها بشروط خاصة، كأن يتزوَّجون من أهلها، أو يشاركون في نهضتها ومؤسَّساتها، أفلا يستحق المماليك بما أدَّوه من دورٍ لمصر وتاريخها أن يكونوا من أبنائها؟

9 - كان معنى الوطن في ذلك الوقت يختلف عما نعرفه الآن في عصر القوميَّات والجنسيَّات، فقد كان معناه "ديار الإسلام"، والدفاع عن الدين والشريعة، ويقول الدكتور عبدالمنعم ماجد: "الدولة في وقت المماليك لَم يكن لها معناها في وقتنا، وإنما هي مجموعة من الناس تحرِّكها الشريعة الإسلامية التي يحافظ عليها الحُكَّام، فعصبيتها تكون للدِّين قبل كلِّ شيء، وكذلك كان معنى المواطنة في ذلك الوقت - إن جاز استعمال هذا اللفظ بالنسبة للمسلمين في العصور الوسطى - هو الانتساب قبل كلِّ شيء لعالم الإسلام".

(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (2)

التعليقات (0)