الوليد بن عبد الملك ووقف فتوحات الأندلس

الوليد بن عبد الملك ووقف فتوحات الأندلس

أ.د. راغب السرجاني

رسالة الوليد بن عبد الملك:

من أقصى بلاد المسلمين.. من دمشق.. من أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك تصل رسالة إلى موسى بن نصير وطارق بن زياد بأن يعودا أدراجهما إلى دمشق، ولا يستكملا الفتح، حزن موسى بن نصير وأَسِفَ أشدَّ الأسف، لكن لم يكن بُدٌّ من الاستجابة والعودة كما أُمر.

ولنا أن نندهش مع موسى بن نصير لماذا هذا الأمر الغريب؟! ولماذا الاستدعاء في هذا التوقيت خاصة؟! إلاَّ أن هذه الدهشة سرعان ما تتبخَّر حين نعلم سبب ذلك عند الوليد بن عبد الملك، وكان كما يلي:

1- كان الوليد بن عبد الملك يشغله همُّ توغُّل المسلمين بعيدًا عن ديارهم؛ فهو المسئول عن المسلمين الذين انتشروا في كل هذه المناطق الواسعة، وقد رأى أن المسلمين توغَّلوا كثيرًا في بلاد الأندلس في وقت قليل، وخشي –رحمه الله- أن يلتفَّ النصارى من جديد حول المسلمين؛ فإن قوة المسلمين مهما تزايدت في هذه البلاد، فهي قليلة وبعيدة عن مصدر إمدادها، فأراد ألاَّ يتوغَّل المسلمون أكثر من هذا.

2- كان من الممكن للوليد بن عبد الملك أن يُوقف الفتوح دون عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد، لكن كان هناك أمر آخر عجيب قد سمعه الوليد بن عبد الملك؛ جعله يُصِرُّ على عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق؛ ذلك أنه قد وصل إلى علمه أن موسى بن نصير يُريد بعد أن ينتهي من فتح بلاد الأندلس أن يفتح كل بلاد أوربا حتى يصل إلى القسطنطينية من الغرب[1].

كانت القسطنطينية قد استعصت على المسلمين من الشرق، وكثيرًا ما ذهبت جيوش الدولة الأموية إليها ولم تُوفَّق في فتحها، وهنا فكَّر موسى بن نصير أن يخوض كل بلاد أوربا؛ فيفتح إيطاليا ثم يوغوسلافيا ثم رومانيا ثم بلغاريا ثم منطقة تركيا الحالية، حتى يصل إلى القسطنطينية من جهة الغرب؛ أي أنه سيتوغَّل بالجيش الإسلامي في عمق أوربا منقطعًا عن كل مدد، فأفزع هذا الأمر الوليد بن عبد الملك، وخشي على جيش المسلمين من الهَلَكَة؛ فعجَّل بأمر عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد.

هِمَّة عالية:

هنا لا بُدَّ لنا أن نقف وقفة عند هذه الهمَّة العالية التي كانت عند موسى بن نصير؛ خاصة إذا علمنا أنه عندما كان يُفَكِّر هذا التفكير كان يبلغ من العمر خمسًا وسبعين سنة؛ فلله دَرُّه! شيخ كبير ومع ذلك يجاهد في سبيل الله، ويركب الخيول، ويفتح المدينة تلو المدينة، يحاصر إِشْبِيلِيَة شهورًا ويحاصر مَارِدَة شهورًا، ثم يفتح بَرْشُلُونَة وسَرَقُسْطَة والشمال الشرقي، ثمَّ يتَّجه إلى الشمال الغربي ويتجه إلى الصخرة يُريد أن يفتحها، ثم هو يُريد أن ينطلق إلى فرنسا وإيطاليا وغيرها حتى يصل إلى القسطنطينية!

أيُّ همَّة هذه التي امتلكها هذا الشيخ الكبير؟! التي تجعله يفعل كل هذا ويُؤَمِّل لهذا التفكير وعمره خمسٌ وسبعون سنة! إنه ليضرب المثل لرجالات المسلمين اليوم وشيوخهم الذين بلغوا مثل عمره أو أقل منه، وظنُّوا أنهم قد «خرجوا على المعاش» وانتهت رسالتهم بخروجهم هذا؛ فهي رسالة واضحة لهم بأن رسالتهم في الحياة لم تنتهِ بعدُ، فمَنْ لتعليم الأجيال؟! ومَن لتوريث الخبرات؟! ومَن لتصحيح المفاهيم؟!

فقد بدأ موسى بن نصير فتح الشمال الإفريقي وقد تجاوز الستين من عمره؛ أي تجاوز سنَّ المعاش في زمننا هذا، ثم ها هو ذا في سنِّ الخامسة والسبعين يحزن حزنًا شديدًا، ولكن على أي شيءٍ كان حزنه؟! حزن أولاً على أمر الوليد بن عبد الملك له بتركه ساحة الجهاد، وقد كان محبًّا له؛ علَّه ينال الشهادة التي لم تُصِبْهُ، ثم حزن ثانيًا حزنًا شديدًا؛ لأن الصخرة لم تُفتَح بعدُ، ثم حزن ثالثًا -وكان حزنه أشدَّ- لأنه لم يستكمل حُلْمَ فتح القسطنطينية من قِبَل الغرب كما كان يتمنى.

وفي هذا يذكر المَقَّرِيُّ صاحب نفح الطيب أن موسى بن نصير ترك الأندلس «وهو مع ذلك متلهِّف على الجهاد الذي فاته، أَسِيفٌ على ما لحقه من الإزعاج، وكان يُؤَمِّل أن يخترق ما بقي عليه من بلد افرنجة فرنسا، ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام مؤملاً أن يتَّخذ مختَرَقُه بتلك الأرض طريقًا مَهْيَعًا[2] يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم - من المشرق وإليه - على البرِّ لا يركبون بحرًا»[3].

عودة وأُمنية:

لم يجد موسى بن نصير إلاَّ أن يسمع ويُطيع لأمر الوليد بن عبد الملك، فأخذ طارقَ بن زياد وعاد أدراجه إلى دمشق، وعندما وصل وجد الوليد بن عبد الملك في مرض الموت، ثم لم يلبث أن مات وتولَّى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن عبد الملك، وكان على رأي أخيه في استبقاء موسى بن نصير في دمشق؛ خوفًا من هلكة جيش المسلمين في توغُّله داخل بلاد أوربا نحو القسطنطينية.

وبعد عام من قدوم موسى بن نصير سنة 97هـ=716م كان سليمان بن عبد الملك ذاهبًا إلى الحجِّ، وهذا ما وافق اشتياقًا كبيرًا من قِبَل موسى بن نصير؛ فقد عاش في أرض الجهاد في شمال إفريقيا وبلاد الأندلس أكثر من عشر سنين لم يَعُدْ فيها مرَّة واحدة، فما كان منه إلاَّ أن رافق سليمان بن عبد الملك في طريقه إلى الحجِّ في ذلك العام[4].

وفاة موسى بن نصير:

وفي طريقه إلى هناك قال موسى بن نصير: «اللهم إن كنت تُريد لي الحياة فأعدني إلى أرض الجهاد، وأَمِتْني على الشهادة، وإن كنت تُريد لي غير ذلك فأمتني في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». ووصل –رحمه الله- إلى الحجِّ، وبعد حجِّه وفي طريق عودته مات في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم دُفِنَ مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين[5].

وهكذا كانت همم الصالحين وقلوب المَوْصُولين برب العالمين، فقد بلغ من الكبر عِتِيًّا؛ إلاَّ أنه قَدَّم أكثر مما عاش، ظلَّ قلبه معلَّقًا بحُبِّ ربه حتى دعاه، فكانت الخاتمة وكانت الإجابة، عاش بين الأسنَّة في أقصى بلاد الأندلس، إلاَّ أنه مات بعد الحجِّ في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلله دَرُّه من قائد وقدوة!

لقد مات القائد المسلم موسى بن نُصير بعد أن ملأ جهادُه -بقيادة المدِّ الإسلامي المبارك- وِدْيانَ المغرِب الإسلامي الشمال الإفريقي والأندلس وجباله وسهوله وهضابه، ووَجَّه دعاةَ الحق لإسماع ساكنيه نداءَ الخير؛ فيُخرجهم من الظلمات إلى النور المبين... كان موسى بن نصير يقود هذا الجهاد في شبه الجزيرة الأندلسية وهو يبلغ من العمر خمسًا وسبعين سنة، ممتطيًا جواده؛ يهبط في وديانها ويرتفع على صخراتها، يتحرَّك فيه إيمانٌ بالله العلي الكبير، فتسمو نفسه وتتجدَّد طاقته وتحدوه لإعلاء كلمة الله ورفع رايته في كل مكان، فيندفع قويَّ الجنَان رغم ما علا رأسه من الشَّيْب الوقور، يقوده إصرار العقيدة السمحة، وهِمَّة الإيمان الفتيِّ، وتُفَتِّق طاقاتِه كلمةُ الله، وتُقيم قوتها إيمانًا يعلو على أي اعتبار[6].

مصير طارق بن زياد:

أمَّا رفيق الدرب طارق بن زياد فقد انقطعت أخباره كُلِّيَّةً بعد رحيله إلى دمشق مع موسى بن نصير، ولا أحدٌ يدري هل عاد مرَّة أخرى إلى الأندلس أم بَقِيَ في دمشق؟!

مهما بلغ المؤرخ في الثناء على طارق فإنه لا يستطيع وفاء حقِّه، ولو فكَّر أحدنا في الأمر لحظة لاستخرج من حياة طارق وأعماله سرًّا من أسرار قوَّة الإسلام، وناحية من نواحي امتيازه؛ فطارق هذا رجل مغربي بربري لم يكن ليصبح -بغير الإسلام- إلاَّ قائدًا خاملاً لجماعة من البربر منسيين في ركن من أركان الأطلسي، فجاء الإسلام فجعل منه قائدًا فاتحًا، وسياسيًّا محنَّكًا يقود الجيوش ويفتح الأمصار، ويُوَقِّع المعاهدات في قدرة وكياسة جديرتين بالإعجاب، فلو لم يكن للإسلام من أثر إلاَّ تكوين أمثال هذا الرجل واستنهاض قومه للعمل الجليل لكفاه، فكيف وقد بثَّ الإسلام هذه الروح في كل مكان أظلَّته رايته، وكيف وقد فعل هذا في أقصر وقت وحققه على أتم وجه؟![7].

الصخرة.. والدرس الصعب:

رحل موسى بن نصير وطارق بن زياد من الأندلس إلى دمشق بعدما وصلا بفتوحاتهما إلى غرب فرنسا، إلاَّ أنه كانت هناك منطقة صغيرة جدًّا في أقصى الشمال الغربي من بلاد الأندلس لم تُفتَح بعدُ، ولم يخطر على بال أحد من المسلمين أنه سيأتي يومٌ وتكون تلك المنطقة هي نواة الممالك النصرانية التي ستنشأ فيما بعدُ، وستكون صاحبة اليد الطولى في سقوط الأندلس بعد ذلك بقرون.

تلك هي منطقة الصخرة التي لم يستكمل المسلمون فتحها، وكانت فيها طائفة كبيرة من النصارى، وأغلب الظنِّ أنه لو بقي موسى بن نصير أو طارق بن زياد ما تركوها، إلاَّ أننا نستطيع أن نقول: إن التهاون في أمر بسيط جدًّا قد يُؤَدِّي إلى ويلات عظيمة على مَرِّ الزمن، فلا بُدَّ أن يأخذ المسلمون كلَّ أمورهم بالعزم والحزم وعدم الطمأنينة، إلاَّ بعد استكمال النهايات على أتَمِّها.

المصدر: موقع قصة الإسلام


[1] ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 4/117، 118، والمقري: نفح الطيب 1/233، 234.

[2] المهيع: السهل والواضح والبيّن والواسع. ابن منظور: لسان العرب، مادة هيع 8/378، والمعجم الوسيط 2/1003.

[3] المقري: نفح الطيب 1/233، 234، 277، وانظر: الحميري: الروض المعطار ص50.

[4] الذهبي: تاريخ الإسلام 6/489.

[5] الذهبي: سير أعلام النبلاء 4/500، وابن عذاري: البيان المغرب 2/32.

[6] عبد الرحمن الحجي: التاريخ الأندلسي ص128.

[7] حسين مؤنس: فجر الأندلس ص106، 107.

التعليقات (0)