أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الثاني

أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الثاني

الدكتور عدنان بن محمد الحارثي

معاير انتقال الحضارة الإسلامية إلى الغرب:

البحر الأبيض المتوسط مساحة واسعة للتماس الحضاري بين الشرق والغرب وبالتالي بين الإسلام وحضارته وبين الغرب بمكوناته الدينية والثقافية، ولذلك كانت المناطق الأقرب جغرافياً لأوروبا هي أكثر المناطق التي استوعبت المؤثرات الحضارية الوافدة إلى أوروبا من المجال الحضاري الإسلامي.

جزيرة صقلية تعد من الشواهد المؤثرة في هذا المجال، حيث أنشأ فيها المسلمون حضارة عريقة استمرت ردحاً من الزمان، قبل أن تسقط هذه الجزيرة في يد النورمانديين، لتتحول إلى أكبر نعمة حضارية عرفها الغرب في تلك الازمنة، نظراً لان ملوك النورمان كانوا معجبين بالحضارة الإسلامية راغبين في الانغماس فيها، وتشرب ثقافتها ومعرفتها، فكانت دولتهم تدار بالأسلوب الذي تدار به الدولة الاسلامية من قبل رجال ينتمون للحضارة الاسلامية سواء كانوا مسلمين او غير مسلمين، اما الصناعات والحرف والعمارة والزخرفة فجميعها كانت تتم على يد مسلمي صقلية، ولذلك كانت قصور ملوكهم ومستلزماتها من أثاث وغير ذلك وملابسهم تنتمى بمجموعها للحضارة الاسلامية.

ولم يعمل هؤلاء الملوك على ترجمة العلوم من العربية فحسب، بل حرصوا على استقطاب بعض العلماء العرب وإكرام وفادتهم والطلب منهم تصنيف المؤلفات العلمية.

مثل هذه السياسة الحكيمة حولت صقلية إلى نقطة نشاط حضاري قوي حيث امتزجت فيها الحضارة العربية الاسلامية مع الثقافات الأوروبية لتسهم في خلق نهضتها الحديثة.

أما اسبانيا، فلقد تأصلت فيها الحضارة العربية الإسلامية وحققت إنجازات حضارية عظيمة تعكس رخاء اقتصادياً فائقاً. ومسيحيو اسبانيا حاولوا في البداية البعد عن المسلمين بعد دخولهم الأندلس، ولكن ذلك لم يدم اكثر من بضع سنوات تحطمت بعدها جبهة المسيحيين على كل تعصب ضد المسلمين، فهذا أمير مسيحي يطلب مساعده المسلمين ضد أمير مسيحي آخر يهدد إمارته، فقام بطلب عون المسلمين على استرداد ما سلب منه...

أما المسيحيون الذين بقوا تحت سلطان العرب المسلمين فقد تطبعوا بالحياة العربية الاسلامية.

يقول أحد أساقفة قرطبة حينذاك: "كثيرون من أبناء ديني يقرأون أشعار العرب وأساطيرهم ويدرسون ما كتبه علماء الدين وفلاسفة المسلمين"، فلم يتحرجوا أن يتعلموا كيف يكتبون باللغة العربية مستخدمين أساليبها البلاغية، فأين تجد اليوم مسيحياً عادياً يقرأ النصوص المقدسة باللغة اللاتينية؟ من منكم يدرس اليوم الكتاب المقدس أو ما قاله الرسل، إن كل الشباب منصرف الأن لتعلم اللغة والادب العربيين فهم يقرأون ويدرسون بحماس الآداب العربية ويدفعون أموالهم في اقتناء الكتب ويتحدثون في كل مكان بأن الأدب العربي جدير بالدارسة والاهتمام وإذا حدثهم احد عن الكتب المسيحية اجابوه بأن هذه الكتب لا قيمة لها ولا تستحق اهتماماً. لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم ولن تجد بين الالف منهم واحداً يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية، بينما تجد بينهم عدداً كبيراً يتكلم العربية بطلاقة ويقرأ من الشعر أحسن من العرب أنفسهمً.

الكثير من العرب عملوا كمربين لأطفال الملوك المسيحيين أو كأطباء أو كتبة في بلاطهم في برشلونة وغيرها، كما هاجر كثير من المسيحيين المتغربين إلى قشتاله وأرغون وارجونه بعد أن هاجم المرابطون الموحدون من إفريقية بلاد الاندلس. فكانوا حملة مشاعل الثقافة والأدب الأندلسي، وصاروا بسلوكهم ومظهرهم الحسن مثالا يحتذى به، كما عمل الأسرى من المسلمين أيضا على نقل الحضارة العربية لأمراء شمال اسبانيا.

ولم تكن بلدان شمال اسبانيا على صله بالأندلس في الجنوب فحسب، بل كانت أيضا على صلة دائما ببلدان أوروبا سياسياً وتجارياً، ولم تكن جبال البرانس لتمنع تلك الصلات، ومن هنا وجدت الحضارة الإسلامية طريقها إلى الغرب.

وعندما احتل الفونس السادس طليطلة عام 1085م ساهم معه في الاستيلاء على المدينة العربية وحصارها فرسان ألمان وايطاليون وفرنسيون بل أن أول أسقف لها كان فرنسياً، وظلت مدرسة المدينة التي أسسها ريموند بمجموعاتها الهائلة من الكتب العربية تجذب آلاف الأوروبيين من مختلف البلدان، وعندما حوصرت لشبونة عام 1147م، واحتلت دخلها جنود من الانجليز والألمان والفرنسيين وعينوا عليها أسقفا انجليزياً، واحتل الملك الفونس المدينة ووزع الأسلاب على جنوده من مختلف البلدان الأوربية. وقد حمل مشعل الحضارة العربية عبر الأندلس ألوف من الأسرى الأوروبيين الذين عادوا من قرطبة وسرقسطة وغيرها من مراكز الثقافة الأندلسية، كما مثل التجار في ليون وجنوا و البندقية ونورمبرج دور الوسيط بين المدن الأوروبية والمدن الأندلسية، واحتك ملايين الحجاج من المسيحيين الأوروبيين بالتجار العرب وبالحجاج المسيحيين القادمين من شمال الأندلس كما ساهم سيل الفرسان والتجار ورجال الدين المتدفقين سنوياً من أوروبا على إسبانيا في نقل أسس الحضارة الأندلسية إلى بلادهم.

وكان للأندلس الدور الرائد في الترجمة من العربية وخاصة طليطلة التي كانت رائدة في هذا المجال.

الحروب الصليبية كانت وسيلة للتأثير الشرقي الذي أدى إلى تفتح عقول الأوروبيين وأنها كانت من العوامل المهمة التي أدت إلى تقدم أوربا، لأن وجود المسيحيين في المشرق الإسلامي جعلهم معبراً من معابر الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا.

فالحرب المعلنة آنذاك بين المسلمين والافرنج لم تمنع حدوث الاتصالات السلمية على مستوى الشعب والقادة ويشير إلى ذلك ابن جبير بقوله: (ومن أعجب ما يُحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف ببضعهم ورفاق المسلمين النصارى ، تختلف بينهم دون اعتراض عليهم)، ويردف قائلاً: (هذه سيرة أهل البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك ، ولا تعترض الرعايا التجار فالأمن لا يفارقهم سلما أو حرباً).

اما على مستوى القادة فإننا نرى أنه في سنة 562هـ/1166م قامت بين شاور الوزير الفاطمي وبين الافرنج علاقات ودية أسفرت عن إقامة مجموعة صليبية في القاهرة والاسكندرية تقرب من عامين، ولا شك أن هذه المجموعة قد تأثرت بالمسلمين من خلال تعاملهم اليومي معهم، وفي الشام كانت تتم اتصالات بين أمراء المسلمين وزعماء الأفرنج فيذكر أسامة بن منقذ في كتابه (الاعتبار) أن ونكرى صاحب أنطالية كان صديقاً لآل منقذ في شيزر وكان قد أرسل إليهم فارساً ومعه رسالة ذكر فيها أن هذا الفارس قدم من أوروبا للحج وفي طريق عودته أراد ان يزور شيزر ويشاهد فرسانها.

ولم تكن تخلو قصور الزعماء الصليبين من العرب، وهذا الأمر يعطينا صورة جلية عن الحياة اليومية التي كان يسودها التفاعل بين الفريقين مما جعل الوجود الصليبي في المشرق وسيلة لنقل عادات المسلمين وعلومهم وآدابهم إلى أوروبا، فبواسطة الصليبين عرفت أوروبا الشيء الكثير عن الشرق.

و الصليبيون المقيمون في المشرق الاسلامي كانوا قد أصبحوا شرقيين في طبائعهم وثقافتهم.

وفي ذلك يذكر المؤرخ الفرنجي نوشبه دي شارت الذي أرخ للحملة الصليبية الأولى والذي عبٌر عن مدى تأثر الصليبيين بالحياة الجديدة حيث قال:"الآن صرنا نحن الذين كنا غربيين شرقيين ومن كان منا إيطالياً أو فرنسياً أصبح في هذه البلاد جليلياً أو فلسطينياً، لقد نسينا الأماكن التي ولدنا فيها أو أكثرنا لا يعرفها بل لم يسمع بها ولكل منا بيته وأهله كما لو أنه ورثه من أبيه أو عن شخص سواه وتزوج بعضنا من سوريات وأرمنيات".

يضاف إلى المعابر السابقة عوامل أخرى من أبرزها التجارة فالطابع الرئيس في المناخ الاقتصادي الذي تطور منه إنتاج العالم الإسلامي كان الطلب على الاستهلاك المتنوع الناجم عن نشوء مدن ضخمة ذات حاجات كثيرة ومتنوعة وملحة في بعض الاحيان، سواء من حيث الكمية أو النوعية، بسبب ارتفاع مستوى المعيشة في تلك المدن وبالإضافة إلى الاستهلاك المترف الناتج عن متطلبات ومستلزمات القصور الملكية والطبقات الغنية من السكان، وهذا يترتب عنه زيادة كبيرة في الانتاج الذي تحول إلى صادرات وترتب عنه تزايد الحاجة في العالم الإسلامي للمواد الخام والتي كان يتم استيراد بعضها من المناطق المجاورة وما وراءها من مناطق قادرة على تلبية الطلب المتزايد للمواد الخام، علاوة على ذلك أن موقع العالم الاسلامي كان يتوسط منطقة مهمة للتجارة والنقل والتوزيع وبخاصة منتجات الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا والتي كانت حاجة أوروبا في تنام مستمر لاستهلاك منتجاتها وعلى وجه الخصوص البهارات، لذلك نمت المبادلات التجارية بين العالم الاسلامي وبيزنطة و أعماق أوروبا، مما أدي إلى نشوء منظومات تجارية متكاملة ومراكز تجارية في جنوب أوروبا أوفي بعضها كانت هناك جاليات إسلامية كبيرة، تنقل خبراتها وأدواتها وعلومها إلى الغرب، وفي المقابل كان التجار الأوروبيون يجوبون المدن الإسلامية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وفي رحلات كانت الواحدة منها تستغرق في بعض الأحيان ستة أشهر متواصلة، فكانت فرصة كبيرة لهم لتلقى ثقافة العالم الإسلامي وحضارته ونقلها عند عودتهم إلى الغرب الاوروبي.

طلاب العلم ايضا كان لهم دور فعال في نقل الحضارة الإسلامية حيث كانوا يفدون إلى العالم الاسلامي لطلب العلم وتلقى المعرفة، وهم كثيرون ولا نريد أن نسترسل في الأمثلة ويكفى أن نذكر هنا ما يذكره ابن جبير أنه شاهد في عكا بعض طلاب العلم الصليبين المقيمين في الشام والوافدين من أوروبا، يلتحقون بالمدارس العربية، يتلقون العلوم بلغة العرب، ومن هؤلاء الذين تعلموا في العالم العربي أولا رداف بات، الذي زار مصر والقدس في سنة 1104م وتتلمذ على العلماء المسلمين في الفلك والرياضيات، وبعد عودته إلى انجلترا عُين معلماً للأمير هنري الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الثاني. وفي أوائل القرن الثالث عشر الميلادي قدم إلى مصر والشام ليوناردو طيبونا نشي واصله من بيزا إلا انه عاش مع والده في الجزائر فتعلم العربية، ثم سافر إلى المشرق الاسلامي وأتقن فيه الرياضيات. ومن هؤلاء أيضاً الجراح الايطالي هوج البولوني، الذي قدم إلى المشرق الاسلامي في عام 1218م ومكث ثلاث سنوات تعلم الكثير في مجال الجراحة والتخدير وتجبير كسور العظام .

المصدر: موقع أشراف الحجاز بالمملكة العربية السعودية

التعليقات (0)