تربية السلطان محمد الفاتح

تربية السلطان محمد الفاتح

أ.د. راغب السرجاني

لا شَكَّ أنَّ فترة حكم السلطان العثماني العظيم «محمد الفاتح» هي من الفترات الرائعة التي جُدِّد فيها الدين، ووضحت فيها مقاصد الشريعة، وأدركت أمَّة الإسلام أهدافها، ورأى «الناس» -كلُّ الناس- صورةَ الأمَّة الإسلاميَّة كما ينبغي أن تكون.

إنَّها فترةٌ خالدةٌ حقًّا!

لقد حكم السلطان محمد الفاتح مدَّة ثلاثين سنةً من عام 1451م إلى عام 1481م (855هـ إلى 886هـ)، وكانت هذه «الحقبة» التاريخيَّة لافتةً لنظر كلِّ المؤرِّخين.

تقول المؤرِّخة الأميركيَّة ماري باتريك Mary Patrick: «إنَّنا لا ندرس تاريخ السلطان محمد الفاتح إلَّا وشعرنا شعورًا عميقًا بأنَّه كان أرقى بكثيرٍ من الزمن الذي وُجِد فيه»[1]! هكذا لاحظت المؤرِّخة الأميركيَّة أنَّ «الحقبة» التي حكم فيها الفاتح مختلفةٌ كثيرًا عن الحقب الأخرى التي سبقت أو لحقت، ومختلفةٌ عن الأماكن الجغرافيَّة الأخرى التي تُحيط بالدولة العثمانيَّة؛ إنَّها حقبةٌ «راقية» بتعبير المؤرِّخة الأميركيَّة، وهذا الرقيُّ في الواقع هو رقيُّ الشريعة الإسلاميَّة التي حرص الفاتح على تطبيق بنودها في حياته وحياة دولته، وهذا هو الذي لفت نظر المؤرِّخين إلى هذا القائد العظيم.

 لقد رأى المؤرخون نموذجًا فريدًا لا يتكرَّر كثيرًا في مراحل التاريخ المختلفة، ولذلك وقفوا أمامه منبهرين، وفرَّغوا الأوقات الطويلة في حياتهم لدراسة تفصيلات هذا النموذج.

ومع هذه القيمة التاريخية لمحمد الفاتح إلا أن الكثيرين لا يعرفون عنه إلا أنه فاتح القسطنطينية! ومع أن فتح القسطنطينيَّة يعتبر من أَجَلِّ أعماله رحمه الله؛ إلا أنه ليس العمل المجيد الوحيد في حياته؛ فالفاتح هو الذي حوَّل الكيان العثماني من دولةٍ إلى إمبراطوريَّة، وجعل فيها المقوِّمات التي تُمكِّنها لاحقًا من بسط سيطرتها على ثلاث قارَّات، وأعطاها الروح والعزيمة لكي تبقى عدَّة قرون، وحفر لها اسمًا في التاريخ من المستحيل أن يُمْحَى، والفاتح هو الذي ثبَّت دعائم الحكم الإسلامي في عدَّة دولٍ أوروبِّيَّة دفعةً واحدة؛ فقد ثبَّته في جنوب صربيا، وفي البوسنة، والهرسك، وألبانيا، واليونان، والجبل الأسود، وكذلك في جنوب روسيا، وشرق أوكرانيا، وغرب چورچيا، بالإضافة إلى أماكن كثيرة في الأناضول، بل في الجنوب الإيطالي كذلك، والفاتح هو الذي ضرب المثل في الحاكم الذي يجمع بين القدرات العسكريَّة الفائقة، والمـَلَكَات الإداريَّة الناجحة، والصفات القياديَّة البارزة، والفاتح هو المثال الرائع لهذا القائد الذي يهتمُّ بكلِّ شئون دولته، فلا يَسْقُط عنصرٌ من عناصر التقدُّم، ولا تنهار جبهةٌ من جبهات العمل؛ فالدولة خليَّة نحلٍ نَشِطَةٍ تعمل في تقدُّمٍ في كلِّ المجالات؛ السياسيَّة، والاقتصاديَّة، والعلميَّة، والاجتماعيَّة، والفنِّيَّة، وقبل ذلك وبعده في المجالات الدينيَّة الشرعيَّة، والفاتح هو الذي وضع نظامًا للدولة واضحًا ومحدَّدًا يُمكن أن تسير عليه لقرونٍ متتالية، وحفظ هذا النظام في شكل قوانين ولوائح تصلح لزمانه، ولأزمانٍ متتاليةٍ من بعده، والفاتح هو الذي حدَّد سياسات الدولة بشكلٍ واضحٍ تجاه غير المسلمين في الإمبراطوريَّة العثمانية، ووضع هذه السياسات في شكل اتِّفاقيَّات، ومعاهدات، وقوانين، يُمكن لخلفائه أن يسيروا عليها في العقود والقرون القادمة، وهي السياسة المستقاة بوضوحٍ من روح الشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء، والفاتح هو الذي دعم نهضةً علميَّةً غير مسبوقةٍ في الدولة العثمانية، وارتفعت في عهده عدَّة علومٍ بشكلٍ لافت، مثل: علوم الجغرافيا، والطب، والهندسة، والفلك، والعلوم العسكريَّة، فضلًا عن العلوم الشرعيَّة، والفاتح هو السلطان الذي اهتمَّ اهتمامًا فائقًا برعاية الفنون والآداب، واستجلاب البارعين في هذه المجالات من ربوع الدنيا إلى دولته ليُحدث نقلةً نوعيَّةً في الحضارة العثمانيَّة والإسلاميَّة.

 تربية الفاتح:

إنَّني أحبُّ أن أستهلَّ الحديث عن تربية الفاتح بكلمة المؤرِّخ الإنجليزي استيفين تيرنبول Stephen Turnbull: «لقد رُبِّي محمد الثاني ليكون أعظم سلطانٍ في زمانه»[2].

نعم كانت تربية الأمير محمد بن مراد الثاني على هذا المستوى!

يُمكن تمييز ثلاثة جوانب مهمَّة كانت بارزةً في عمليَّة بناء هذا الأمير القدير..

أمَّا الجانب الأوَّل فهو جانب العلوم الشرعيَّة والدينيَّة، وقد اهتمَّ السلطان مراد الثاني بهذا الجانب بشكلٍ خاص، وأوكل لمهمَّة تعليم الأمير محمد أمور الفقه والقرآن والسُّنَّة واحدًا من أعظم علماء الدولة العثمانيَّة في ذلك الزمن، وهو الشيخ الكبير أحمد بن إسماعيل الكوراني، وهو عالمٌ موسوعيٌّ برع في مجالاتٍ شرعيَّةٍ شتَّى[3]، وله مؤلَّفاتٌ كثيرة في عدَّة مجالاتٍ شرعيَّة ولغويَّة[4]، ولقد ختم الأمير محمد القرآن على يده في مدَّةٍ يسيرة[5]، ومن المؤكَّد أنَّ كثيرًا من مَلَكات المناظرة، وطلاقة الرأي، وقوَّة الحُجَّة، والجرأة، قد تعلَّمها الطفل الصغير من أستاذه المتمكِّن؛ حيث صاحَبَه هذا المعلِّم الكبير منذ طفولته الأولى وإلى أن تولَّى قيادة الدولة العثمانيَّة. بالإضافة إلى الكوراني كان هناك المولى خسرو Mevlana Husrev، وهو عالمٌ جليلٌ له مؤلَّفاتٌ مهمَّةٌ في الفقه الحنفي، وكان قاضيًا للأناضول[6].

يُضاف إلى هذين العالمين الجليلين -أعني الكوراني وخسرو- علماء آخرون أسهموا في تربية الأمير محمد؛ منهم الفقيه سراج الدين محمد بن عمر الحلبي[7]، والعالم ابن التمجيد، وهو من علماء التفسير[8]، كما يُضاف إلى هؤلاء العلماء عددٌ آخر من الفقهاء والمتخصِّصين حفلت الكتب بأسمائهم[9] وإن كان لا يتَّسع المجال هنا لذكرهم.

وأخيرًا، ونحن بصدد الحديث عن هذا الجانب الشرعي في تكوين الأمير محمد، نلفت النظر إلى نقطةٍ مهمَّة؛ وهي اهتمام الدولة العثمانيَّة بالطرق الصوفيَّة منذ نشأتها، ومن المعروف أنَّ معظم سلاطين الدولة العثمانية -إن لم يكن كلهم- كانوا أعضاءً في بعض الفرق الصوفيَّة المنتشرة في بلادهم، وكان مراد الثاني تابعًا للطريقة المولويَّة (أتباع جلال الدين الرومي)، ولهذا نشأ الأمير محمد تابعًا للطريقة نفسها منذ نعومة أظافره، وكان شيخه في هذه الطفولة المبكرة هو أمير عادل چلبي[10]، ولكن ينبغي التنبيه كذلك على أنَّ الصوفيَّة التي كان يتبعها السلاطين العثمانيُّون لم تكن بالصورة الابتداعية المبالغ فيها، التي يعرفها كثيرٌ من الناس عن الطرق الصوفيَّة بشكلٍ عامٍّ؛ إنَّما كانت منهجًا لتربية الروح، والتدريب على الزهد في الدنيا، وذلك اعتمادًا على علوم القرآن والسُّنَّة، ولذلك ليس من العجيب أن نرى أنَّ مشايخ الصوفيَّة في هذ الفترة لهم مؤلَّفاتٌ فقهيَّةٌ وشرعيَّةٌ معتبرة، ولعلَّ هذه التربية الصوفيَّة للأمير الصغير كان لها الأثر الواضح في بعض صفاته؛ فقد كان ميَّالًا إلى العزلة، لا يسعى إلى الترف أو البذخ في حياته، وكان قليل الكلام، قليل الضحك، موقِّرًا بشدَّة للعلماء، ولقد نقلت الكتب عدَّة مشاهد للأمير محمد بعد أن تولَّى السلطنة وهو يُقَبِّل أيدي العلماء أو المشايخ[11]. كان هذا هو الجانب الأوَّل البارز في حياة الأمير محمد في مراحل تربيته الأولى.

أمَّا الجانب الثاني في تربية الأمير محمد فكان اهتمام السلطان مراد الثاني بتعليم ابنه العلوم الحياتيَّة والعقليَّة إلى جوار العلوم الشرعيَّة والدينيَّة، وقد تربَّى الأمير محمد في جوٍّ منفتحٍ جدًّا، فوصلت إليه العلوم الغزيرة على أيدي المسلمين والنصارى، وعلى أيدي الأتراك وغيرهم من الأعراق المختلفة، وكل هذا أسهم في تكوين شخصيَّةٍ فريدةٍ للأمير العظيم محمد، وسوف نرى آثار ذلك بوضوح في بنائه لدولته الكبرى بعد ذلك.

في هذه السنِّ المبكرة تعلَّم الفاتح عدَّة لغاتٍ إلى جانب التركيَّة، فكان يُتقن العربيَّة، والفارسيَّة، واللاتينيَّة، واليونانيَّة، والصربيَّة[12]، وهذا التعلُّم الواعي لهذه اللغات المتعدِّدة فتح له آفاقًا واسعة؛ حيث كان قادرًا من جانبٍ على القراءة في مصادر الحضارات المختلفة وتوسيع مداركه، وكان قادرًا من جانبٍ آخر على التواصل المباشر مع المعلِّمين الأجانب، وبعد ذلك مع الدبلوماسيِّين والعلماء من البلاد المختلفة، وهذا لا شَكَّ جعل منه مثالًا فريدًا من الأمراء، وأعطاه حصيلةً من المعرفة قلَّ أن يحظى بها غيره.

وكان للأمير الصغير أساتذةٌ متخصِّصون في هذه العلوم الكثيرة؛ فأستاذه في الجغرافيا هو اليوناني الطرابزوني چورچ أميروتزيس George Amirutzes [13]، أمَّا التاريخ الروماني والأوروبي فكان يتلقَّاه على يد العالم الإيطالي الكبير سيرياكو Cyriaco، وهو من علماء مدينة أنكونا Ancona الإيطاليَّة[14]، كما كان له في الرياضيَّات أساتذةٌ متخصِّصون كذلك[15]، وأمَّا حِرَفِيَّة الشعر وعلومه فقد تعلَّمها على يد أستاذه المتمكِّن الشيخ الكوراني، الذي ألَّف لتعليمه قصيدةً في علم العروض من ستمائة بيتٍ سمَّاها «الشافية في علم العروض والقافية»[16].

أمَّا الجانب الثالث الذي يبرز لنا في حياة هذا الأمير العظيم فهو الجانب العملي والتدريبي في هذه الطفولة المبكِّرة، فلم يكن الأمر محدودًا بالتحصيل العلمي النظري؛ إنَّما صَاحَبَ ذلك تدريبٌ على أمورٍ شتَّى أسهمت في تكوين هذا الطفل الصغير، ولعلَّ من أبرز هذه الأمور هو التدريب على المهارات العسكريَّة وفنون القتال، فهذا هو المجال الذي سيتخصَّص فيه هذا الأمير بعد أن يكبر؛ فالدولة العثمانيَّة دولةٌ جهاديَّة، ولها أعداءٌ في كلِّ مكان، ويُتوقَّع لهذا الأمير أن يخوض معارك كثيرة، ولهذا اهتمَّ السلطان مراد الثاني ببناء ابنه جسديًّا ومهاريًّا، كما اهتمَّ ببنائه علميًّا وأخلاقيًّا، ولم يكن تدريبه على هذه الأمور الحربيَّة تدريبًا عاديًّا مثلما يحدث في بعض المدارس العسكريَّة الآن؛ إنَّما كان متخصِّصًا لأبعد درجة؛ حيث كان يتعلَّم ممارسة فنون القتال إلى جوار تعلُّمه الخطط الاستراتيجيَّة والرؤى الحربيَّة، ولقد اشترك في هذه العملية المعقَّدة من التدريب عدَّة أساتذة عسكريِّين متمرِّسين، كان منهم الوزير صاريجه قاسم باشا، وداماد زاجانوس محمد باشا Zaganos Pasha، وخضر چلبي[17]، ولهذا لم يكن من الغريب أن يخرج الأمير الصغير للقتال الفعلي وقيادة الجيوش وهو في السادسة عشرة من عمره؛ إذ اشترك في الحملة الهمايونيَّة الكبرى التي قادها والده مراد الثاني في ألبانيا، وذلك في عام 1448م، واشترك كذلك في موقعة كوسوڤو الثانية في العام نفسه، ثم في حملة ألبانيا الكبرى عام 1450م.

ويُمكن الأخذ في الاعتبار -أيضًا- أنَّ هذا الجانب المهاري الذي كان يتدرَّب عليه الأمير محمد لم يكن مختصًّا فقط بأمور القتال والنزال؛ إنَّما كان مهتمًّا كذلك بأمور القيادة والإدارة، حيث رأينا الأمير يُمارس عمله -تحت الرعاية والتوجيه- واليًا على مانيسا بدايةً من عام 1439م، أي وهو في السابعة من عمره، بل قاد البلاد كلها في الفترة التي تنازل فيها مراد الثاني له عن الحكم، وذلك لمدة سنتين من 1444م إلى 1446م، وهي، وإن كانت فترة عصيبة، إلا أنها أضافت الكثير إلى ملكات الأمير الشاب، فصار ناضجًا بالصورة التي حفظت له ملكه الكبير يوم تولاه وهو في التاسعة عشر فقط من عمره![18].

المصدر: موقع قصة الإسلام


[1] باتريك، ماري ملز: سلاطين بني عثمان، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ=1986م.صفحة 35.

[2] Turnbull, Stephen R.: The Ottoman Empire 1326–1699, Bloomsbury Publishing, London, UK, 2012 (A).p. 36.

[3] الشوكاني، محمد بن علي بن محمد: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، حققه وعلق عليه وضبط نصه وصنع فهارسه: محمد حسن حلاق، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1427هـ=2006م.صفحة 69.

[4] السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين: نظم العقيان في أعيان الأعيان، تحقيق: فيليب حتي، المكتبة العلمية، بيروت، 1927م.صفحة 39.

[5] طاشكبري زاده، أحمد بن مصطفى بن خليل: الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1395هـ=1975م.صفحة 51.

[6] طاشكبري زاده، 1975 صفحة 70.

[7] طاشكبري زاده، 1975 صفحة 102.

[8] طاشكبري زاده، 1975 صفحة 62.

[9] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، الصفحات 1/184، 185.

[10] أوزتونا، 1988 صفحة 1/184.

[11] Antov, Nikolay: The Ottoman Wild West, Cambridge University Press, New York, USA, 2017., p. 85.

[12] أوزتونا، 1988 صفحة 1/145.

[13] أوزتونا، 1988 صفحة 1/184.

[14] Catabier, Serge: Ear, Nose and Throat diseases, In: Al-Hassan, A. Y.; Ahmed, Maqbul & Iskandar, A. Z.: Science and Technology in Islam, UNESCO publishing, Paris, France, 2001., vol. 2, p. 516.

[15] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 122.

[16] السيوطي، 1927 صفحة 39.

[17] أوزتونا، 1988 صفحة 1/184.

[18] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/  231- 236.

التعليقات (0)