التاريخ .. مفهوم الحضاري – القسم الأول

التاريخ .. مفهوم الحضاري – القسم الأول

قاسم عبده قاسم

التاريخ هو الحضارة في أحد معانيه؛ فالتاريخ والحضارة مترادفان يحملان معنى واحدًا، فالتاريخ يحمل قصة الإنسان في الكون، ورحلته عبر الزمان، وهي رحلة ما تزال مستمرة. كانت خطوات الإنسان الأولى في مسيرته التاريخية هي نفسها خطواته الأولى في محاولة بناء الحضارة؛ ولهذا السبب كانت رحلة الإنسان، ورحلة تاريخه، ورحلة حضارته واحدة. ولهذا السبب كانت رحلة المعرفة التاريخية، أو «تاريخ التاريخ» موازية لرحلة الإنسان عبر الزمان. ومن ناحية أخرى، كانت الحضارة هي ما أنجزه الإنسان على المستوى المادي واللامادي على امتداد هذه الرحلة وحتى الآن.

التاريخ في أبسط معانيه قصة الإنسان وقصة محاولاته لإعمار الأرض وكشف حقائق الكون. وفى زمن البدايات لم يكن الإنسان يعرف حقائق الكون الذي عاش في رحابه، لم يكن قادرًا أيضًا على فهم الظواهر التي تحيط به في هذا العالم، ولم يكن قادرًا على التحرر من أسر الطبيعة؛ فعاش تحت رحمتها.

وفى ذلك الزمان كانت الأسطورة بمثابة الحل العقلي والنفسي لعجز الإنسان وجهله؛ فظهرت الأساطير التي تتحدث عن نشأة الكون، ومظاهر الطبيعة، وأصل الإنسان … وما إلى ذلك. وفى تلك المرحلة أيضا كانت «المعرفة التاريخية» بدائية وساذجة؛ فلم يكن الإنسان يعرف كيف يسجل ماضيه أو يحتفظ بذاكرة تاريخية عن هذا الماضي.

وهنا كانت الأسطورة أيضًا الحل العقلي والنفسي لمعالجة النقص في الذاكرة التاريخية البشرية، وترقيع الخلل في هذه الذاكرة. وعلى مستوى مسيرة البشر الحضارية كانت الذاكرة التاريخية الساذجة المشوشة والمحاولات البدائية من جانب الإنسان الأول لصنع أدواته وأسلحته، وبناء مسكنه، وتأمين غذائه، وتنظيم الجماعة البشرية، متوازية مع تلك المرحلة من تاريخ الإنسان ومن تاريخ التاريخ. لقد كانت بمثابة الضلع الثالث في مثلث يجسد تاريخ الإنسان في الكون عبر الزمان؛ قصة الإنسان وقصة حضارته في آن معًا.

كان الإنسان في بداياته الأولى، وكان تاريخ الإنسان في بداياته الأولى أيضًا، ومن ثم كانت «الحضارة» الإنسانية بدائية ساذجة، فقد كان كل تطور يحدث في مسيرة الإنسان الحضارية يوازيه تطور في مجال المعرفة التاريخية. وتفسير ذلك أنه على مستوى الحضارة كان التطور يترك آثاره المادية واللامادية: مرحلة بعد أخرى، من الجمع والالتقاط حتى بناء المدن والمجتمعات، ومن البحث عن الغذاء إلى استئناس النبات والحيوان وتحقيق الفائض في الغذاء وظهور الحرف والصناعات، ومعرفة التخصص بين قطاعات الجماعة البشرية، وظهور العبادات، وتنظيم الحكومات. وعلى مستوى الفكر التاريخي كان التطور ينقل المعرفة التاريخية من مرحلة نوعية إلى مرحلة نوعية جديدة، وهو ما يجعلنا نقول إن التاريخ هو الحضارة في أحد معانيه. ويلفت النظر هنا أن الأسطورة كانت تحكم إنسان ذلك الزمن البعيد وتشكل تاريخه من ناحية، وأن المعرفة التاريخية كانت واقعة تحت سيطرة الأسطورة من ناحية أخرى.

لقد كان الفكر التاريخي رفيقًا ملازمًا للإنسان في كل زمان ومكان. ولذلك فإنه عندما عاش الإنسان الأول على الأسطورة التي عوضت نقص معرفته ورقعت ثقوب ذاكرته، كان فكره التاريخي أسطوريًا؛ فقد ولدت المعرفة التاريخية في رحم الأسطورة، وكبرت في حجرها عندما كان الإنسان بحاجة إلى هذا النوع من «القراءة الأسطورية» لتاريخه. ولهذا السبب فإن من يقرأ الأساطير الأولى عند الشعوب يجدها تدور حول نواة تاريخية، أو يجد فيها الكثير من «التاريخ» ومن يقرأ الكتابات التاريخية الباكرة يجد فيها الكثير من العناصر الأسطورية.

وفى هذه التواريخ / الأساطير أيضًا نجد بدايات الحضارة الإنسانية الباكرة في جوانبها الفكرية والثقافية؛ فقد حملت هذه التواريخ / الأساطير الإجابات التي توصل إليها الإنسان في بحثه عن أصول الجماعات البشرية، وهويتها الحضارية، فضلًا عن أصول الأشياء والظواهر التي شاهدها الإنسان في الكون.

هكذا كان التاريخ مفهومًا حضاريًا منذ البدايات الأولى، ففي تلك المرحلة الباكرة من تاريخ الإنسان، وتاريخ التاريخ، نجد محاولات أسطورية لتفسير الوجود الإنساني في الكون، وحل اللغز المتعلق بهذا الوجود. وفى تلك المرحلة، أيضًا نجد محاولات أسطورية لتبرير سلطة الحكام والملوك الذين نسبتهم الأساطير إلى الآلهة والديانات التي ابتكرها البشر. فقد نسبت تلك التواريخ / الأساطير حكام ذلك الزمان إلى حكومات الآلهة، كما نسبت إليهم الفعاليات التاريخية ولم تترك للإنسان سوى دور المفعول به.

لقد كانت تلك مرحلة «تاريخية» تتوازى مع تلك المرحلة «الحضارية» من حيث بساطتها وسذاجتها ومن حيث أن قوامها كان الأسطورة والخرافة. أي أن حضارة الإنسان في تلك الأزمنة البعيدة كان قوامها البحث عن وسائل مادية للسيطرة على الكون الذي يعيش الإنسان في رحابه من ناحية، والبحث عن وسائل ثقافية تبرر الوجود الإنساني وتفسره من ناحية أخرى. وفى ذلك الزمان أيضا كان التاريخ يدور حول «نواة تاريخية» واقعية يغلفها الخيال وتحتضنها الأسطورة، وهو ما يبرر ما نزعمه أن التاريخ والحضارة مترادفان على نحو ما، التاريخ هو قصة الإنسان في الكون والحضارة هي إنجاز الإنسان في الكون.

التاريخ قصة الإنسان في الكون، وسيرته في هذا العالم، ورحلته عبر الزمان. والحضارة تجسيد لهذا كله على المستوى المادي واللامادي عبر القرون. وإذا كان مؤرخو الحضارات يجمعون على أن جميع حضارات الإنسان، منذ البداية حتى الآن، قد أخذت عن الحضارات التي سبقتها -باستثناء الحضارات الأولى التي حددها البعض مثل أرنولد توينبي بعدد معين في وديان الأنهار في مصر والعراق والصين والهند- فإن معنى هذا في التحليل الأخير أن تاريخ الحضارة متصل الحلقات متواصل المراحل شأنه في ذلك شأن تاريخ الإنسان صانع الحضارة أيضًا.

وإذا كان الإنسان هو صانع التاريخ فهو أيضًا صنيعة هذا التاريخ، بمعنى أنه يصنع تاريخه حقًا؛ ولكنه يتشكل بفعل هذا التاريخ أيضًا. ومن ناحية أخرى فإن الإنسان صانع الحضارة ونتاجها في الوقت نفسه. ومن ثم فإن التاريخ يحمل مفهومًا حضاريًا، كما أن الحضارة تحمل مفهوما تاريخيًّا.

واللافت للنظر حقًا أن المؤرخين والباحثين وعامة المفكرين والمثقفين يتفقون على أن التاريخ علم موضوعه الماضي الإنساني. ولما كانت الحضارة محصلة ما أنجزه الإنسان في الماضي -وهو ما يصدق على الحضارات القديمة والحضارات المعاصرة بالقدر نفسه- فإن الماضي عنصر يجمع بين التاريخ والحضارة، فالحضارة بناء تاريخي متراكم فيما يشبه الطبقات الجيولوچية، ويحمل بصمات وآثار التفاعل والتواصل المستمر بين الحضارات الإنسانية الأخرى؛ بغض النظر عن عبثيات «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، و«العولمة».

تاريخ البشرية واحد؛ ولكن تجليات هذا التاريخ مختلفة متباينة من زمن إلى زمن آخر ومن مكان إلى مكان مختلف، ومن أمة إلى أمة غيرها. والحضارة الإنسانية واحدة ولكن تجلياتها مختلفة أيضًا، وآية ذلك أنك لن تجد أمة لها تاريخ منعزل تمامًا عن تاريخ الأمم الأخرى، ولن تجد حضارة لم تأخذ عن حضارة سابقة، أو معاصرة، أو مجاورة، صحيح أن لكل أمة تاريخًا خاصًا بها ويحمل بصمات هويتها الحضارية، وصحيح أيضا أن لكل أمة حضارة شادتها عبر تاريخها؛ بيد أنها جميعًا تبدو مثل روافد تصب في مجرى نهر واحد هو التاريخ الإنساني والحضارة الإنسانية.

ويلفت النظر هنا أن الجوانب السياسية والعسكرية في التاريخ، أو في الحضارة إن شئت، هي عوامل الفرقة والتفرقة والتباعد والتخاصم. فالأطماع السياسية والأنشطة العسكرية، كانت باستمرار من أسباب التباعد والنزاع؛ ولكن العوامل الفكرية والثقافية في التاريخ وفى الحضارة على السواء كانت هي عوامل التقارب والتفاعل والمشاركة؛ وكانت على مدى الزمان تنتقل من شاطئ إلى آخر في سهولة ويسر، هذا هو مفهوم الحضاري في التاريخ، أو المحتوى التاريخي في الحضارة.

وربما أن التاريخ في معناه النهائي الشامل استجابة لمحاولة الإنسان معرفة ذاته (على المستوى الفردي والجماعي)، ومعرفة علاقة الإنسان بالآخر في عالمه، فإن التاريخ بوصفه علمًا، دراسة إنسانية / اجتماعية تؤكد على أهمية الإنسان، واختياراته الفردية والاجتماعية، وعلى النظام الأخلاقي والقيمي الذي يحكم الفرد والجماعة البشرية، فضلاً عن رؤية الذات، والآخر في هذا العالم؛ ومن هنا فإن التاريخ من أكثر العلوم ارتباطًا بالإنسان. فالتاريخ يلهث وراء الإنسان من عصر إلى آخر محاولاً أن يفهم الإنسان، وأن يُفهم الإنسان. حقيقة الوجود الإنساني في الكون، ووسيلته في ذلك البحث في أحوال البشر الماضية من أجل تحقيق معرفة الإنسان بذاته باعتبار ذلك المدخل إلى معرفة الإنسان بالكون في الحاضر وفى المستقبل. ودراسة أحوال البشر في الماضي ليست في حقيقة الأمر سوى دراسة المفهوم الحضاري لمسيرة الإنسان ورحلته في رحاب الزمان.

وهنا نجد سؤالًا يطرح نفسه في إلحاح؛ ترى هل هناك ضرورة للمعرفة التاريخية في حياة البشر؟ وهل هناك وظيفة حضارية للتاريخ؟

إن بوسعنا الزعم بأن للتاريخ ضرورة اجتماعية تقوم على أساسها وظيفته الحضارية. بمعنى أن كل جماعة بشرية بحاجة إلى المعرفة التاريخية التي تساعدها على معرفة ماضيها؛ أي أصولها التي تعينها على فهم مكونات حاضرها؛ واستشراف الطريق إلى مستقبلها. وفى رأى بعض الباحثين أن هذه الرغبة في المعرفة التاريخية تكاد تقترب من الرغبة الغريزية التي تدفع العقل البشرى لطرح السؤال المدهش عن الوجود الإنساني والمصير الإنساني في هذا الكون.

والحقيقة أن اهتمام الإنسان بالتاريخ إنما يرجع إلى رغبة الإنسان في الكشف عن لغز الوجود الإنساني ومعرفة الذات التي هي أولى الخطوات على طريق المعرفة الحقة. وليس من الممكن معرفة خصائص الطبيعة البشرية دون دراسة أفعال البشر وفحصها في سياقها الاجتماعي. إننا ندرس التاريخ للسبب نفسه الذي يدفعنا إلى دراسة أي موضوع آخر يتعلق بالإنسان؛ أي الرغبة في الوقوف على أسرار لغز الوجود الإنساني. بيد أن دراسة التاريخ لا يمكن أن تعتمد على دراسة الإنسان الفرد؛ وإنما يجب دراسة الإنسان في السياق الاجتماعي. ومن هنا يجب دراسة الذاكرة الجامعة للجنس البشرى؛ أي دراسة التاريخ.

وهذا هو المفهوم الحضاري للتاريخ؛ فمن المؤكد أننا نخرج من دراسة التاريخ بحقيقة واضحة مؤكدة هي أن تجربة الإنسان في الكون تكشف لنا عن حقيقة التنوع والثراء الذي تتسم به الحياة الإنسانية في سياقها الاجتماعي، وإطارها الحضاري، ولكننا نكتشف أيضا أن لكل جزء في الحياة الإنسانية على مرّ التاريخ خصائصه الداخلية التي تجعلنا نقول إن هذا تاريخ الصين، أو تاريخ المسلمين، أو تاريخ الهند … وما إلى ذلك.

وهو ما يجعلنا نسمى الحضارات بأسماء مختلفة مثل الحضارة المصرية، أو الحضارة الإغريقية، أو الحضارة العربية الإسلامية… وهكذا. وعلى الرغم من هذا التنوع والثراء من ناحية، وعلى الرغم من التباين والاختلاف بين الأجزاء من حيث خصائصها الداخلية من ناحية أخرى، فـإن هناك تاريخًا واحدًا يجمع الجنس البشرى؛ وهناك حضارة إنسانية واحدة تزداد خصائصها العامة والمشتركة مع مرور الزمان.

يعلمنا التاريخ في مفهومه الحضاري، أنه أيًا كانت جاذبية التشابهات بين الماضي والحاضر، فإن الماضي لا يعود أبدًا؛ أي لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه. ولكن هذا، من ناحية أخرى، لا يعني أن التاريخ قصة تنتمي إلى الماضي الذي انتهى. فالتاريخ لا يحكى ما حدث في الماضي فحسب، وإنما يفسره بأن يقدم لنا أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية … وغيرها مما حدث في الماضي الإنساني؛ وما خلفته تلك الظواهر من نتائج.

ونكتشف من دراسة التاريخ أن لا شيء يحدث بالصدفة، وأن لا شيء يمضي عبثًا: فلكل حادث تاريخي أسبابه ونتائجه. كذلك يعلمنا التاريخ ألاَّ نركن إلى النمطية، وألا نتصور أن ما نجح من قبل سوف ينجح ثانية، أو أن ما فشل وأخفق في الماضي سيكون الفشل مصيره في المستقبل أو في الحاضر: ذلك أن السببية تحكم مجرى التاريخ. إنها سنة الله في خلقه التي لن تجد لها تبديلًا.

ويعلمنا التاريخ -أيضًا- أن نتذكر على الدوام أننا بشر نتحرك في رحاب المكان وداخل إطار الزمان. ولأن دراسة التاريخ تهتم بثلاثية الإنسان والمكان والزمان، كما تهتم بالعلاقة السببية؛ فإنها توسع من مدى إدراكنا لحقائق الفعل التاريخي الذي ينتج عنه البناء الحضاري في أي مجتمع من المجتمعات البشرية. وليس معنى هذا على أية حال أن معرفة التاريخ أو دراسته سوف تدلنا ببساطة على ما يجب أن نفعله بالضبط؛ ولكن المعرفة التاريخية ربما تساعدنا على تجنب تكرار الأخطاء.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)