التاريخ .. مفهوم الحضاري – القسم الثاني

التاريخ .. مفهوم الحضاري – القسم الثاني

قاسم عبده قاسم

إن التاريخ يمكن أن يعلّم وينبه ويحذر؛ ولكن لا يستفيد من التاريخ سوى من يحسنون الاستماع إليه. ولسنا نزعم أن التاريخ يقدم حلولًا للمشكلات؛ ولكن المعرفة التاريخية تجعلنا نقف على الأسباب، وزمن وقوع الأحداث التاريخية، وكيفية حدوثها. فالتاريخ يدرس الماضي بسبب الرغبة في المعرفة التاريخية التي كانت تلازم الإنسان منذ بداية رحلته في الكون بشكل يكاد يكون غريزيًا؛ إذ إن الإنسان جبل على السعي لعرفة الأصول: أصول الكون ومظاهره، أصول الوجود الإنساني نفسه، وأصول الظواهر الاجتماعية، والثقافية التي يعيش في إطارها وعلى الرغم من أن الأسطورة، والدين، والفلسفة جميعًا، حاولت تقديم الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بالأصول على نحو أو آخر، فإن الأسئلة المتعلقة بالمصير (لماذا؟ وإلى أين؟) ما تزال تحير الإنسان وتربكه إلى الآن.

والتاريخ إحدى الوسائل التي يتوسل بها الإنسان لفهم كينونته الحضارية في هذا العالم. ولا تقتصر هذه الوسيلة على الماضي الذي يدرسه التاريخ وحده، وإنما تمتد إلى رحاب الحاضر لتستكشف آفاق المستقبل. وهكذا تحددت منذ البداية قيمة المعرفة التاريخية بوظيفتها الثقافية / الاجتماعية، ومفهومها الحضاري. وليس من المتصور، بطبيعة الحال، أن هذه الوظيفة كانت واضحة لدى الجماعات البشرية الباكرة بدرجة وضوحها الحالية بيد أن إحساس الجماعة الإنسانية بالحاجة إلى هذا النمط من المعرفة كان موجودًا على الدوام. ومع تطور مراحل رحلة الإنسان في الكون عبر الزمان تطورت أيضا المعرفة التاريخية ودورها الحضاري. فقد اجتاز علم التاريخ مرحلة التراكم الكمي والسرد لكي يدخل في طريق محاولة صياغة النظريات واكتشاف القوانين التي تفسر حركة الإنسان في الكون. وعلى الرغم من أن العلم التاريخي لم يتخلْ تمامًا عن الكم والسرد؛ فإن محاولة صياغة النظريات واكتشاف القوانين هي نفسها محاولة البحث في أسباب قيام الحضارة وانهيارها. لقد انتقل علم التاريخ من محاولة الإجابة على سؤال «ماذا حدث؟» إلى محاولة الإجابة عن سؤال:«لماذا حدث ما حدث؟ وكيف؟».

ومن هنا تنوعت مدارس فلسفة التاريخ التي تصوغ موضوعاتها على أساس المعرفة التاريخية، وتفسير هذه المعرفة تفسيرًا وضعيًا، وعلى أساس فهم حياة البشر في سياقها الاجتماعي في محطاتها الزمنية المختلفة من خلال معايير تنطوي على المفهوم القيمي والأخلاقي تارة، والتقييم الموضوعي النقدي تارة أخري، أو الجمع بين هذا وذاك تارة ثالثة. وهذا التفسير بتنويعاته المختلفة هو أيضا الذي حاول فهم الحضارة الإنسانية بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق.

وقد نتجت عن محاولات التفسير هذه نظريات كثيرة عن نشوء الحضارة وانهيارها، بدءًا من محاولة المؤرخ المسلم عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة، ومرورًا بالنظريات الأوربية المختلفة التي قال بها فلاسفة ومؤرخون مثل مشاهير الماركسيين، وغيرهم من أمثال شبنجلر الذي يبدو في نظريته مستلهما آراء ابن خلدون، وأرنولد توينبي صاحب نظرية التحدي والاستجابة التي ضمنها كتابه المدهش «دراسة للتاريخ» وصولا إلى النظرية العبثية العابثة التي قال بها الأمريكي فرانسيس فوكاياما عما أسماه «نهاية التاريخ».

هذا كله يؤكد أن مفهوم «الحضاري» الذي يلازم العلم التاريخي ويلتصق به، حقيقة كانت موجودة على امتداد «تاريخ التاريخ». وربما يكون مفيدًا في هذا المقام أن نقرر أن نمط المعرفة التاريخية قد ارتبط ارتباطا عضويا بالحضارة التي أفرزته على الدوام. فقد كانت المعرفة التاريخية في كل حضارة تتناسب مع هذه الحضارة في درجة تطورها من ناحية، كما كانت تعبيرًا عن رؤية هذه الحضارة للذات والآخر من ناحية ثانية. ذلك أن المعرفة التاريخية، في حقيقة أمرها، نوع من التبرير الإيديولوچى لوجود الجماعة البشرية التي تنتمي إليها، أي أنها إحدى وسائل الجماعة البشرية في التعبير عن هويتها الحضارية، وتبرير وجودها نفسه، فلكل جماعة بشرية وعيها التاريخي الذى يناسب حضارتها؛ أي تاريخها.

وهنا تبدو المركزية الغربية، التي ورثت المركزية الأوربية، عنصرية عندما يقرر مفكروها وفلاسفتها في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين أن التاريخ لم يوجد سوى في الغرب الأوربي. بل إن مفكرًا مثل هيجل وصف الشعوب الآسيوية والأفريقية بأنهم "قومًا بلا تاريخ"، كما وصم "ليوبولد ڤون رانكه" هذه الشعوب بأنها "قوم جامدون إلى الأبد". لأن الغرب لم يعترف بوجود أنماط حضارية أخرى خارج أوربا، وعلى الرغم من أن هناك محاولات بدأت على استحياء في الغرب لدراسة التراث التاريخي خارج أوربا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، فإن المركزية الغربية ما تزال قوية في دوائر التاريخ والمؤرخين في الغرب بشكل عام.

وعلى أية حال، فإن لكل جماعة نمط المعرفة التاريخية الخاص بها، والذي يعكس الخصائص العامة لحضارتها. ومن ثم؛ فإن مفهوم الحضاري الكامن في المعرفة التاريخية يتجلى واضحًا في التاريخ الثقافي لجميع الحضارات، ولأن الحدود التي تحكم موضوع هذه الورقة محدودة من حيث الوقت والمساحة؛ فإننا سوف نقدم مثالاً واحدًا على تلازم مفهوم الحضاري والمعرفة التاريخية. وهو الوظيفة الحضارية للتاريخ في الثقافة العربية الإسلامية.

كان تطور الفكر التاريخي في إطار الثقافة العربية الإسلامية قائمًا على أسس ثلاثة واضحة:

1- تراث المعرفة التاريخية في المنطقة العربية قبل الإسلام.

2- ما جاء به الإسلام من فكر يدور حول المادة التاريخية الواردة في القرآن الكريم.

3- وما جاءت به اللغة العربية نفسها من أساليب التعبير، وما تركته من أثر على طرق التفكير.

وبعد أن اعتنق العرب الإسلام حدثت تغيرات جوهرية في شتى نواحي الحياة، وبعد نجاح حركة الفتوح الإسلامية، غلبت تلك التغيرات على شكل الحياة في المنطقة العربية بشكل عام. وكان لابد لفكرة التاريخ عند المسلمين أن تخضع لهذه التطورات الجديدة. مع أن تراث المعرفة التاريخية لدى شعوب المنطقة التي دخلت في دين الإسلام ظل موجودًا بشكل أو بآخر؛ فإن الفكرة القرآنية عن التاريخ، والظروف الموضوعية الجديدة التي خلقتها التطورات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، أدت بطبيعة الحال إلى نقله نوعية في مفهوم الحضاري في المعرفة التاريخية صارت صفة لازمة للفكر التاريخي في إطار الحضارة العربية الإسلامية.

وقد حدثت النقلة في مفهوم الحضاري على مستويين:

أولهما: مستوى فكرة التاريخ عند المسلمين التي تطورت من خلال المفاهيم القرآنية عن المادة «التاريخية» الواردة في القرآن الكريم.

وثانيهما: مستوى الظروف الموضوعية التاريخية على أرض الواقع.

وقد أدى التفاعل بين ما جاء به القرآن الكريم من أفكار حملتها الآيات ذات المضمون التاريخي حول دور الإنسان في الكون من ناحية، وما ورثته شعوب العالم الإسلامية من خبرات تاريخية عن ماضيها من ناحية ثانية، والتطورات التاريخية الموضوعية الجديدة من ناحية ثالثة، إلى تبلور مفهوم جديد حضاري للتاريخ.

وعند المستوى الأول نجد أن فكرة التاريخ في القرآن الكريم تجسيد للتصور الإسلامي لرسالة الإنسان في الحياة؛ فالإنسان خليفة الله في الأرض، وقد حمل أمانة إعمار الأرض وبناء الحضارة، ونشر الحق والعدل في ربوعها وفق سنة الله. والشرط الجوهري الذي مكن الإنسان من القيام بدوره أن يعرف ذاته؛ فقد جاء في سورة آل عمران:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)} [آل عمران: 137، 138]. وهذه الدعوة إلى معرفة الذات يمكن أن يلبيها الإنسان من خلال رصد حوادث الماضي، وتأمل ما جرى فيه من أحداث بقصد معرفة سنة الله التي هي قانون الكون الذي لا يتبدل.

وهنا يبدو واضحًا أن فكرة التاريخ في القرآن الكريم محورها أن أحداث التاريخ أفعال بشرية، وأن الإنسان مسئول عنها بحكم قبوله حمل الأمانة التي خشيت من حملها الأرض والسموات والجبال. فالفعل التاريخي نتاج لتفاعل الإنسان مع معطيات البيئة وتحدياتها في رحاب الزمان. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الفعل خير وسيلة للتعرف على الإنسان في حياته الاجتماعية ومسيرته التاريخية: أي حضارته. ومن ثم، فإن «القصص» التي ترد في القرآن الكريم تحكى «تواريخ» الأمم والأقوام والحضارات التي مرت بتاريخ البشرية عبر الزمان. وفى هذا القصص نجد مادة تاريخية، وإن كانت غير تفصيلية، تحكى عن السابقين من البشر. بيد أن هدف هذه القصص التاريخية وغاياتها إثارة الفكر البشرى، ودفعه إلى التفكير والتساؤل والتبرير.

هذا التغير الجوهري في النظر إلى المادة التاريخية أدى بالضرورة إلى تغير جوهري في مفهوم «الحضاري» في الفكر التاريخي الإسلامي. ذلك أن فكرة التاريخ في القرآن الكريم تجعل الإنسان مسئولاً عن تصرفاته «التاريخية»؛ أي في سياقها الاجتماعي (مثلما هو مسئول عن تصرفاته الفردية). ومعنى هذا النزول بالتاريخ إلى عالم الواقع الوضعي: أي أن «التاريخ» بدأ يبحث عن الأحداث التاريخية التي صنعها البشر في بيئتهم. لقد تغير مفهوم الحضاري في فكرة التاريخ عند المسلمين، وراح المؤرخون المسلمون يبحثون في قصة الإنسان على الأرض.

فالمادة التاريخية الواردة في القرآن الكريم تقوم على أساس أن للتاريخ معنى أخلاقيًّا وروحيًّا على اعتبار أن الإنسان خليفة الله في الأرض ومسئول عن إعمار العالم وإقامة الحق والعدل فيه. وفى هذا الصدد نجد الكثير من الآيات القرآنية التي تؤكد على فكرة أن تاريخ الإنسانية بمثابة مستودع للعظات والعبر. ومن السور القرآنية التي تحمل هذا المفهوم: هود، والأعراف، والأنباء، والمؤمنون، والشعراء والقصص.

ومن هنا فإننا لا يجب أن نندهش من أن المفهوم الحضاري للتاريخ عند المؤرخين المسلمين لم يخلْ من الجانب الأخلاقي المتصل بالعقيدة في أساسه. فقد قرأ المؤرخون المسلمون التاريخ «قراءة دينية -أخلاقية- تربوية»؛ وهو ما جسده عبد الرحمن بن خلدون بقوله:«… اعلم فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية: إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء بهم في ذلك لمن يروقه في أحوال الدنيا والدين …» هذا هو مفهوم الحضاري في التاريخ كما أوضحه ابن خلدون الذى كانت مقدمته الشهيرة بمثابة تلخيص للفكر التاريخي الإسلامي وفلسفته. وقد ظل المؤرخون المسلمون يعملون في إطار المفهوم القرآني للدور الحضاري للتاريخ في المجتمع المسلم؛ بل إن منهم من تحدث عن «فوائد التاريخ» وقسمها إلى قسم دنيوي وآخر أخروي مثل ابن الأثير الذي يرى أن القصص التاريخية التي وردت في القرآن الكريم إنما وردت لهذه الحكمة.

لقد وصل تطور الكتابة التاريخية في القرن التاسع / الخامس عشر الميلادي إلى مرحلة غطت فيها كافة مجالات النشاط الإنساني تقريبا. فقد كتب المؤرخون المسلمون في السيرة النبوية، والمغازي، والطبقات (أي أجيال الناس الذين أسهموا في خدمة الأمة من أبناء مهنة واحدة، أو ممن يشتركون في ممارسة فكرة بعينها)، والتراجم، والتاريخ الإسلامي العام، وفضائل البلدان، والفتوح ، والخطط ، وتواريخ المدن، والتاريخ الاجتماعي ولا تكاد تجد فرعًا من فروع المعرفة التاريخية إلا وكتب فيه المؤرخون المسلمون؛ وفضلاً عن ذلك أنتج الفكر التاريخي الإسلامي بعض من كتب في تاريخ التاريخ (من أمثال شمس الدين السخاوى، والكافيجي، والذهبي، والسيوطي)، وفى فلسفة التاريخ (مثل ابن خلدون). وهذه الحقيقة بحد ذاتها تكشف عن أن مفهوم الحضاري في التراث التاريخي عند المسلمين قد اتسع ليشمل بالفعل كافة أنماط النشاط الإنساني.

والعصر الذي يبدو متحفا يضم كافة أنماط التدوين التاريخي في الحضارة العربية الإسلامية هو عصر سلاطين المماليك (648-922هـ/1250-1517م). والواقع أن دولة سلاطين المماليك التي حكت مصر وفلسطين والشام والحجاز وبعض مناطق العراق وجزر البحر المتوسط بشكل مباشر، والتي كانت قوة إقليمية وعالمية عظمى في ذلك الزمان، قد شهدت نشاطًا علميا وفكريًا واسع النطاق بسبب ظروف العالم الإسلامي التي جعلت العلماء والمفكرين من المشرق والمغرب يهاجرون إلى بلاد الدولة المملوكية حيث الأمان. لقد كان التوهج العلمي والثقافي الذي شهده ذلك العصر المتوهج الأخير في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفى ذلك العصر، تجسد مفهوم «الحضاري» في مجال الفكر التاريخي بشكل متكامل. فقد تنوعت أنماط الكتابة التاريخية كما أوضحتا من قبل؛ كما استخدم التاريخ في خدمة المجتمع وتلبية حاجاته الثقافية الاجتماعية.

وفى العصر الحالي نجد في مواجهتنا سؤالًا يطرح نفسه بإلحاح: هل لدينا منظور حضاري للتاريخ؟

إن قراءتنا الحالية للتاريخ قراءة ماضوية تهرب من مواجهة مسئوليات الحاضر والمستقبل لدغدغة مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات الماضي الذي نبدده في سفه سياسي وثقافي مزعج. وبسبب الأجواء الخانقة سياسيًا والمعطلة للحرية والمانعة تخبو جسارة الإبداع، وتخفت القدرة على قراءة تاريخنا قراءة واعية؛ بل إن التاريخ مطارد في مدارسنا وجامعاتنا.

إن الحرية شرط جوهري للإبداع، وعندما تنزاح النظم المستبدة الجاثمة على الحياة في العام العربي، ربما يتحقق ما نصبو إليه من «قراءة حضارية» للتاريخ.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)