المؤسس عثمان بن أرطغرل وبزوغ دولة العثمانيين – القسم الأول

المؤسس عثمان بن أرطغرل وبزوغ دولة العثمانيين – القسم الأول

د. ليلى حمدان

في يوم من أيام سنة 656هـ المُوافقة لسنة 1258م، استيقظت الأمة الإسلامية على فجيعة سقوط بغداد، حاضرة الخلافة العباسية ومقتل آخر خليفة عباسي “المستعصم بالله”، وأصيبت القلوب بالصدمة، والألسنة بالذهول؛ فعجزت عن وصف هول المجازر والجرائم التي سطّرها التتار المغول السفاحون في المنطقة، حيث اكتسح اللون الأحمر المشهد، وقُتل أكثر من مليون شخص، وتغير لون النهر لحجم الدم المسفوك وحجم حبر الكتب المهدورة، وهُدمت معالم حضارة بزغت لعقود بشكل لم يسبق له مثيل. فتفشى شعور اليأس بين المسلمين وتحطمت الآمال في محنة التتار، لكن القدر كان يخبئ لهذه الأمة صناعة مجد عجيب؛ ففي الجانب الآخر من الخريطة حيث كانت قبيلة قايى التركية المسلمة تحتضن مولودها الجديد في نفس هذا اليوم الكارثي، في خيمة زعيم القبيلة الغازي أرطغرل بن سليمان شاه وزوجته حليمة خاتون، سماه والده باسم عثمان خان، تيمنًا باسم الخليفة الثالث وأحد المبشرين العشرة بالجنة: عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ولم يكن يعلم أرطغرل يومئذ أن أصغر أبنائه سنًا، عثمان، سيقترن اسمه بقيامة دولة إسلامية مترامية الأطراف تعيد للخلافة التي اندثرت في بغداد أمجادها، وتسجل أحد أروع سير بناء الدول في تاريخ المسلمين، وتنال شرف فتح القسطنطينية عاصمة الروم البيزنطيين سنة 1453م، كما نبأنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما سيُحدِث انعطافة تاريخية عالمية بنهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة بحسب المؤرخين. دولة يدوم ملكها لـ6 قرون متواصلة، تترامى أطرافها شمالًا وغربًا في أوربا، وتملك بلاد القرم ومحيط البحر الأسود وبلاد القفقاس وأوربا الشرقية وبلاد البلقان، وتصل إلى وسط النمسا وشمال إيطاليا، فكانت أول دولة مسلمة في التاريخ الأوربى تصل بجيوشها الجرارة إلى قلب أوربا. وتنعطف جنوبًا لتملك الشام والعراق، والحجاز واليمن، ثم وسط شمال إفريقيا وأكثر جزر البحر الأبيض المتوسط، وتستلم مفاتيح مصر وتستلم معها مقاليد الخلافة من آخر الخلفاء الرمزيين لبني العباس الذين كانوا في القاهرة في كنف دولة المماليك سنة 922هـ، وتزدان بتاريخ ماجد جمع شتات المسلمين تحت رايتها، راية الجهاد التي شقت الأرض دفعًا وطلبًا في مواجهة دول وممالك أوربا الذين ورثوا راية الروم بعد سقوط القسطنطينية.

ولا شك أن أرطغرل الذي تمرّس فنون الفروسية وشهدت له الأرض بمسيرة جهاد مبهرة وفتوحات مثيرة أورث ابنه أسرار النجاح والوصايا النيّرة التي فعلت مفعولها في مستقبله، كما ورثها من والده سليمان شاه الذي قضى نحبه غرقًا أثناء عُبوره نهر الفُرات بِحصانه؛ فأفلحت تربيته وبارك الله في نسله عقودًا متوالية.

وقبيلة قايي التركية الغُزيَّة (الأوغوزيَّة) التي يقال إنها تعود إلى يافث بن نوح، دفعها تقدمُ المغول في أوائل القرن الثالث عشر الميلاديّ إلى النزوح غربًا صوب الأناضول، حيثُ سكنت في منطقة تابعة لسلطنة السلاجقة، وحازت على دعم الدولة السلجوقية وسلطانها علاء الدين الذي أقطع أرطغرل مناطق كثيرة بعد أن حاز على ثقته بسبب شجاعته وحبه للغزو والقتال.

وحين توفي أرطغرل عن عمر يناهز التسعين بمرض النقرس بعد سيرة حافلة بالفتوحات والانتصارات، كان قد أسس لقبيلته ولدولة السلاجقة مكانة قوية في المنطقة، وأورث هذه المكانة لابنه عُثمان وهو في سن الرابعة والعشرين على الأرجح، نظرًا لكفاءته وقدراته القيادية التي أظهرها خلال مرافقة أبيه في الحروب والغزوات وخلال مجالس القضاء والمشورات، فاستلم عثمان قيادة القبيلة واستمر على نهج أبيه، وحقق نجاحات مبهرة، وكذلك فعل خُلفاؤه، فقد تابعوا الحملات التي بدأها عثمان إلى أواسط القرن السَّابع عشر الميلاديّ، لتتحول الإمارة التي وضع أُسسها إلى إمبراطورية عالمية كبرى.

فصول من مراحل بناء الدولة:

وأشار عدد من المُؤرخين إلى أن عثمان قد خاض معركة داخلية شرسة انتهت بضبطه السيطرة على مقاليد حكم قبيلته، وكانت هذه المعركة على العرش مع أقرب أقاربه، عمه “دوندار غازي”. وفي هذا الشأن نقل قادر مصر أوغلو في كتابه ”مأساة بني عثمان” عن المؤرخ التركي خير الله الهندي الذي عاصر عثمان بن أرطغرل، أن دوندار كان طرفًا في مؤامرة اتفق على تدبيرها بالتعاون مع حاكم مدينة “بيله جك” البيزنطي، تستهدف اغتيال عثمان تمهيدًا لوثوب دوندار إلى الزعامة خلفًا لعثمان، فلما انفضح أمر المؤامرة نفذ عثمان حكم الردة كأحد أحكام الشريعة الإسلامية في عمه جزاء جريمته في موالاة أعداء الإسلام والتآمر معهم ضد جماعة المسلمين فقتله.

ومن بين الروايات لكيفية استلام عثمان الحكم، تلك التي تشير إلى إعجاب السُلطان السلجوقي علاء الدين بعُثمان وبشجاعته وإقدامه، حتى قال عنه: “أنا أنتظر مثله مُنذ سنوات”، ثم نصّبه زعيمًا على قبيلته دون معارضة من أفرادها.

وبدوره قام عثمان بإثبات جدارته بالحكم، فانطلق في الغزو والفتوحات، فضمَّ لدولة السلاجقة عام (688هـ=1289م) قلعة قره حصا (القلعة السوداء)، أو أفيون قرة حصار؛ فسُرَّ علاء الدين بهذا كثيرًا، ومنحه لقب (بك)، وأقطعه جميع الأراضي التي فتحها، وسمح له بضرب العملة ورفع اسمه في خطبة الجمعة، وكان أئمة المساجد يذكرون على المنابر أولًا اسم الخليفة العبَّاسي في مصر، ثُمَّ الإلخان المُقيم في تبريز، ثم السلطان السُلجوقي في قونية، وأخيرًا اسم الأمير المحلّي عثمان.

نشأته:

وُلد عُثمان يوم 8 صَفَر 656هـ المُوافق لـ13 شُباط (فبراير) 1258م، وقيل في ليلة بدر في مدينة سُكود، التي اتخذها والده أرطغرل عاصمة لإمارته. ولا توجد الكثير من المصادر عن حياته الأولى، نظرًا لكون أقدم مصدر معروف عنها كُتب بعد حوالي مائة سنة من وفاته. حيث قال المؤرخ التركي “يلماز أوزطونه”: “يرجع غموض المراحل الأولى من تاريخ العثمانيين حتى فتح القسطنطينية بعامة إلى عدم توفر المعلومات، فقد أحرق تيمورلنك الوثائق التركية عند إغارته على بورصة سنة 1402م (804هـ)، ولهذا فالوثائق الرسمية المتعلقة بالفترة من نشأة الدولة وحتى غارة تيمور قليلة جدًا ”.

نشأ عُثمان نشأة فارس مسلم كما هي عادة فتيان قبائل التُرك المُرتحلة، فأتقن فنون المُصارعة والمُبارزة بالسيف منذ صغره، واحترف رُكوب الخيل والرمي بالنبال والصيد، وبرزت مهاراته أمام أقرانه، ورافق هذا الإعداد البدني إعدادٌ روحيٌ، حيث تلقى عثمان تعليمًا إسلاميًا من مشايخ الصوفية الذين تأثر بهم في زمانه، وعلى رأسهم مُعلِّمه الشيخ “إده بالي” القرماني، الذي تتلمذ على يده بتوجيه من والده.

وكان للشيخ “إده بالي” مكانة كبيرة لدى أرطغرل، وتتحدث الروايات التاريخية عن وصيته لابنه عثمان بضرورة احترام شيخه وملازمته والأخذ بنصائحه ومشورته، وهي الوصية التي بقي جزء صغير منها مكتوبًا عند قبر أرطغرل جاء فيه: “انظر يا بني! يمكنك أن تؤذيني، ولكن لا تؤذِ الشيخ “إده بالي”! فهو النور لعشيرتنا، ولا يُخطئ ميزانه قدر درهم! كن ضدي ولا تكن ضده؛ فإنك لو كنت ضدي سأحزن وأتأذى، أما لو كنت ضده فإن عينيّ لن تنظر إليك، وإن نظرتا فلن ترياك، إن كلماتي ليست من أجل الشيخ “إده بالي”، بل هي من أجلك أنت، ولتعتبر مقالتي هذه وصية لك”.

المصدر: موقع تبيان

التعليقات (0)