أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الرابع

أثر الحضارة الإسلامية في الغرب – الجزء الرابع

الدكتور عدنان بن محمد الحارثي

الصناعة: تأثرت الصناعات الأوروبية في عصر النهضة بالصناعات الإسلامية، فصناعة الرعادات (الصواريخ) و القنابل والمدافع والبنادق هي صناعة إسلامية، صنعها المسلمون لمواجهة الحملات الصليبية المتتابعة على المشرق الاسلامي، وقد كتب أحد الأوربيين المرافقون لإحدى الحملات الصليبية يقول:"إنه كلما انطلقت قذيفة في الفضاء، كان يبلغ التأثير بملك فرنسا مبلغاً كبيراً فيصيح بأعلى صوته: سيدي الحبيب احمني وشعبي من الكارثة".

وعن طريق ترجمات لاتينية وصلت أولى المعلومات عن أنواع المواد المتفجرة وعن الألعاب النارية إلى أوروبا فتلقفها روجر باكون والبرنس ماغنوس والنبيل الألماني فون بولتشاد، وهذا الأخير هو الذي زود برتولد شفاس الفرنسيسكان بجميع المعلومات التي جعلته يدعي اختراع البارود...

أما المدافع والرعادات والقنابل، فلقد عرفتها أوروبا عن طريق عرب الأندلس، الذين استخدموا هذه الأسلحة بفعالية كبيرة في حروبهم قبل أن يقتبس الأوروبيون هذه الخبرات المعرفية، ويأخذوا في تطويرها ليعيدوا إطلاقها على من علموهم صنعتها.

ومن الصناعات التي نقلها الأوروبيون عن العرب صناعة الورق، حيث كان التجار والحجاج الاوروبيون يذهبون إلى الأندلس أو إلى المشرق الإسلامي ويعودون محملين برزم من الورق الناعم، وظل الأمر على هذه الحال في أوروبا حتى بدأت إيطاليا في صناعة الورق سنة 1340م، ثم تبعتها ألمانيا في سنة 1389م، وقد استعان الأوروبيون بصناع عرب ومسلمين لبناء مطاحن الورق الأولى بل إنهم تعلموا من العرب جميع أنواع الطواحين مثل الطواحين المائية والهوائية.

لقد كانت صناعة الورق وغيرها من الصناعات الأخرى في النسيج والمعادن والخشب وغير ذلك تبدأ في أوروبا في شكل صناعات مقلدة للصناعات الاسلامية قبل أن تتجه إلى تبني أساليبها الخاصة في الصناعة، فمنذ القرن 6-7هـ / 12-13م بدأ النساجون الأوروبيون يجتهدون في محاولاتهم لتقليد النسيج المصنوع في العالم الإسلامي.

فكانت بولندا من المراكز المهمة لصناعة النسيج المقلد للنسيج الإسلامي، أما صناعة المعادن فيها بدأت ايضاً منذ القرن 6هـ كما تظهر في الأواني الرومانية الطراز التي صنعت على هيئة حيوانات كمثيلاتها الإسلامية وطوت النحاس المطعم بالميناء، وكانت تصنع في ليموج بفرنسا وتعرف بالتوائم، ويظهر تأثرها الواضح بمثيلاتها المصنوعة في العالم الإسلامي.

كذلك الإسطرلابات التي كانت تعمل بكثرة في المشرق الإسلامي وتقلد تقليداً دقيقاً في أوروبا.

وكان لانتشار التطعيم على المعادن في العالم الإسلامي أثر الكبير على أوروبا وخاصة منذ القرن 9هـ /15م حيث شاع هذا الأسلوب في صناعة المعادن في أوروبا، وظهر على عدد كبير الطسوت والقصاع والأطباق الكبيرة والأباريق والشمعدانات المصنوعة في البندقية وربما في مدن اوروبية اخرى، وعلى الوتيرة نفسها سار الأمر في الصناعات الأوروبية الأخرى الخزفية والزجاجية والخشبية.

العلوم: الاثر العلمي للحضارة الاسلامية على الغرب كان كبيراً جداً، وللأسف الشديد حتى الوقت الحاضر فإن هذا الأثر لم يتم دراسته واستيعابه بدرجة كافية، ولعل من أسباب ضعف الاستيعاب ما أثبتته الدراسات الحديثة عن بواكير المؤلفات اللاتينية التي ظهرت بعد البدايات الأولي للترجمات من العربية إلى اللاتينية في القرن الرابع الهجري، حيث ثبت أنها إنما كانت مجرد نقول من الكتب العربية و لم يتم الإشارة إلى أصحابها بسبب عوامل العداء والكراهية التي كانت في الغرب لكل ما هو إسلامي.

ومن أمثله ذلك قسطنطين الافريقي، وهو تاجر عربي من الجزائر لا يعرف كونه ولد مسيحياً أم تنصر، قدم مدينة سالونو في جنوب ايطاليا سنة 1065م وشهد انحطاط مستوى الطب والصيدلة هناك، فعاهد نفسه أن يعود إلى بلده ليتعلم الطب فيها، ثم يرجع ليفيد الايطاليين، فعاد بعد ثلاث سنوات إلى سالونو ومعه الكثير من الكتب ثم عكف في دير من الأديرة مع بعض الرهبان، ونقل هناك الكثير من الكتب العربية إلى اللاتينية ونسبها إلى نفسه بينما ثبت من خلال الدراسات والأبحاث، أن جهده العلمي لا يعدو ان يكون نقلا من محتويات أكثر من سبعين كتاباً عربياً، ولقد فتحت ترجمات قسطنطين الافريقي في أوروبا الابواب لعلم الطب.

في القرن 7هـ/13م بدأت تظهر مؤلفات هي في الواقع مقلدة للكتب العربية وليس فيها جديد، بل أنها في كثير من الاحيان تقل في المستوى عن مصادرها العربية، وذلك من حيث درجة فهم الموضوعات وطريقة العرض وترتيب الموضوع والإيجاز وربما الامانة، ولم يمنع ذلك من ظهور ترجمات عملت على النقل بأمانة من العلوم العربية إلى اللاتينية، فأدى ذلك إلى أن تصبح هذه الكتب هي مفاتيح العلم في الغرب، ومن أمثلة ذلك:

-جابر بن حيان ودوره الرائد في علم الكيمياء، ومن أبرز كتبه كتاب(الرحمة)، وكتاب (التجميع)، وكتاب (الزئبق الشرقي)، وكتاب (الاستتمام)، وكتاب (السبعين)، وكتاب (تركيب الكيمياء)، وكتاب (السموم) ودفع مضارها، وقد ترجم له أكثر من كتاب في مطلع عصر النهضة، حيث تعلم منها الغرب الكثير مثل تحضير المواد الكيميائية ودراسات التركيبات والأوزان الجزيئية وغير ذلك.

-الحسن بن الهيثم: يعد الحسن بن الهيثم أحد أبرز العلماء الذين أزهر بهم العلم فقد الف 25 كتاباً في الرياضيات و 21 كتاباً في الهندسة و 3 كتب في الحساب و 24 مجلداً في الفيزياء والفلك.

وتجد في هذه الكتب الكثير من الآراء والنظريات التي تعكس التطور العلمي عند المسلمين على وجه العموم، وعند الحسن بن الهيثم على وجه الخصوص، وخاصة فيما يتعلق بعلم الضوء والعدسات والبصريات وخصائص الإبصار وغير ذلك.

-علي الحسين بن عبدالله بن سينا: الف قرابة مائة كتاب، تناولت فنوناً مختلفة من أشهرها الطب وخاصة في كتابة (القانون)، الذي يعد دائرة معارف طبية، طبع في أوروبا عدة مرات، وظل لعقود طويلة هو المرجع المعتمد عند الدارسين في هذا المجال.

-أبو القاسم خلف بن العباس الزهرواي: يعد رائد علوم الجراحة في التاريخ الإنساني، وله كتاب قيم في هذا المجال اسماه (التصريف لمن عجز عن التأليف) وقد ظل هذا الكتاب بمثابة المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه الأوروبيون في الجراحة وتجبير العظام لعدة قرون.

-الخوارزمي: الذي نقل عنه الأوروبيون نظريته في الرياضيات فسموها باسمه، فيقال لوغارزم على وزن خوارزم، وأصبحت تعرف باللوغريتمات في الرياضيات.

وهناك غيرهم كثير من العلماء المسلمين في المجالات المختلفة الذين اثرت كتبهم في تطور العلوم عند الغرب.

والحقيقة فإن أثر المسلمين العلمي يتجاوز الإضافات في العلوم إلى تأسيس العلوم نفسها، وعلى الرغم من أن لها أثرا سابقاً ولكنها لم تتحول إلى علوم حقيقية بحته تخدم المعرفة والحضارة إلا على يد المسلمين، مثل علم الجبر والإحياء والكيمياء والفلسفة والتاريخ... وغير ذلك، كما أن العالم بُاسره مدين للحضارة الإسلامية باكتشاف المنهج التجريبي، وما ترتب عن من تطورات مهمة في تاريخ العلوم.

المصدر: موقع أشراف الحجاز بالمملكة العربية السعودية

التعليقات (0)