المؤسس عثمان بن أرطغرل وبزوغ دولة العثمانيين – القسم الثالث

المؤسس عثمان بن أرطغرل وبزوغ دولة العثمانيين – القسم الثالث

د. ليلى حمدان

البراعة السياسية:

وأعقب محطة زواج عثمان بابنة الشيخ “إده بالي” ظهورُ عُثمان اللافت على الساحة السياسيَّة، واكتسابه لوصف زعيم الجهاد في المنطقة. واعتبرها بعض المؤرخين بالخطوة السياسية البارعة. إذ أنَّ الشيخ “إده بالي” كان قائدًا للفرقة البابائيَّة المنسوبة إلى بابا إسحق الذي قاد ثورة ضد سلاجقة الروم مُنذ حوالي سنة 1239م، إلى أن قُبض عليه وشُنق سنة 1241م، وكان يملك نفوذًا وتأثيرًا كبيرين في المنطقة.

لكن براعة عثمان لم تتوقف عند حسن اختياره لصهره، بل أيضًا في علاقاته مع جيرانه وتحالفاته المدروسة وتمكنه ببراعة أخرى من الدمج بين التقاليد التُركيَّة والإسلاميَّة والبيزنطيَّة وكسب قلوب الناس بحسن معاملتهم وإقامة العدل بينهم. ويذكر من هذه العلاقات، علاقة عثمان مع الآخيين، وهي من الجماعات المنظمة التي اشتهر أعضاؤها بالحرفة والتجارة ورفعوا شعار العدل ومنع الظلم واتباع الشريعة الإسلامية والأخلاق الحميدة، والتدخل عسكريًا عند الحاجة له.

ومن هذه العلاقات كانت علاقة الصداقة بين عُثمان و”كوسه ميخائيل” حاكم قرية هرمنكايا الرومي التي استفاد منها عثمان كثيرًا.

حيث تذكر الروايات التاريخية أن عثمان تلقَّى تحذيرًا من كوسه ميخائيل بأنَّ مُؤامرة سريَّة أُحيكت ضدَّه من قبل صاحبيّ قلعتيّ “بيله جك” و”يار حصار” لقتله أو أسره، وقد وجها له دعوة إلى حفل زفاف ولديهما في القلعة الأولى. وبعد أن علم بمكرهم عثمان، أرسل أربعين فارسًا من فُرسانه إلى الحفل مُتنكرين بأزياء النساء، وفي رواية أخرى بأزياء مساكين، وما إن دخل هؤلاء “بيله جك” حتى أشهروا السيوف وتمكنوا من أسر كافَّة المدعوين بما فيهم العروسان، وفتحوا القلعة وسيطروا عليها.

وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى أنَّ هذه الواقعة أُسرت فيها ابنة تكفور، وتُدعى “هولوفيرا” فاصطفاها عثمان لابنه أورخان، وأصبح اسمها “نیلوفر خاتون”، وأنجبت -أول امرأة أجنبية في سلطان عثمان- ابنًا أسموه مراد، ويقال ابن آخر أسموه سليمان.

ومن هذه العلاقات أيضًا، تحالفه مع القبائل التُركمانيَّة القادمة إلى الأناضول، فاستفاد من نشاطهم وقوتهم. حيث كان الكثير من هؤلاء التُركمان مُحاربين محترفين، يتلهفون إلى الجهاد والغزو، وبينما استفاد عُثمان من المتدينين منهم من جهة عهد، ومن جهة أخرى إلى الشُيوخ والدراويش مهمة تربية من يفتقدون التربية الإسلامية لإشباعهم بالقِيم التي تعظم من الغزو والفتوحات لزيادة رقعة دار الإسلام.

ومما صُنف عبقريةً استراتيجيةً لعثمان، تركيز فتوحاته على البيزنطيين، مما أثر بشكل مباشر في الأوساط الرومية، بذياع صيته الذي كان يوازيه انتشارُ شعبيَّتِه في الأوساط الإسلاميَّة.

وتحاشى عثمان أي صدام مع جيرانه من الإمارات المسلمة المجاورة لدولته، مثل إمارات القرمان ومنتشا وصاروخان وغيرها، رغم أنه كان يواجه تحديًا كبيرًا من هذه الإمارات المتفرقة المستبدة التي شغلتها الدنيا عن الجهاد ومقارعة الأعداء؛ ما أطمع فيهم المغول والصليبيين، وبدل أن يتحدوا مع عثمان وقفوا حجر عثرة أمام أي فرصة اتحاد، وشكلوا بذلك عبئًا ثقيلًا على حركة الفتح الإسلامي. ومع ذلك، تمكن عثمان بسياسة تفادي قتالهم من اجتذاب وتسخير جميع القوى المسلمة في حرب الروم.

براعة عثمان برزت كذلك في سياسة دولة استوحى نظامها من الدولة السُلجوقيَّة، والسعي في تحقيق أهدافه بعزيمة مبهرة ورؤية واضحة. يقول المُؤرِّخ أحمد رفيق في موسوعته «التاريخ العام الكبير»: “كَانَ عُثمَانَ مُتَدَيِّنًا لِلغَايَةِ، وَكَانَ يَعلَمُ أنَّ نَشرَ الإِسلَامِ وَتَعْمِيمِهِ وَاجِبٌ مُقَدَّسٌ، وَكَانَ مَالِكًا لِفِكْرٍ سِيَاسِيٍّ وَاسِعٍ مَتِينٍ، وَلَم يُؤَسِّس عُثمَانُ دَوْلَتَهُ حُبًّا فِي السُّلطَةِ وِإِنَّمَا حُبًّا فِي نَشْرِ الإِسلَامِ”.

ويقول المؤرخ التركي المعاصر قادر مصر أوغلو: “لَقَد كَانَ عُثمَانُ بنُ أَرطُغرُل يُؤمِنُ إيمَانًا عَمِيْقًا بِأَنَّ وَظِيفَتَهُ الوَحِيْدَة فِي الحَيَاةِ هِيَ الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ لِإعلَاءِ كَلِمَةِ الله، وَقَد كَانَ مُندَفِعًا بِكُلِّ حَوَاسِّهِ وِقِوَاه نَحْوَ تَحْقِيقِ هَذَا الهَدَف”.

لقد كانت أهداف عثمان سامية وسياسته بصيرة ونفسه مترفعة عن سفاسف الدنيا، فمنّ الله عليه بالنجاح والتوفيق وإقامة دولة علية.

البراعة العسكرية:

سعى عُثمان بعد فتحه قلعتيّ “بيله جك” و”يار حصار” إلى القضاء على صاحب “إینه‌گول” الذي حالف عامل “قراجة حصار” على العُثمانيين سابقًا؛ كي يحول دون إبرام أي تحالُفٍ آخر بين بقايا الإمارات البيزنطيَّة في الأناضول. وقاد جيشه “طورغود ألب”، فحاصر قلعة إینه‌گول، ثُمَّ التحق عثمان به وتمكَّن من فتحها. وتقول بعض المصادر التاريخية إنَّ عُثمان منح هذه القلعة إلى طورغود ألب، ولِذلك سُميت البلدة فيما بعد “طورغود” تيمُنًا بأوَّل أميرٍ مُسلمٍ عليها.

وعاش عثمان حالة عداء قصوى مع المغول، ويعتقد أن صراعه مع المغول والكرميانيين كان أشد في أوائل عهد الإمارة. إلا أن عثمان سدد ضربات قاصمة للقوات المغولية في منطقته، فجهّز جيشًا بقيادة ابنه أورخان، وسيّره لقتال المغول قبل تحالفهم مع النصارى فأوقع بهم هزيمة كبيرة شتتت شملهم وقتلت فكرة الاتحاد مع البيزنطيين في مهدها. فأحبط بذلك مكر الروم وتخطيطاتهم.

ومن المهم الإشارة إلى أن عثمان بعد أن رتب بيته الداخلي واستتب له الأمر، ونال شرف الفتوحات المتتالية للحصون والبلدات، أرسل إلى جميع أمراء الروم بِبلاد آسيا الصُغرى يُخيِّرهم بين ثلاثة أُمور: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب. فأسلم بعضهم وفي مُقدمتهم صديقه “كوسه ميخائيل”، والذي أصبح من خاصة عثمان، وجاءت منه ذُريَّته المشهورة في التاريخ العُثماني باسم عائلة “ميخائيل أوغلو”.

واستجاب بعض الروم بدفع الخراج والجزية والبعض الآخر بالقتال، وتبع ذلك تشكيل الأُمراء البيزنطيّين في كل من بورصة ومادانوس وأدرهنوس وكته وكستله في سنة 700هـ المُوافقة لِسنة 1301م حلفًا صليبيٍّا لِمُحاربة عُثمان والقضاء على إمارته، وحينها كان تخطيط عثمان للوصول إلى بورصة -أكثر المُدن الروميَّة تحصينًا وأهمية في الأناضول- واضحًا كهدف من أهدافه الطموحة.

وفي ربيع سنة 1302م، زحف الإمبراطور البيزنطي ميخائيل التاسع برجاله حتَّى وصل جنوب منطقة مغنيسيا وهو يعتزم الاشتباك مع العُثمانيين وطردهم من مناطق التُخوم، لكن العُثمانيين تجنّبوا القتال المباشر مع البيزنطيين وأنهكوهم بالإغارة على البلدات والمواقع البيزنطيَّة الصغيرة لينتزعوها الواحدة تلو الأُخرى حتَّى تمكنوا من تطويق الإمبراطور البيزنطي وعزلوه في مغنيسيا، فتفكك جيشه دون قتال، وانسحب أغلب الروم عائدين إلى القُسطنطينيَّة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أسلوب عثمان في القتال، حيث كان يتعمد إنهاك عدوه ومحاصرة المدن والبلدات بشكل منفرد ليسيطر عليها بعد عزلها وإضعافها، ثم بعد دخوله وضبط سيطرته يقيم فيها العدل ويحسن معاملة سكانها، مما يكسبه قبولًا وبقاء حكم.

وقد دفع حراك الإمبراطور البيزنطي القُرى والبلدات الإسلاميَّة الحُدوديَّة إلى الالتفاف أكثر حول عُثمان؛ خاصة بعد ما أظهره من قدرات قياديَّة وعسكريَّة عالية ومعاملات إسلامية وقيم راقية، فتحولوا لدعامة قوية لدولة عثمان الأولى.

كما التحق بصفوف عثمان بعضُ القادة الروم الذين اختاروا العمل معه على أن يعودوا لبلادهم، وكان قسمٌ منهم من أسرى الحُروب المعتقين، وقسم آخر من المعتنقين للإسلام الجدد ممن أعجبوا بأخلاق عثمان ومبادئه فأقبلوا على الإسلام.

جاذبية مشروع عثمان لم تقف عند هذا الحد، بل جذبت أيضًا الكثير من الجماعات الإسلاميَّة تحت لواء العُثمانيين كجماعة “غُزاة الروم” أو “غزياروم” بالتُركيَّة، وهي جماعةٌ إسلاميَّةٌ كانت تُرابط على حُدود الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وتصد هجماتهم عن المسلمين منذُ عهد الخليفة العباسي”المهدي بالله”،  وقد أكسبتها هذه المرابَطة خبرات فائقة في حرب الروم.

دون أن ننسى النواة الأولى لعثمان وهم رفاق دربه من قادة الآخية الفتيان الذين سارعوا إلى الانضمام إليه وملازمته خلال مسيرته الجهادية، ويذكر التاريخ منهم “الغازي عبد الرحمن”، و”آقچه خوجة”، و”قُونور ألب”، و”طورغود ألب”، و”حسن ألب”، و”صالتوق ألب”، و”آيكود ألب”، و”آق تيمور”، و”قره مُرسل”، و”قره تكين”، و”صامصا چاويش”، و”الشيخ محمود”، وغيرهم من قادة الآخية وقُدامى المحاربين الذين خاضوا المعارك تحت قيادة عُثمان، وحتى تحت قيادة والده أرطُغرُل.

وانضمَّ إلى صفوف عثمان أيضًا جماعة “حاجيَّات روم” أي “حُجَّاج أرض الروم”، وهي جماعة معنيَّة بالعلم الشرعي وتفقيه المسلمين بأمور الدين، وكان لها هدفٌ جانبيّ يتمثَّل في معاونة المجاهدين، خُصوصًا في القتال.

معركة بافيوس:

بعدما فشل حراك ميخائيل، أعاد والده الإمبراطور البيزنطي أندرونيقوس الثاني حشد جيوشه لِقتال المسلمين؛ فأرسل سراياه بِقيادة “جرجس موزالون”، فعبر بهم مضيق البوسفور حتى وصل سهل بافيوس على تُخوم المدينة.

وتقابل الجمعان في السهل يوم 1 ذو الحجة 701هـ، المُوافق لـ27 تمُّوز (يوليو) 1302م. وكان العُثمانيّون قد حشدوا جيشًا بقيادة عُثمان نفسه، وسُرعان ما التحم الجيشان وانكسر الخط الأمامي البيزنطي، وانهزمت مُقدمة الجيش، فتراجع موزالون بِجُنوده وسجّل عثمان انتصارًا حاسمًا.

فقد كان لِهذه المعركة أثر بالغ في التاريخ الإسلامي عُمومًا والعُثماني خُصوصًا، إذ اعتبر الكثير من المؤرخين أن النصر العُثماني في هذا اليوم يُشكِّلُ ولادة الدولة العُثمانيَّة الفعليَّة، كونها “منحت الإمارة العُثمانيَّة خصائص وسمات الدولة المستقلَّة الفعليَّة القابلة للحياة، وأثبتت لجيرانها إثباتًا قاطعًا بأنَّ جُيوشها قادرة على الغزو وإلحاق الهزيمة بأكبر الأعداء والتصدي لهم”.

كما أتاح هذا النصر لِعُثمان أن يُسيطر بعد حين على مدينتيّ إزنيق ونيقية، بالإضافة إلى مدينة بورصة الاستراتيجية لاحقًا.

اختار عثمان مدينة “يني شهر” عاصمة لإمارته، ثم ركز تحركاته العسكرية بعد ذلك في التوسع في اتجاهين اثنين: اتجاه إلى الشمال حتى نهر سقاريه باتجاه البحر الأسود، واتجاه إلى الجنوب الغربي باتجاه بحر مرمرة، وحقق أهدافه في كلا الاتجاهين حتى سنة 1308م، حيث نجح في عزل آخر مدينة بيزنطية استراتيجية في المنطقة، وهي بورصة التي تقع أسفل جبل أوليمبس (أولو طاغ).

وكانت بورصة محصنة تحصينًا جيدًا، وتمكن البيزنطيون من الاستمرار في فتح طرق الاتصال الخاصة بهم مع البحر لتلقي حاجياتهم من الإمدادات من القسطنطينية، ما مكّنهم من الصمود طويلًا بعد سقوط المناطق المحيطة ببورصة في أيدي العثمانيين. ولكن سيطرة عثمان على مودانيا قطعت آخر اتصال بين بورصة والعالم الخارجي سنة 1321م الموافق لـ721هـ، واضطر المدافعون عنها لتقديم الجزية لعثمان لمدة 5 سنوات، ثم انتهت بالسقوط في نهاية 6 أبريل سنة 1326م (2 جمادى الأولى 726هـ) على يد الجيش العثماني الذي قاده أورخان بن عثمان، الخليفة الحقيقي في شؤون الحرب والسياسة لأبيه، الذي كان ينتظر خبر هذا الانتصار بشغف كبير وهو على فراش المرض.

وشكّل فتح بورصة بعد صبر كبير وجلدة من العثمانيين خطوة هامة لهم، فقد تغيرت أملاكهم من إمارة ذات تخوم بدوية إلى ولاية حقيقة بعاصمة وحدود وسكان مستقرين وقدرات لتكوين جيش منظم يسمح بحمايتها وقيادة مزيد من الفتوحات، وكانت خطوة كبيرة نحو الاستقلالية والاكتفاء.

واستسلم حاكم بورصة، أفرينوس، لجيش عثمان وسط حالة من الضعف الكبير  الذي نخر في القصر البيزنطي المنهار، واعتنق الإسلام بعد ذلك، بل ودخل في خدمة الجيش العثماني، فمنحه عثمان لقب (بك)، وأصبح من القادة العثمانيين البارزين، ودخل معه عدد من القواد الذين أعجبوا بالإسلام ويأسوا من دائرة الفشل البيزنطي الذي أنهكها الصراع على العرش. وقد سجل التاريخ لجوء المتصارعين على هذا العرش في بيزنطة للعثمانيين طلبًا للمساعدة؛ ما أكسب دولة عثمان مكانة ثقيلة في المنطقة.

المصدر: موقع تبيان

التعليقات (0)