أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الأول

أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الأول

د. عدنان بن محمد الحارثي

الإسلام بعالميته بزغ ليعيد تشكيل الحياة الإنسانية من جديد وبخاصة على مستوى الأفكار والمشاعر الإنسانية .

فمن ناحية الأفكار فقد وجه أتباعه نحو الاهتمام بالعلم والمعرفة مما عاد بمردود طيب على الحركة العلمية من وجوه عده أبرزها الآتي:

أولاً: إن نشر الدين كان يستتبع الحاجة إلى القراء أو الكتاب حيث كانت آيات الكتاب الحكيم تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتلوها على من يعرف القراءة وعلى من لا يعرفها مع الفارق في الاستيعاب والحفظ بين الفئتين. وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يحث على تشجيع تعلم القراءة والكتابة.

بل أن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام حث بعض أصحابه على تعلم لغة غير اللغة العربية، فأخذت روح العلم تنتشر تبعاً لذلك.

تضمنت آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير من التوجيهات المباشرة التي تحث على طلب العلم وترفع من قيمة العلم والعلماء قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

ثانياً: دعت آيات القرآن الحكيم العقل إلى التفكير في خلق الكون والوصول إلى شواطئ المعرفة، والآيات الكريمة التي وردت في هذا الشأن كثيرة متعددة الجوانب ومنها قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).

ثالثاً: تميزت تشريعات الإسلام بأنها ترتقي بالمستوى العقلي لمتلقي هذا الدين حيث نظمت جوانب الحياة المختلفة وفق قواعد عامة تمكن من استيعاب المتغيرات الحياتية المختلفة، وتوجيهها بما يحافظ على المقاصد العامة للشريعة، والتي تهدف إلى الحفاظ على الدين والنفس والمال والعقل والعرض.

وقد استفادت الحضارة الإسلامية من الحضارات السابقة سواء تلك التي انضوت تحت مظلة الحضارة الإسلامية او تواصلت معها واحتكت بها.

فالمنطقة التي نشأت فيها الحضارة الإسلامية، هي المركز الأساسي والمجمع الرئيس لمعظم الحضارات الأساسية القديمة فقدماء المصريين أحرزوا تقدماً ملموساً في علوم الفلك والحساب والطب والصيدلة والهندسة والزارعة وغيرها، كما أنهم مهروا في الرسم والنحت والعمارة والتحنيط، ولهم باع طويل في التعدين والصناعة بأنواعها المختلفة.

وعرفت بلاد الهلال الخصيب حضارات متعددة تركت موروثاً كبيرا في الطب والهندسة والزراعة والصناعة والتنظيمات التجارية.

واستفادت الحضارة الإسلامية خلال عصورها المختلفة من الحضارات المحيطة بها مثل الحضارة الإغريقية والهندية وغيرها وذلك عن طريق الترجمة إلى العربية.

تضافرت العوامل السابقة مع بيئة علمية مناسبة، ففي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية اعتنى كثير من الخلفاء والعلماء بالحركة العلمية، وهيأوا الجو الصالح لازدهار العلم وإبداع العلماء، أنشئوا لذلك مؤسسات علمية متنوعة مثل المدارس والمكتبات وغيرها، وبذلوا الكثير للحصول على المؤلفات والمصنفات بأنواعها المختلفة، كما بذلوا الكثير من الأموال على العلماء الذين سموا بمكانتهم ورفعوا من قدرهم، فقربوهم في مجالسهم. فالخليفة المأمون على سبيل المثال كان يعطى حنين بن اسحاق وزن الكتب التي يترجمها ذهباً. والسلطان مسعود الغزنوي أرسل إلى البيروني ثلاثة جمال تنوء بأحمالها من الفضة مكافأة له على كتابه (القانون المسعودي)، ولكن البيروني اعتذر عن قبولها بقولة إنه يخدم العلم للعلم وليس للمال.

ومن بين عوامل ازدهار النهضة العلمية في العصر الإسلامي، المكتبات الضخمة التي انتشرت في العالم الإسلامي وخاصة في العصر العباسي، ومن أمثله ذلك دار الحكمة في بغداد، وكانت تضم ما يقارب المليون ونصف مليون كتاب، وعلى الوتيرة نفسها كانت مكتبة دار الحكمة في القاهرة، اما مكتبة المسجد الجامع في قرطبة فيقدر عدد كتبها بثلاثة أرباع مليون كتاب. وكانت بعض المكتبات الخاصة للعلماء والادباء يصل فيها عدد الكتب إلى مائة ألف كتاب، وفي كثير من بيوت المسلمين في حواضر العالم الاسلامي كان الكتاب جزءاً رئيساً من مكونات تلك البيوت.

كان حب العلم شائعاً بين المسلمين وغير المسلمين ممن عاشوا في كنف الحضارة الاسلامية فسطرت المصادر التاريخية الكثير من الأعمال التي كانت تعكس حبهم للعلم ورغبتهم فيه من خلال الرحلة في طلب العلم والتي كانت مظهراً شائعاً في حياة المسلمين والأمثلة كثيرة على ذلك، بل إنها كانت جزءاً من ثقافة العلم في تلك العصور.

العالم الاسلامي كان يضم مساحات واسعة امتدت من سمرقند ببلاد ما وراء النهر إلى قرطبة في أسبانيا التي تعتبر أكثر اهمية وبخاصة على الصعيد الاقتصادي، لما تملكه من خصائص مكانية وموروث حضاري عظيم انعكس على أوجه النشاط الاقتصادي في الزراعة والتجارة والصناعة، حيث تميزت المنطقة بوجود أنهار عظيمة وارض خصبة، وحقول خصيبة تنتج أنواعا عدة من المنتجات الزراعية.

ويضاف إلى ذلك وفرة المعادن في القوقاز و أرمينية و الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى مصادر الإنتاج هذه الموجودة في العالم الإسلامي سيطر المسلمون على الطرق المؤدية إلى مناجم الذهب الرئيسية في العالم، في إفريقيا الجنوبية والسودان وآسيا الوسطى، أما مراكز الصناعات الحرفية المتطورة فكانت في إيران وبلاد الرافدين والشام بالإضافة إلى البلاد المصرية وهناك موانئ كبرى كانت تحت تصرف العالم الاسلامي بأرصفتها ودور صناعتها البحرية، وهذه تضم ثلاث مجموعات:-

-ملاحه الخليج العربي والبحر الأحمر، وكان قد تم افتتاح خطوطها الملاحية على أيدي الملاحين العرب والفرس نحو المحيط الهندي والتي كانت تتكامل بمنظومة الاسطول الهندي على نهري دجلة والفرات

موانئ السواحل الشامية والمصرية، وفي مقدمتها ميناء الإسكندرية والذي كان يزخر بالسفن البحرية والمراكب النيلية.

- موانئ مضيقي صقلية وجبل طارق، مثل تونس وسبته وقادس يضاف إليها الأسطول النهري على نهر الوادي الكبير الذي يخترق اشبيلية وقرطبة.

- مدن القوافل، في آسيا الوسطى وفارس والهلال الخصيب وجزيرة العرب ومصر وشمال إفريقيا.

كانت هذه المنظومة تضم شبكة من القوافل مع حيوانات النقل من إبل وجمال وبغال وحمير وجهاز كامل من عاملين مختصين في تسيير القوافل من خفراء و مجهزي القوافل، ويدير ذلك كله مجموعات تجارية كانت لديها تقاليد عريقة في التجارة، كل ذلك تضافر، بتوجيه من قيم الدين الإسلامي، لتحقيق نهضة اقتصادية عظيمة كان من مؤشراتها ازدهار التجارة التي أضحت تربط بين العالم الإسلامي من الداخل وبين العالم القديم في جميع أرجائه.

وازدهرت الصناعة التي كانت تقدم منتجات متنوعة تعكس مستوى عالياً من الدقة والجودة والذوق الرفيع، وكذلك كان حال الزارعة حيث نشر المسلمون الكثير من المنتجات الزراعية وإعادة توزيعها في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي بالإضافة إلى تطويرهم لأساليب الزراعة ومن حيث أنماط الري والتسميد وغير ذلك.

رافق ذلك نهضة عمرانية كبيرة، شملت إنشاء عشرات المدن الجديدة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، كما أن المدن القديمة شهدت أيضاً نهضة عمرانية كبرى مما أوجد شبكة من المدن منحت العالم الإسلامي هيكله الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ونشأ بين هذه المدن شبكة عن العلاقات المختلفة والمتنوعة من سمرقند إلى قرطبة، فقد كانت الحضارة الإسلامية حضارة مدن متماسكة بشكل مدهش، ينتقل بينها الناس والبضائع والأفكار.

المصدر: موقع أشراف الحجاز بالمملكة العربية السعودية

التعليقات (0)