غزْوَةُ الْخَنْدَقِ.. دروس وعبر – القسم الثاني

غزْوَةُ الْخَنْدَقِ.. دروس وعبر – القسم الثاني

أ. محمد مسعد

أهمية الأدب الحماسي:

عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:“اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنصار” [البخاري، برقم:(3789)].

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:“اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ.. فَاغْفِرْ للأنصار وَالْمُهَاجِرَهْفَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا.. عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا.

فكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ [البخاري : برقم (3795)] وكان من بين المجاهدين رجلاً من الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ .. فسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْرًا ..

فطفق الصحابة يرددون مرارًا:

سَمّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرَا … وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرَا

فَإِذَا مَرّوا ” بِعَمْرٍو” قَالَ رَسُولُ اللّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ”عَمْرًا!” وَإِذَا مَرّوا ”بِظَهْرٍ” قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:”ظَهْرًا” [ابن هشام 2 / 217].

وعن الْبَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الأحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

وَاللَّهِ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا

[إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا]

إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنَا أَبَيْنَا. [البخاري:(3795)، ومسلم:(3365)].

إذا أردتَ أن تهدم شَعبًا فسلط عليه الأدب الرقيع، والشعر الرخيص، وقصص الجنس، ورويات العهر، وقصائد الخمر، فالأدب الخليع لا يقل ضرواة في الهدم من الصواريخ!

وإذا أردنا أن نؤسس جيشًا، ونبني أُمةً، وقد قال الله تعالى:”وأعدوا” فإن من تمام الإعدادِ تربيةَ الجنود على الأدب الإسلامي الجهادي، والشعر العربي الحماسي، وأناشيد الشجاعة، ومقالات الإباء، وقصص البطولة .. و”حرض المؤمنين”! .

وفي هذه الغزوة، وقد بدأ الحصار، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتتطايرت الظنون والشكوك، وساحت الأضاليل والأباطيل، نرى القائد العظيم والرئيس الحكيم يثَّبت جنده ويربط على قلوبهم ويشد على أيديهم مستخدمًا في ذلك القصيدة الحماسية والطرفة الظريفة، والترنيمة اللطيفة.

ومثل هذا أيضًا، يدلل على قدرة القائد في الجمع بين الجد والترويح عن النفس، لاسيما في كربة الحرب وشدة الضنك..

هذا وإنشاد الأناشيد والأشعار الجهادية في ثنايا المحن دائمًا تحقق عدة فوائد، أهمها:

(1) الترويح عن الجنود.

(2) إلهاب مشاعر المسلمين بشكل إيجابي نحو العقيدة والوطن.

(3) تقوية الصلة بين الجنود وقاداتهم، فضلاً عن الجنود وبعضهم.

الالتفاف حول شعار جهادي:

فلقد كَانَ شِعَارُ الجيش الإسلامي يَوْمَ الْخَنْدَقِ:”حم، لا يُنْصَرُون”[ابن هشام 2/ 226].

إن الشعار الإسلامي أو الهتاف الحماسي رغم رمزيته إلا أن له أهمية في تنظيم الجيش وحشد الجنود وبثِّهم.

ولعمري إن صيحة الشعار تهز القلوب وتنشط بها الجوارح، وتدمع بها العيون، وبها يتحرك الجنود نحوها أو انطلاقًا منها.

وينبغي أن يتسم الشعار بالقوة ووضوح الهدف.

إن شعارات العمل الإسلامي مهمة، تحتاج دومًا إلى تجديد وتفعيل وهمة. وشرح مغذاها للناس، وتبيين علاقتها بأهداف العمل، وتأكيد أخلاقيتها فلا سَبَ فيها ولا شتم.

الصبر على الجوع:

الصبر على قلة الزاد، من الآداب الهامة التي ينبغي أن يتربى عليها جند الله، ليكون الصبر وقودًا لهم في ساح القتال، تلك الساعات التي يكابد فيها الجند الحر والعطش، والجوع والشظف..

ولقد ضرب الصحابة أروع المثل في الصبر على قلة الزاد، ”فكانوا يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي مِنْ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ، وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ!!” [البخاري:(3791)] قال جابر - رضي الله عنه - مشيرًا إلى أيام الخندق: ”وَلَبِثْنَا ثلاثة أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا”[البخاري:(3792)].

وقال واصفًا حال قائدهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:“لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَمَصًا شَدِيدًا”[البخاري:(3793)] ولقد بلغ منه – صلى الله عليه وسلم – الجوع مبلغًا عظيمًا يوم الخندق، حتى ربط على بطنه ليقاوم الجوع، قال أبو طلحة - رضي الله عنه -: “شكونا إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم – الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول اللهصلى الله عليه وسلم – عن حجرين”[الترمذي:(2371)].

البطن مَهلكة المسرفين، ومدرسة المُقلِّين.

فلا تكن – حبيبي – أسيرُ الجُوع، صرَيع الشِّبع.

فربمًا صوم يوم أعانك على جوع يوم، فالجوع رغبة منك، دربةً على الجوع رغمًا عنك.

ورب دولة صائمة وقاها الله لباس الجوع، فأحرى بشعب قضيته الكبرى الأكل والشرب أن يتوب وأن يصوم.

وليس تاريخ محمدصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا تاريخ شدائد ومِحَن، ومجاهدة في هداية البشر، ومراغَمَة لكيان الفساد، فهو يجاهد رغم جوعه، ويعمل رغم جوعة، ويدعو رغم جوعه.

****

هكذا كانت الحلقة الأولى في غزوة الأحزاب ..

  1. أبانت تلك الحلقة كيف يخطط اليهود للإيقاع بالأمة الإسلامية، وحقيق أنهم أشد الناس عداوة للمسلمين، وشعارهم دومًا ”ليس علينا في الأميين سبيل“، فهم يسعون دومًا أن يجعلوا من الكرة الأرضية رقعة شطرنج هم محركي أحجارها، ولو بالتحالف مع عبَّاد الأوثان، فأوصيك – أخي – ببغض اليهود.
  2. وأنت قد رأيت – أخي القارىء – كيف كانت البيئة الإبداعية التي كان الصحابة يحبرون فيها في ظلال دولة الشورى، وكيف كان الإبداع متساوقًا مع الحرية، وكيف كان النظام الإسلامي يدعم أصحاب المواهب ويشجع المبتكرين . فأوصيك – أخي – بصناعة البيئة الشورية الإبداعية في بنيان العمل الجماعي، لتقر الأعين بعباقرة ونوابغ في خدمة الإسلام.
  3. وعلمتَ، كيف أن القائم على ثغر من ثغور الإسلام؛ لا ينام عن إخوانه، ولا يتهرب من مهامه، ولا يَكتنُّ في كِسر بيته وإخوانه يكابدون قيظ الحَرِ. وما أقبح التخلف والإهمال في أبناء الصحوة الإسلامية! أحَسِبَ هؤلاء أنهم كعامة الناس؟ فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود! فعليك – أخي – بغرس قيمة المشاركة وقيمة الإستئذان.
  4. وعلمتَ أهمية فنون الأدب في معركتنا مع العدو، فكم من قصيدة أحيت الجهاد في قلوب موات، وكم من أنشودة ناح بها المجاهدين حتى بلغوا بها المعالي، فعليك بأشعار الشجاعة عند المتنبي، وديوان الحماسة لأبي تمام، وقصائد الزهد لأبي العتاهية وغيرها من الأدب القديم، إضافة إلى الكتابات الأدبية الجهادية ما مضى منها وما استجد.
  5. وعلمتَ كيف كان حال الصحابة من شظف وجوع، فالاخشوشان سمة من سمات المجاهدين، والمترفون لا يقيمون حضارة، ولا تقوى أياديهم الناعمة على حمل السلاح، فهيا، هيا .. نغرس التربية الجهادية في نفوسنا وفي نفوس ذوينا.

المصدر: موقع منارت

التعليقات (0)