لماذا دار الأرقم بن أبي الأرقم تحديدًا، وليس أي دار أخرى؟

لماذا دار الأرقم بن أبي الأرقم تحديدًا، وليس أي دار أخرى؟

أ.د. راغب السرجاني

لماذا دار الأرقم بن أبي الأرقم تحديدًا، وليس أي دار أخرى؟

إن التفكر في هذا الأمر يوضح لنا مدى الفقه الأمني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدى الوعي والفهم العميق لظروف المكان الذي يمارس فيه دعوته صلى الله عليه وسلم:

أولاً: لم يكن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه معروفًا بإسلامه، فلن تتمَّ مراقبة بيته من قريش، أما الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة الذين اكتُشِف أمرهم، فلا تصلح بيوتهم لهذا الأمر.

ثانيًا: الأرقم من بني مخزوم، وهي القبيلة المتنازعة دائمًا مع بني هاشم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه يجتمع في عقر دار العدو، ولن يخطر ذلك أبدًا على أذهان زعماء أهل مكة.

ثالثًا: كان بيت الأرقم بعيدًا عند الصفا، ولم يكن في قلب المدينة، ولم يكن هناك كثير من المارة في هذه المنطقة، ولم يكن هناك بيوت كثيرة حول بيت الأرقم يمكن أن يستخدمها أهل قريش للمراقبة.

رابعًا: كان الأرقم يبلغ من العمر تقريبًا سبعة عشر عامًا فقط[1]، فهو شاب صغير، ولن يشك فيه أهل مكة، فقد يعتقد أهل مكة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيعقد اجتماعاته في بيت رجل من كبار الصحابة، كبيت أبي بكر الصديق، أو عثمان بن عفان، أو عبد الرحمن بن عوف؛ لكنهم في الأغلب لن يُفَكِّروا في بيت هذا الشاب الصغير جدًّا.

والحق أننا لا نتعجَّب فقط من حاسة الفقه الأمني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل نتعجَّب كذلك من قوَّة بأس الأرقم رضي الله عنه، والذي أخذ على عاتقه هذه المهمَّة الخطيرة جدًّا، مع العلم أنه لو اكتُشِف أمره فقد تكون نهايته، خاصة أن زعيم بني مخزوم -قبيلة الأرقم- هو أبو جهل عمرو بن هشام، الذي سيكون أعتى أهل قريش على المسلمين، فرضي الله عن الأرقم، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.

كان الاختيار موفَّقًا، ولم نسمع عن مداهمة واحدة من كفار قريش على المسلمين لدار الأرقم، وظلوا في هذه الحالة الآمنة طَوَال السنوات التي كانوا يجتمعون فيها في الدار، وهي على الأقل ست سنوات كاملة حتى لحظة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو قد يكون المقرُّ قد استمرَّ في أداء عمله حتى نهاية المرحلة المكية كلها؛ أي ثلاث عشرة سنة كاملة.

التربية والمنهج في دار الأرقم بن أبي الأرقم:

ويبقى أهمُّ شيء، وهو أن نتعرَّف على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله في هذه المرحلة؛ سواء في دار الأرقم بن أبي الأرقم أو في غيرها، كي يُرَبِّي صحابته، ويبني أمته. وبالنظر إلى آيات القرآن التي نزلت في هذه الفترة، وإلى المواقف التي نقلتها إلينا كتب السُّنَّة المطهَّرة، والسيرة العطرة، يمكن أن نضع أيدينا على ملامح هذا البرنامج التربوي المتميِّز:

أولاً: كان هذا المنهج صافيًا جدًّا؛ فالمصدر الوحيد للتربية هو القرآن الكريم، والحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يكون التأسيس متينًا سليمًا نظيفًا صالحًا، لا اضطراب فيه ولا غموض.

ثانيًا: كان المنهج بسيطًا جدًّا، فلم تكن هناك تفريعات كثيرة، ولا تشريعات متعدِّدة، ولم تظهر الأحكام بصورتها المعروفة إلاَّ في فترة المدينة.

ثالثًا: كان أهمُّ بنود هذا المنهج هو بناء العقيدة الصحيحة، والاهتمام بالجانب الروحي، وتعميق البعد الإيماني، فلا بُدَّ أن يعرف المؤمنون في هذه المرحلة ربَّهم جيدًا، ولا بُدَّ أن يعرفوا رسولهم وكتابهم، ولا بُدَّ كذلك أن يعرفوا اليوم الآخر بتفصيلاته.. هذه هي القواعد الأساسية لبناء قاعدة صلبة.

ولتحقيق هذه الأهداف العقائدية الكبيرة نزلت السور التي تتحدَّث عن صفات الله تعالى، وقدرته، وعظمته، وجبروته، ورحمته، وتتحدَّث عن كونه، وخلقه، وإعجازه؛ مثل: سور الأنعام، والنحل، ونزلت السور التي تتحدَّث عن يوم القيامة بتفصيلاته؛ مثل: سور التكوير، والانفطار، والانشقاق، والقارعة، والحاقة، والقيامة، و(ق)، وغيرها، ونزلت السور التي تتحدث عن الجنَّة والنار؛ مثل: الواقعة، والدخان، والنبأ، والرحمن.

رابعًا: اهتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة كذلك بتعميق القيم الأخلاقية في المجتمع المسلم، وتزكية النفوس، وتطهير القلوب من المعاصي والآثام، وتعظيم مكارم الأخلاق، وربطها دائمًا برضا الله عز وجل وبالجنَّة، فخرج المسلمون من هذه المرحلة وهم يُعَظِّمون الصدق، والأمانة، والكرم، والعدل، والمروءة، والرحمة، والعفة، وطهارة اللسان والعين والأذن وكل الجوارح، وهذه أمور لا تصلح أمة بغيرها، حتى قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته عليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ"[2].

خامسًا: حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تقوية أواصر الوحدة والألفة بين الجماعة المسلمة الأولى، وعلى أن يشعر المسلم بهموم إخوانه وأخواته، فيتحرَّك لنجدتهم، ويهبَّ لمساعدتهم، وهذا الذي دفع الصديق رضي الله عنه بعد ذلك إلى إعتاق العبيد، ورعاية المساكين، وقد نزلت السور تُؤَيِّد هذا المعنى، وتدفع إليه؛ مثل سور: الماعون، والفجر، والبلد.

سادسًا: كان المنهج معتمدًا كذلك على التربية بالتاريخ، فقصَّ عليهم القرآن قصص السابقين من الصالحين والفاسدين، وقصص الأنبياء، وماذا فعل معهم أقوامهم، وماذا كان ردُّ فعل المؤمنين، وكيف كانت النتيجة في النهاية؛ لقد كان هذا أمرًا في غاية الأهمية في هذه المرحلة؛ لأن لله سبحانه سننًا لا تتبدَّل ولا تتغير، نراها في القديم، ونراها في الحديث، وستكرَّر في المستقبل، فدراسة التاريخ تجعلنا وكأننا نرى المستقبل، وهي نعمة كبيرة لأهل الدعوة؛ لذلك نجد أن هذه الفترة، أو الفترة المكية عمومًا، قد حفلت بالسور المليئة بالقصص مثل الأعراف، والشعراء، وهود، والقصص، وسبأ، والنمل، وغافر، وغيرها، وهو درس لا يُنسى لمن أراد أن يبني الأمة بناءً راسخًا.

سابعًا: لم يكن المنهج التربوي شاملاً على قواعد نظرية فقط يسمعها الصحابة في هذه الفترة؛ وإنما كان مشتملاً كذلك على تكاليف عملية يقوم بها كل مسلم أو مسلمة على حدة، أو يقومون بها معًا، وأهم هذه التكاليف كانت الصلاة، فالصلاة فُرِضت على المسلمين مبكرًا جدًّا، ومرَّ بنا موقف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خديجة بنت خويلد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقد رأينا كذلك في حديث بدء الوحي أن الراوي علَّق على أن نزول صدر سورة المدثر كان قبل أن تفرض الصلاة، ومعنى هذا أن فرض الصلاة كان قريبًا جدًّا من بدايات الوحي، ولم تكن الصلاة خمس مرات كما فُرِض في المعراج؛ ولكنها كانت ركعتين قبل الشروق، وركعتين قبل الغروب، وكانوا يقرءون فيها ما نزل عليهم من القرآن، ويَسْتَخْفُون بها في بيوتهم أو في الشعاب.

ولم يتوقَّف الأمر عند هاتين الصلاتين؛ بل زادهم الله تعالى أمرًا صعبًا؛ ولكنه كان مهمًّا جدًّا في بناء هذه اللبنة الأولى، ألا وهو قيام الليل! فقد فرضه الله سبحانه على المؤمنين عامًا كاملاً متصلاً، حتى تفطرت أقدامهم، ثمَّ جعله الله سبحانه بعد ذلك نافلة؛ يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ"[3].

فمدرسة الليل من أعظم المدارس الإيمانية، وهؤلاء الذين أسلموا في العام الأول هم الذين حملوا الدعوة تمامًا على أكتافهم، وكان لا بُدَّ من إعدادهم بهذه الطريقة الفذَّة، وحتى بعد أن أصبح قيام الليل نافلة -وليس فرضًا- ما تركه الصحابة في حياتهم قط.

وكان الحرص على الخشوع هو عنوان المرحلة، وعندما فتر البعض عن خشوعه بعد أربع سنوات من الصلاة عاتبهم الله عز وجل، ولم يرضْ لهم أن يُصَلُّوا وقلوبهم منصرفة إلى غيره؛ يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "مَا كَانَ بَيْنَ إسْلاَمِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} [الحديد: 16] إِلاَّ أَرْبَعُ سِنِينَ"[4].

ثامنًا: بقي في المنهج في هذه الفترة مسألة الدعوة إلى الله، وتعريف الناس بالإسلام سرًّا، وكانت مهمَّة الدعوة هذه ملقاة على عاتق كل المؤمنين، كُلٌّ بحسب الدوائر التي يستطيع أن يصل إليها، وكانوا بالطبع يبدءون بأهلهم، فمعظم المتزوجين جاءوا بزوجاتهم؛ وبذلك بُنِيت الأسر المسلمة في أول أيام الدعوة، وكان لهذا أعظم الأثر في استمرار المسيرة بثبات.

ويبرز هنا سؤال مهم عن هذه المرحلة، وله تطبيقات عملية؛ وهو: هل لم تكتشف قريش أمر المسلمين قط في هذه الفترة؟!

الواقع أنه مع كل الحذر والاحتياط فإن قريشًا اكتشفت الأمر، فشاهدت بعض المسلمين يُصَلُّون صلاة لم يعتادوها، فعرفت أنهم على دين جديد، ومرَّ بنا كيف شاهد رجل كان يجلس مع العباس عمِّ الرسول صلى الله عليه وسلم -وكان العباس بن عبد المطلب مشركًا في ذلك الوقت- الرسولَ صلى الله عليه وسلم يصلي هو وزوجته خديجة وعلي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال العباس: إنه يزعم أنه يأتيه الوحي من السماء. وأيضًا شاهد أبو طالب ابنه عليًّا ورسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيَان[5].

ولا شكَّ أن هناك بعضَ العائلات قد شاهدت أبناءها وقت الصلاة، أو قراءة القرآن؛ ولكن مع كل هذه المشاهدات، ومع كل هذا الإدراك لأمر الإسلام، لم تعترض قريش بالمرة في هذه المرحلة، بل لم تُعِرْه أيَّ اهتمام، والمرء قد يتعجَّب لذلك؛ خاصة عندما يرى عنف قريش بعد ذلك عند إعلان الدعوة؛ لكن هذه الملاحظة طبيعية تمامًا، فقريش لا مانع عندها من أن يعبد كلُّ إنسان ربَّه الذي يُريد في "بيته"، وكانت قريش ترى رجالاً قبل ذلك على هذا المنهج التوحيدي فلا تهتم بهم؛ أمثال: أمية بن أبي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل، وكانوا من الحنيفيين، أو ورقة بن نوفل وكان نصرانيًّا.

لكن أن يجاهر الدعاة بدعوتهم، ويدعون إلى تسفيه الأصنام، وإلى نبذ القوانين الوضعية التي وضعها أهل مكة، وبدَّلوا كلام الله بها، فهذا ما لا تريده قريش؛ إن مبدأ قريش الواضح كان "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". أما أن يأتي دين يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في منظومة الأرض، وفي حياة الإنسان والمجتمع، فهذا ما ترفضه قريش بالكلية.

أضف إلى السبب السابق أن سرِّيَّة المرحلة جعلت قريشًا لا تعرف على وجه اليقين عدد المسلمين، ولم يكن مُزعجًا لها أن يُؤمن رجلٌ، أو عدَّة رجال؛ ولكن عندما يُصبح العدد كبيرًا فإن هذا لا شكَّ سيُمَثِّل إزعاجًا واضحًا لقريش؛ حتى لو لم يَسْعَ المسلمون إلى تغيير واقع مكة بشكل مباشر؛ لأنه بدهيَّا أن كل شيء في مكة سيتغير إن صار المسلمون أغلبية فيها.

إذا في هذه المرحلة ترك القرشيون المسلمين دون تعليق؛ ولكن في المرحلة القادمة، وبعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية، سيجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته في وسط مكة، ويُعلن توحيده لله رب العالمين ونبذه للأصنام والأوثان، وهنا لا شكَّ أن الأوضاع ستتغير، وردود الفعل ستختلف.

تُرى كيف سيُعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته؟ وما ردُّ فعل أهل مكة؟ وكيف سيحاربون الدعوة؟ وما رد فعل المؤمنين؟

المصدر: موقع قصة الإسلام


[1] جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر (4/326): «قال عثمان بن الأرقم: توفي أبي الأرقم سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وثمانين سنة»، وفي تاريخ الإسلام للذهبي 2/473: «قَالَ عُثْمَان: تُوُفِّيَ أَبِي سَنَة ثلاث وخمسين، وله ثلاث وثمانون سَنَة»، وعليه فسنه ما بين 17-19 سنة.

[2]  موطأ مالك برواية يحيى الليثي، (1609)، وأحمد (8939)، واللفظ له وقال شعيب الأرناءوط: صحيح. والحاكم (4221)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، والبخاري: الأدب المفرد، (273)، وقال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8/188، 9/15 وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (45).

[3] أبو داود: أبواب قيام الليل، باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه (1305)، والحاكم (3864)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، انظر: صحيح أبي داود 5/49.

[4] مسلم: كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] (3027)، والنسائي (11568).

[5] أحمد (776)، والبزار (751)، وأبو داود الطيالسي (184)، وقال البوصيري: رواه أبو داود الطيالسي بإسناد حسن. انظر: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 7/206، وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والبزار والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9/102.

 

التعليقات (0)