موقعة عين جالوت

موقعة عين جالوت

لقد كان أمير مصر المملوكية المظفر سيف الدين قطز، قد أدرك أن التتار سيهاجمون مصر بالضرورة، وقد صدق إدراكه فلم يلبث أن جاءته رسالة من هولاكو، نقتطف منها ما يلي: "من ملك الملوك شرقاً وغرباً القان الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء، يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم يتنعمون بأنعامه ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال أنا نحن جند الله، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم مَنْ بكى ولا نرق لمن شكا، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد"(المقريزي : السلوك ج1، ق2/427 ـ429).

والرسالة -كما نرى- تكشف عن الخراب الذي عم العالم الإسلامي وحضارته على يد المغول، وهم يتباهون به، ويعتبرون هذا الخراب رسالتهم وأنهم خلقوا من سخط الله، ليؤدب الله بهم المتهالكين على الدنيا، المتقاتلين على أهداف صغيرة، المتنابذين لأتفه الأسباب، وقد كاد خرابهم يعم لولا أن جمع الله قلوب المماليك والشعب المصري على الجهاد، ووقف عالم فذ من علماء الإسلام هو العز بن عبد السلام الذي أهاب بالجميع أن يموتوا ذوداً عن دينهم، وأهاب بالمماليك أن يتنازلوا عن امتيازاتهم، وبالشعب أن يندفع إلى الجهاد بالدم والمال، ورأى سيف الدين قطز -أمير مصر- وقائده الظاهر بيبرس أن لا يجعلا مصر مسرح القتال بل أن يبادروا بالخروج إلى الشام، حيث يتخذون موقف الهجوم بدل الدفاع، ووقعت الحرب الإسلامية الكبرى بين الفئة المؤمنة الباقية وبين المغول في (عين جالوت) يوم 25 رمضان سنة 658هـ، فانهزم التتار شر هزيمة بفضل (واإسلاماه) الموحدة للمشاعر والأفكار والعقول، وهي الشعار الوحيد الذي رفعه، وهتف به في ساعة العسرة (سيف الدين قطز) وسائر جند الإسلام في عين جالوت، فنصرهم الله به نصراً مؤزراً وهرب أمامهم المغول، وكما يقول الإمام السيوطي:“وقتل من التتار مقتلة عظيمة وولوا الأدبار ، وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم”.

وقد ورد إلى سيف الدين قطز خطاب من هؤلاء يدعوه فيه إلى تسليم مصر والشام والاستسلام لإرادته، وقد جمع قطز العلماء والقادة والأمراء يستشيرهم في الرد عليه، فتفاوتت آراؤهم حول الموضوع، وكان بعضهم جباناً طلب من قطز التسليم للمغول بقيادة هولاكو، ولكن رأي قطز -رحمه الله- كان واضحاً وحازماً؛ وهو أنه سوف يقاتل هؤلاء ومن ذلك أن الأجناد كانت بحاجة إلى الكثير من الأموال في طور الإعداد والتجهيز للمعركة، ولذلك فإن قطز -رحمه الله- فكر في فرض بعض الضرائب والأتاوات على الناس بغرض الإعداد للجهاد، ولكن سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام -رحمه الله- قال له:“لابد أن تدفع أنت وجميع الأمراء والمماليك جميع ما تملكون من ذهب وغيره، فإذا لم تكف هذه الأموال دعونا الناس إلى الجهاد بأموالهم، أما أن يدفع الناس أموالهم وأنتم تكنزون الذهب والفضة؟!! فلابد أن تضربوا للناس المثل الأعلى”. ولقيت كلمات العز بن عبد السلام الناصحة أذناً صاغية عند السلطان قطز فبدأ بنفسه وأخرج ما لديه من الأموال والكنوز قبل أن يطلب من الناس المساعدة بأموالهم لقتال المغول، كما بادر كثير من الأمراء إلى الاقتداء به.

كان تجمع معسكر الجيش المصري المسلم في نواحي غزة، وقد أكمل المسلمون استعدادهم، وتوجهوا لمكان المعركة عن طريق الساحل مروراً ببعض الأراضي الصليبية؛ التي كانت خالية من المدافعين عنها.

وقد وصل المسلمون إلى منطقة (عين جالوت)، وكان بعض الأمراء مترددين في قتال المغول فقال: أنا ألقي التتار بنفسي، فتشجع أمراء المماليك وبقية القوات، وقد جعل قطز طليعة من الجند بقيادة ركن الدين بيبرس، تتقدم المسلمين، وتستطلع أخبار العدو، فلقي طليعة التتار بالقرب من (عين جالوت) فأخذ بيبرس يناوشهم، وأرسل إلى السلطان قطز وجنود المسلمين يخبرهم.

وكانت المعركة بين المسلمين والمغول في (عين جالوت) يوم الجمعة، وكان القتال شديداً على المسلمين حتى أن الأعداء كادوا يزيلون الناس عن مواقعهم، وكان السلطان قطز -رحمه الله- يثبت الناس، وينحاز إلى بعض نواحي الجيش حينما يحس ضعفاً منهم؛ حتى يقوي من عزيمتهم، ويشجعهم، وكان له مواقف شجاعة أثناء المعركة.

وقد شن التتار حملة قوية على ميسرة الجيش المسلم، وكادت أن تزلزلـه، فتمكن قطز وبعض الأمراء معه من إسنادهم حتى ثبتوا، واشتهر -رحمه الله- في تلك الأثناء بندائه في المعركة:“واإسلاماه ، واإسلاماه ، واإسلاماه”، وقد اشتد القتال، فكان النصر حليف المسلمين؛ حيث قتل قائد المغول كتبغا في المعركة، وأسر ابنه، وانهزم جند المغول، ولم يبق منهم إلا القلة من الفارين… ولما لاحت الهزيمة في صفوف المغول نزل السلطان قطز عن فرسه، ومرغ وجهه على التراب تواضعاً لله تعالى، وصلى ركعتين في أرض المعركة شكراً لله على نصره للمؤمنين، وكان قد وقع في أسر الجيوش الإسلامية بعض من انضم إلى المغول من أمراء الشام المسلمين فأمر قطز -رحمه الله- بضرب أعناقهم، ولم يقبل فيهم شفاعة (العمري : الفتوح الإسلامية عبر العصور ، ص 344 وما بعدها ـ إشبيليا ـ الرياض).

ولم يكتف الجيش المسلم بهذا النصر، بل تتبع التتار في سائر بلاد الشام وأخرجهم منها.

وهكذا سجل التاريخ للملك المظفر قطز أنه في فترة وجيزة لا تتعدى خمسة أسابيع -من عام 658هـ- استطاع أن يغير الصورة السياسية التي فرضها المغول على بلاد الشام وأن يعيدها إلى واقعها السابق، أرضاً إسلامية، وفوق ذلك فإنه استطاع في هذه الفترة الوجيزة أيضاً أن يعيد الوحدة إلى الجبهة الإسلامية، وهي الوحدة التي ارتبطت بها انتصارات عديدة على الصليبيين.

وليس هذا فقط، بل أنه -في الحق- قد أعاد للمسلمين جميعاً -وليس لبلاد الشام وحدها- حريتهم وعزتهم وأوطانهم التي تهاوت -بفعل التفرق- تحت أقدام المغول، فأعادها سيف الدين قطز بفضل راية “واإسلاماه” الواحدة إلى سابق مجدها وعزتها.

المصدر: موقع منارات

التعليقات (0)