أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الثالث

أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الثالث

الدكتور عدنان بن محمد الحارثي

كانت المعابر السابقة أدوات مهمة في عبور الثقافة العربية الاسلامية فانعكست أثراً واضحا على جميع جوانب الحياة في أوروبا لتشكل لها بذلك المقومات الفعلية لحضارتها الحديثة. ويمكن حصر أبرز هذه المؤثرات في الجوانب التالية:-

الإدارة والتنظيم:-

كان التأثير في هذا الجانب عظيماً ، وسُنتطرق لأبرز هذه المؤثرات بإيجاز:-

-البناء الإداري لمؤسسات الدولة، من حيث وجود الوزراء الذين يتبعهم عدد من المؤسسات الادارية التي يعنى كل منها بجانب معين من الخدمات التي تقوم بها الدولة، كالاهتمام بشؤون الزراعة أو البريد أو المنشآت الخدمية وغير ذلك.

-النظم التعليمية، كتنظيم المؤسسات التعليمية وضوابط العمل فيها ... ومبدأ شيوع التعليم في المجتمع وإتاحة الفرصة للجميع بحيث يطبق عليه مبدأ الفرص المتكافئة.

-التشريعات، حيث استفادت التشريعات الأوروبية من نظيرتها عند المسلمين في كثير من مجالاتها، ويكفي ان نشير هنا إلى القانون التجاري والقانون المتعارف عليه في التجارة الدولية، والشاهد على ذلك العديد من المصطلحات مثل(Mohatra) المأخوذة من كلمة (مخاطرة) العربية، وهي التحايل على تفادي الفائدة عن طريق البيع المزدوج، وكلمة (Aval) وهي كلمة فرنسية محرفة عن كلمة (حوالة) العربية، وكلمة شيك(Chegue) من كلمة (صك) بالعربية وغير ذلك.

ومما يجدر ملاحظته هنا ان المسحيين الأندلسيين الذين عرفوا بالمستعربين أخذوا يستعملون في وثائقهم وعقودهم الصيغ المتبعة في الوثائق الإسلامية، واحتفظوا بهذه الطريقة في مدينة طليطلة لمدة تقارب القرنين بعد سقوطها في أيدي الإسبان سنة 478/ 1085م.

الحياة الاجتماعية:-

تأثر الأوروبيون في بعض جوانب حياتهم الاجتماعية بالمظاهر الاجتماعية الوافدة عليهم من المشرق الاسلامي، وأبرز هذه المؤشرات يمكن حصرها في العناصر التالية:-

-الأدب الاجتماعي: تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه:"إن الحلي التي يقدمها الأوروبي لحبيبته أو لزوجة صديقه سواء أكانت ماساً أصليا أم زجاجاً مصقولاً، هي عادة استوردت من الشرق، ويمارسها الناس كل يوم ولا يعرفون لها مصدراً. كذلك لو أنك كتبت لسيد أو سيدة خطاباً وأنهيته بالمخلص فلان أو خادمك المطيع فأنت تعترف بسيادة العرب لأنك أخذت عنهم هذه الكلمات، ولم يكن أجدادك في الغرب يعرفون شيئاً منها وأنت كلما انحنيت على يد سيده لتقبلها لا تنسى في تلك اللحظة أنك بهذا تمارس عادة عربية. وتزلف الرجل للمرآه خطباً لودها ولتقديرها سواء أكان هذا من باب الأدب في المجتمعات أم كان عن حب صادق.. كل ذلك من عادات العرب المسلمين الذين استطاعوا بما حملوه من تشريعات إسلامية عظيمة، ومن حس حضاري مرهف، القضاء على شعور العداء للمرآة، وجعلوا من منهجهم مثالاً احتذاه الغرب ولا يملك الآن منه فكاكاً. و أصبح الاستمتاع بالجمال والغزل جزء من حياة الأوروبيين شاءوا أم أبوا..."

أما الفروسية بما تمثله من أخلاقيات المروءة والنجدة والأثرة، فهي سلوك عربي هذبه الإسلام وتعلمه الأوروبيون بعد ذلك.             

-النظافة والعناية بالمظهر مثل الاغتسال كسلوك اجتماعي، والعناية بالمظهر في اللبس من حيث تناسق الألوان، واستخدام أدوات الزينة للنساء، كل ذلك مظاهر تعلمها الأوروبيون من المسلمين.

النشاط الاقتصادي:-

إن مظاهر الثراء الذي شهدته بعض المدن الأوروبية وبخاصة تلك المطلة على البحر الأبيض المتوسط أو متلازمة للحدود الإسلامية البيزنطية أو القريبة منها، كلها مدينة بثرائها للعلاقات الاقتصادية التي كانت تربطها بالعالم الاسلامي، ويظهر الاثر الاقتصادي للعالم الاسلامي في المجالات التالية:-

-التجارة: ارتبط العالم الاسلامي بالغرب المسيحي من خلال مجالين تجاريين رئيسي يتخلصان في أفقين:

الأفق الأول هو بيزنطة حيث فرض الموقع الجغرافي للعالم الاسلامي على بيزنطة علاقاتها التجارية لأنه كان يطوقها من الشرق والجنوب، وكل سلع آسيا أو إفريقيا كانت إما منتجاً في هذا العالم أو أنها تمر عن طريقه.

وقد أسهم هذا الوضع في أن تقوم الامبراطورية البيزنطية بدور الوسيط بين الشرق والغرب، وأضحت مدنها القريبة من الحدود الإسلامية أو عاصمتها القسطنطينية، مناطق عبور للتجارة الدولية، وكان في العاصمة القسطنطينية، جالية عربية من التجار السوريين الذين كان لهم فيها مسجد خاص بهم.

كانت هذه التجارة منتظمة بحيث تكفل للتجار المسلمين تصريف كامل بضائعهم مما كانت كميتها ونوعيتها، فإذا تخلت نقابات التجار البيزنطيين المشترين عن جزء من البضائع المعروضة من قبل التجار المسلمين، فإنه كان على حاكم المدينة أن ينقلها إلى السوق و أن يبحث لها عن تسويق مناسب.

الأفق الثاني كان يتكون من أقوام أوروبية كان مستواها الاقتصادي لا يزال متخلفاً، وكذلك أنماطها الحضارية كواقع أشمل، يبد أن وجود الحواضر الإسلامية الكبرى في صقلية والأندلس، واحتكاك الأوروبيين بها وبالمشرق الاسلامي خلال الحروب الصليبية، رفع من المستوى الحضاري لتلك الشعوب فتزايد إقبالها تبعا لذلك على المنتجات المتنوعة القادمة من العالم الإسلامي، ومن ابرز المنتجات التي كانت تصدر من العالم الاسلامي إلى الغرب الأقمشة المصنوعة بإتقان كبير جداً من الحرير والأقطان والصوف بالإضافة إلى المعاجين الطبيعية، وأدوات الزينة، والملابس، والآنية بأنواعها المختلفة من الخزف والزجاج، والمعادن، والورق بأنواعه، والعطور بأنواعها، بالإضافة إلى الآلات وأدوات الجراحة والإسطرلابات، بالإضافة إلى الصناعات مثل السكر وغيره من المنتجات الصناعية.

وكان العالم الإسلامي يستورد الأحجار الكريمة واللؤلؤ والعاج، كما كان العالم الإسلامي يستورد من الغرب الأصواف والمعادن والأخشاب والرقيق.

هذه المبادلات الواسعة النطاق أسهمت في نمو الخبرات التجارية في الغرب، وما ارتبط بذلك من نمو مدن وأساطيل تجارية كبرى، واسهمت في تزايد الثراء لدى الغرب وما تربت عنه من نهضة اقتصادية وحضارية وأبرز الأدلة على ذلك أنه عثر في جزيرة جوتلاند السويدية وحدها أكثر من ثلاثين ألف قطعة نقدية من العملات الإسلامية، علاوة على ما وجد في غيرها من البلاد الأوروبية.

الزراعة: نقل العالم الاسلامي الكثير من خبراته في الزراعة إلى الغرب، ويمكن حصر أهم هذه الخبرات في الجانبين التاليين:-

الأساليب الزراعية مثل بناء المصاطب الزراعية على سفوح الجبال وهو أسلوب نقله المسلمون إلى بلاد الأندلس قبل أن ينتشر في أوروبا، ومن الأساليب الزراعية التي عرفها الأوربيون عن طريق المسلمين في الأندلس استخدام القنوات الأرضية في نقل الماء بالإضافة إلى استخدام النواعير في السقيا، أدخل المسلمون إلى جنوب أوروبا زراعة الأرز والقطن وقصب السكر والبرتقال والليمون وانواع مختلفة من الخضار والحبوب.

المصدر: موقع أشراف الحجاز بالمملكة العربية السعودية

التعليقات (0)