(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (2)

(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (2)

د. محمد عبدالحميد الرفاعي

 

نشأة المماليك:

كلمة مملوك في اللغة تعني: العبيد الأرقَّاء، وهي مرتبطة بتعبير القرآن الكريم "مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، و"مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ"، وقد اتَّخذت مع الاستعمال ومرور الزمن معنًى اصطلاحيًّا، فأصبحتْ تُطْلَق على الرقيق الأبيض دون العبيد السود، الذين يُجلبون لاستخدامهم كجُند محاربين.

وكان المصدر الرئيسي لجلْب هؤلاء المماليك هو بلاد تركستان في وسط آسيا، وكان الترك يُعْرَفون بقوَّة الأجساد وإجادة القتال، وبدأ استقدامُهم في العصر العباسي، عن طريق الأسْر في الحروب أو الشراء من تُجَّار الرقيق، وبدأ الاعتماد عليهم في عهد الخليفة المأمون، ثم استكثَر منهم بصورة واضحة الخليفة المعتصم العباسي (218هـ - 227هـ) كبديل عن عنصري العرب والفرس، وبنى لهم مدينة سامراء شرقي دجلة سنة 221هـ؛ لتكون خاصة بهم، وقيل: إنَّ عددَهم وصَل في عهده إلى سبعين ألفًا، وكان لهؤلاء الأتراك دورٌ كبير في التاريخ منذ ذلك الحين.

ومن أبرز هؤلاء الأتراك أحمد بن طولون، ثم محمد بن طغج الإخشيد اللذَّيْن أسَّسا دولتين مشهورتين في مصر، وكان كلٌّ منهما بدوره يعتمد على جُندٍ من المماليك الأتراك والديلم بصفة خاصة، ثم تابَعهما الفاطميون في هذه السياسة، وكان بالقاهرة في عهدهم سوق كبير لتجارة الرقيق عند الساحة التي تقع في منطقة "بين القصرين"، والتي بُنيت فيها فيما بعد مدرسة الكامليَّة.

واتَّسعت ميادين جلْب الرقيق وتعدَّدت مصادرها، فأصبحتْ تأتي من بلدان آسيا وأوروبا، وجورجيا ومنطقة بحر البلطيق، وكان أهل هذه البلاد يعانون من الفقر وضِيق العيش، حتى كان بعض أهلها يُقبلون على بيع أبنائهم رقيقًا؛ ليضمنوا لهم حياة أفضل، ولعِلْمهم أنهم سيُصبحون جندًا وقادة، ورُبَّما يصلون إلى مراتب الأُمراء والسلاطين، ويقول ياقوت: "إذا وُلِد للرجل من الترك ولدٌ، ربَّاه وعالَه وقام بأمره حتى يَحتلم، ثم يدفع إليه قوسًا وسهامًا، ويُخرجه من منزله ويقول له: "احتلْ لنفسك"، ويُصيِّره بمنزلة الغريب الأجنبي، ومنهم مَن يبيع ذكور ولده وإناثهم بما ينفقونه".

وكان للروم والإيطاليين مستعمرات على البحر الأسود تبيع الرقيق الأبيض من الجورجيين والأرمن، واللان والسلاف، والصرب وغيرهم من الأجناس، وكانوا يُجلبون بكثرة إلى المواني المصرية، أو عن طريق البَرِّ، ولهم أسواق خاصة بهم في القاهرة، مثل: خان الخليلي، وخان مسرور.

وتزايَد الاهتمام بالمماليك في العصر الأيوبي في عهود أعقاب صلاح الدين (ت 589هـ-1193م)، فقد تنافَس ورثته - من أبنائه وأخوته، وأبناء البيت الزنكي - في الاعتماد على المماليك؛ للاستعانة بهم في الحروب والصراعات التي قامتْ بينهم، فاشتروا المماليك واهتمُّوا بتربيتهم وتدريبهم؛ ليكونوا أساسًا لجيوشهم، فتزايَد نفوذ هؤلاء المماليك في ممالك الشرق الإسلامي، وبخاصة في مصر، واستعانَ بهم الملك العادل والملك الكامل في صراعهما مع خصومهما من أمراء المسلمين، وفي حروبهما مع الصليبيين.

وكان المماليك ينسبون إلى الجنس الذي ينتمون إليه، فيقال للمماليك: الأتراك أو الجراكسة، أو إلى تاجر الرقيق الذي جلَبهم، فيقال: "العثماني"، أو "المحمودي"، أو إلى سيِّدهم وأستاذهم الذي اشتراهم وجعَلهم في خدمته، فيقال: المماليك الأسدية، أو الصلاحية، أو الأشرفية، وأحيانًا يُنْسَب المملوك إلى المبلغ الذي دُفِع عند شرائه، فيقال: "الألفي" أو "الخمسمائة".

ويرجع ظهور المماليك المعروفين بالبحرية أو الأتراك إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب (ت 647هـ) الذي بدأ في الاستكثار من المماليك بعد أن تفرَّق عنه جُنده الأكراد، وانصرفوا عن خدمته، ولَم يَبق معه إلا القليل، فاتَّجه إلى شراء المماليك وتنشئتِهم نشأة عسكريَّة، ثم أسنَدَ إليهم المناصبَ والمراتب القياديَّة، وجعَل منهم حاشيته وبطانته، وحرَسِه الخاص.

وعندما كَثُرت شكاوى العامة من عبَثِ المماليك واعتداءاتهم، اتَّجه الملك الصالح إلى إسكانهم في جزيرة الروضة وسط نهر النيل، ومِن ثَمَّ عُرِفوا بالمماليك البحرية؛ لإحاطة الماء بمقرِّهم وسكناهم، وكان معظمهم من تركستان وبلاد ما وراء النهر والقفجاق وآسيا الصغرى، وشبه جزيرة القرم وفارس، وبعض البلاد الأوروبيَّة.

وكان المماليك لا يعاملون معاملة الرقيق، بل كانوا يتمتَّعون بامتيازات عالية، وكان يُحرَّرون ويُعتقون، ويتولون أرْقَى المناصب، ويشعرون أنَّ السلطان واحدٌ منهم، وكانتْ ثقافتهم وتربيتهم تعتمد على التعليم الديني والعسكري، ويُخَصَّص لهم معلِّمون للسباحة والرمي، والمبارزة ولعب الكرة، وكان التفوق الحربي والموهبة العسكرية هي التي تَفتح لهم طريق الترقي إلى نيابة السلطنة أو السلطنة نفسها.

ويختلف المماليك عن العبيد؛ في لونهم الأبيض، وفي تربيتهم العسكرية، وعلاقتهم بأستاذهم، وكانوا يتمتَّعون بالحرية والعِتق بعد إتمام دراستهم، ويكون العتاق بالجملة في احتفال خاص يحضره السلطان والأُمراء، ويحصل المملوك على شهادة خاصة - كما يقول الدكتور عبدالمنعم ماجد - تُسَمَّى "عتاقة"، ويُسَمى "معتوقًا"، ويسمى مُعتقه "أستاذه"، ويُسمى رِفاقه المتخرِّجون معه "خشداشية".

وكانت علاقة كل مجموعة من المماليك الذين ينتمون إلى سيد (أستاذ) واحد فيما بينهم، هي علاقة الخشداشية؛ أي: الزمالة والصداقة.

وأصبحتْ لهم مراتب عسكرية، فمنهم أمير المائة ومقدم الألف، وأمير الطبلخانة وهو الذي يقود ما بين الأربعين إلى السبعين فارسًا، وأقل الأُمراء هم أمراء العشرات والخمسات.

وكانت جزيرة الروضة مقرًّا لهؤلاء المماليك في عهد الملك الصالح، فلمَّا تولَّى السلطنة المعز أيبك، نقلَهم إلى قلعة الجبل إلى أن تولَّى الظاهر بيبرس، فأعاد بناء قلعة الروضة، وأعاد المماليك إليها واستمرَّ الحال كذلك حتى سنة 679هـ عندما تولَّى السلطان قلاوون الألفي، فأسكَنهم بصفة نهائيَّة في قلعة الجبل وأبراجها، فعُرِفوا منذ ذلك الحين بالمماليك البرجيَّة.

وكان أغلب المماليك يوضَعون في أماكن خاصَّة في القلعة تُعْرَف "بالطباق أو الأطباق"، جمع طبقة أو طبق، ويُقْصد بها المدارس العسكرية، وكانت هناك أطباق أخرى خارج القلعة، وكان بعضها كبيرًا يضمُّ ألف مملوك، وكان المماليك يعرفون "بالطباقية والكتابيَّة"؛ لأنهم يدخلون الطباق ويتعلمون الكتابة، وكان يشرف على تعليمهم الفقهاء والمؤدبون والمدربون، ويعوِّدونهم على التمسُّك بالدين والتزام الصلاة، ويُعاقَب المخالفون منهم عقوبات قاسية.

انفراد المماليك بالسلطة:

لَم يكن المماليك مجرَّد أداة في أيدي أمراء وملوك الأيوبيين، بل سَرعان ما أصبَح لهم دورٌ في توجيه دفَّة الأحداث، وشؤون السياسة والحكم، وظهَر ذلك في وقت مبكرٍ عندما حاولوا التدخُّل في تولية السلاطين بعد وفاة الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين سلطان مصر سنة 595هـ، ولَم يكن له سوى ابن صغير في التاسعة من العُمر، فاجتمع أمرُ المماليك الأسديَّة والناصريَّة على استدعاء عمِّه الملك الأفضل بن صلاح الدين؛ ليكون وصيًّا عليه، ويتولَّى شؤون مصر؛ وذلك خوفًا من أن يصير الأُمر للملك العادل أخي صلاح الدين، وكانوا يخشون سطوته وبأْسه، ولكن العادل ما لَبِث أنْ سار إلى مصر بجيوش جرَّارة، وتمكَّن من القبض على زمام الأمور، بزعم أنه أوْلَى بالوصاية على الصبي، وعاد الأفضل إلى دمشق.

وبلَغ نفوذ المماليك شأوًا بعيدًا على عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد (637هـ-647هـ) بعد أن انفضَّ مِن حوله من أعوانه من الأكراد وغيرهم، فأصبَح جلُّ اعتماده على مماليكه الذين أسْكنهم في جزيرة الروضة وأسماهم بالبحرية، ويقول ابن تغري بردي: "إن السلطان اشترى من المماليك الترك ما لَم يَشتره أحد من أهل بيته، حتى صاروا معظم عسكره، ورجَّحهم على الأكراد وأمَّرهم، واشترى وهو بمصر خلقًا منهم، وجعَلهم بطانته والمحيطين بدهليزه، وسمَّاهم البحرية"، ويرى البعض أنَّهم سموا بذلك؛ لأنهم جُلِبوا من أقاصي البلاد عن طريق البحر، ولكنَّ هذا التفسير غير دقيق، فقد كان كثير منهم يُجلبون عن طريق البر أيضًا، فالتسمية منسوبة إلى مستقرِّهم بمصر وسط بحر النيل الذي يسمَّى بحرًا تجاوزًا لاتِّساعه، ويعضد ذلك أن خلفاءَهم سُموا بالمماليك البرجيَّة نسبة إلى مستقرِّهم بأبراج القلعة، برغم أنهم كانوا يُجلبون مثلهم من أقاصي البلاد بحرًا وبرًّا.

وقد استغلَّ بعض المماليك نفوذَهم في العبث والاعتداء على أموال الناس ومصالحهم، فشكا العامة إلى السلطان، فعزَلهم في قلعة بناها لهم في الروضة، وكان ذلك أدعى إلى الْتزامهم وهدوئهم.

وقد تداعَت الأحداث لصالح المماليك في أواخر العهد الأيوبي، فقد طال المرض بالسلطان نجم الدين وتزايَد، وتوافَق ذلك مع قدوم الحملة الصليبيَّة السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، وتمكَّنوا من الاستيلاء على دمياط، كما سنذكر بعد قليل، وأصبَح السلطان عاجزًا عن الحركة وحُمِل إلى المنصورة، ثم ما لبِثَ أن توفي سنة 647هـ-1249م.

وفي وسط هذه الظروف الحَرِجة الدقيقة تصدَّت زوج السلطان "شجر الدر" لهذا الموقف العسير، وكانت كما وصَفها ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور": "ذات عقلٍ وحزمٍ، كاتبة قارئة، لها معرفة تامَّة بأحوال المملكة"، وذكَرها سبط الجوزي في "مرآة الزمان" باسم "شجر الدُّر" بصيغة الجمع، وبعض المصادر تذكرها باسم "شجرة الدر" بصيغة الإفراد، وأصلها جارية للسلطان من أصْل تركي أو أرميني، ثم أصبحَت أُمَّ ولدٍ بعد إنجابها منه ابنه خليلاً الذي توفي صغيرًا، فأعْتَقها وتزوَّجها، وذلك في فترة إمارته قبل أن يتولَّى السلطنة.

وقد رأتْ شجر الدر أنَّ من الحِكمة أن تُخفي عن الجُند والعامة نبأَ وفاة السلطان؛ حتى لا تَفُت في عَضُدهم وهم في أتون حربٍ ضروس، والمعارك محتدمة مع الفرنجة، واستمرَّ كلُّ شيء على ما كان عليه في حياة السلطان، فالسماط يمدُّ كلَّ يوم، والأُمراء في الخدمة، وهي تقول: "السلطان مريض ما يصل إليه أحد"، وكانت تكتب الرسائل والتواقيع بخطٍّ يُشبه خطَّ السلطان.

(دولة المماليك البحرية 648 – 784هـ/ 1250 – 1382م) - (1)

التعليقات (0)