نشأة الإمبراطورية الإسبانية، وسقوط الأندلس، وموقف الدولة العثمانية

نشأة الإمبراطورية الإسبانية، وسقوط الأندلس، وموقف الدولة العثمانية

أ.د. راغب السرجاني

تغييرات عالمية كبرى في موازين القوى:

شاء الله عز وجل أن تشهد هذه المرحلة التاريخية؛ أعني السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر والبدايات الأولى من القرن السادس عشر، أي في عهد السلطان بايزيد الثاني، عدَّة تغييراتٍ جذريَّةٍ في خريطة العالم السياسية، فظهرت قوى عالمية جديدة، وتضاءلت قوى أخرى، وكان لكلِّ هذا تأثيرٌ مباشرٌ على مستقبل الدولة العثمانية، وكان من هذه التغييرات ظهور إمبراطوريَّات كبرى كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مجريات الأحداث العالمية؛ مثل إمبراطوريات إسبانيا، والبرتغال، وروسيا، والنمسا، والصفويين بإيران، كما تطوَّرت أوروبا الغربية علميًّا واقتصاديًّا بشكلٍ لافت ممَّا أدَّى إلى نموِّ إنجلترا وفرنسا لاحقًا بصورةٍ مؤثِّرة، وصاحَب هذا التضخُّم لهذه الإمبراطوريات أفول لنجوم إمبراطورياتٍ أخرى؛ كالمجر، والبندقية، وإمبراطورية البابا نفسه! لا شَكَّ أن هذه التطوُّرات كان لها أثرٌ كبيرٌ على الدولة العثمانية، التي شهدت بدورها في مطلع القرن السادس عشر نموًّا مذهلًا في قوَّتها، ممَّا جعلها في منافسةٍ بارزةٍ لهذه القوى الجديدة التي ظهرت، وفي هذا المقال سنأخذ فكرةً عن نشأة الإمبراطورية الإسبانية، وسقوط الأندلس، وموقف الدولة العثمانية.

نشأة الإمبراطورية الإسبانية، وسقوط الأندلس، وموقف الدولة العثمانية:

في عام 1469م تزوَّج الملك فرديناند الثاني ملك أراجون الإسبانيَّة Ferdinand II of Aragon من إيزابيلا Isabella I ملكة قشتالة (Castile) الإسبانيَّة، وتوحَّدت بزواجهما المملكتان عام 1474م؛ لتتكوَّن الوحدة السياسيَّة المسمَّاة «إسبانيا» لأوَّل مرَّةٍ في التاريخ[1][2]. وكان الهدف الأكبر لهذه المملكة الجديدة هو طرد المسلمين نهائيًّا من الأندلس.

دارت عدَّة معارك بين النصارى والمسلمين لأجل هذا الهدف، وكانت أملاك المسلمين في الأندلس قد تقلَّصت بشكلٍ كبير؛ فهم منذ عام 1250م -أي ما يقرب من مائتين وخمسين عامًا- لا يملكون إلا مملكة غرناطة فقط، وهي لا تزيد عن خمسةٍ بالمائة فقط من مساحة الأندلس! ولكن مع صغر حجم الأرض المسلمة آنذاك إلا أنها كانت ذات كثافةٍ سكانيَّةٍ عاليةٍ جدًّا؛ وذلك لتكدُّس المسلمين فيها نتيجة سقوط أراضيهم تباعًا في أيدي نصارى الشمال.

كان المسلمون الأندلسيون في هذه الفترة لا يملكون بحالٍ مقومات البقاء والمقاومة، بل كانوا يعتمدون في بقائهم خلال القرون الأربعة الماضية على الدعم المغربي فقط، من المرابطين، أو الموحدين، أو بني مرين، فلمَّا كانت نهاية القرن الخامس عشر الميلادي شهد المغرب ضعفًا في ظلِّ بني وطاس، وشهدت الجزائر ضعفًا كذلك في ظلِّ بني زيان، ولم يكن الحال أفضل من ذلك في تونس تحت حكم الحفصيِّين، ومِنْ ثَمَّ فقدت الأندلس دعمها الرئيس، وآلت للسقوط! لم يجد الأندلسيون حلًّا، وهم في الرمق الأخير، إلا أن يتوجهوا إلى أكبر قوَّتين إسلاميَّتين في ذلك الوقت؛ وهما المماليك والعثمانيون، ولكن للأسف كان هذا التوجه متأخرًا جدًّا، كما كان متزامنًا مع الحرب العثمانية المملوكية الأولى (1485-1491م)، وقد روى المؤرِّخ المعاصر لسقوط الأندلس مجير الدين الحنبلي، والمتوفَّى عام (1521م=927هـ)، قصَّةَ استنجاد القاضي الأندلسي شمس الدين بن الأزرق بقايتباي سلطان المماليك، فقال: «فحضر إلى السلطان الأشرف قايتباي -نصره الله تعالى- وكان منشغلًا بقتال سلطان الروم بايزيد بن عثمان»[3]. هكذا كان «انشغال» المسلمين ببعضهم البعض مضيِّعًا عليهم فرصة نجاة، ومع ذلك فردُّ فِعْلِ السلطان بايزيد الثاني كان أفضل؛ فقد حاول قدر استطاعته، وفي حدود إمكاناته آنذاك، أن يُقَدِّم دعمًا.

لقد أرسل السلطان عدَّة سفنٍ عسكريَّةٍ إلى غرب البحر الأبيض المتوسط، وقامت هذه السفن بعملين كبيرين؛ أمَّا الأول فهو قصف الموانئ الإسبانية بشكلٍ مكثَّف[4]، وذلك لإرهاب الإسبان، وإشعارهم باحتمال غزو العثمانيين لإسبانيا في حال استمرارهم في حرب الأندلسيين المسلمين، وأمَّا العمل الثاني، وهو الأهمُّ، والأكثر واقعية، فهو نقل المدنيِّين الهاربين من جحيم الكاثوليك إلى خارج حدود إسبانيا[5]. والجدير بالذكر أن السفن العثمانية لم تكن تنقل المسلمين فقط، بل كانت تنقل اليهود كذلك؛ وذلك لأن كاثوليك إسبانيا لم يكونوا يقبلون ببقاء دينٍ إلى جوار دينهم، فكانوا يُكْرِهون المسلمين واليهود على تبديل دينهم إلى الكاثوليكية، فكانت السفن العثمانية منقذةً للجميع، والجدير بالذكر -أيضًا- أن معظم المسلمين رغبوا في العيش في الشمال الإفريقي؛ لقربه من الأندلس، مع أحلام العودة مستقبلًا، بينما فضَّل اليهود أن يعيشوا في كنف الدولة العثمانية، التي قدَّمت لهم مأوًى آمنًا لم تُقدِّمه لهم أيُّ دولةٍ من دول العالم آنذاك! يقول المؤرخ اليهودي الأميركي إيلي كوهين Elli Kohen: «وجد معظم اليهود المطرودين من الأندلس مأوًى لهم في الدولة العثمانية، وقد عاشوا حياةً سعيدةً هناك»[6]! ويقول المؤلف الإنجليزي بارنابي روچيرسون Barnaby Rogerson: «كان السلطان بايزيد الثاني هو الصوت العاقل الوحيد في هذه الحقبة، وفي خلال الفترة من 1492 إلى 1512م كان -أيضًا- الملك الحكيم الرحيم الذي سمح بهجرة الآلاف والآلاف، متبوعين بعشرات الآلاف من اليهود: التجار، والفنانين، ورجال المال، والعمَّال، إلى الجنة الآمنة في الدولة العثمانية»[7]، وهذه مجرَّد أمثلة من شهاداتٍ كثيرةٍ في هذا الشأن لا يتَّسع المجال لذكرها.

وقد يظنُّ بعضهم أن هذا الجهد غير كافٍ، وأنه كان ينبغي للدولة العثمانية الدفاع عن الأندلس بالصورة التي تحفظها، وليس بمجرَّد تقديم الإيواء للفارِّين منها، ولكن هذا في الواقع افتراضٌ غير عمليٍّ ولا واقعي؛ فإننا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أمورًا عدَّة ستُوضِّح لنا الرؤية؛ منها بُعْد المسافة بين الدولة العثمانية والأندلس، ومنها كثرة أعداء الدولة العثمانية، وعدم قدرة الدولة على تأمين كافَّة حدودها إذا أطلقت جيوشها الأساسية لدعم الأندلس، ومنها وجود أعداءٍ كثر على الطريق البحري المؤدِّي إلى الأندلس، كمملكة نابولي، ومملكة صقلية، وأساطيل البابا، وكذلك البندقية، بالإضافة إلى فرسان القديس يوحنا في رودس، ومملكة فرنسا، فضلًا عن وجود الأمير چم أسيرًا لدى البابا.

 كما ينبغي أن نراعي أن الأسطول العثماني، وإن كان قد تقدَّم كثيرًا في عهد بايزيد الثاني، كان لا يزال أقل في المستوى بشكلٍ ملحوظٍ من الأساطيل الأوروبية؛ فحركته في البحر الأبيض تعتبر مغامرةً غير آمنةٍ تمامًا. يُضاف إلى كلِّ ما سبق أن أزمة الأندلس الأخيرة حدثت في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية منخرطة -للأسف- في الحرب مع المماليك، وكذلك كانت تُعاني من اضطراباتٍ مخيفةٍ في الأناضول تُنذر بتفكُّكه، و-أيضًا- كانت تراقب بشغف التطوُّرات السياسيَّة الخطرة التي تحدث في إيران المجاورة، وهي إرهاصات قيام الدولة الصفوية الشيعية.

هكذا سقطت الأندلس، وهكذا قامت مملكة إسبانيا، التي ما لبثت أن تحوَّلت إلى إمبراطوريَّةٍ قويَّةٍ مؤثِّرة، فقد تزامن مع سقوط الأندلس واستقرار الوضع في إسبانيا لصالح الكاثوليك، حدوث بعض التطوُّرات السياسية والعسكرية التي أدَّت إلى تضخم القوَّة الإسبانية بشكلٍ مخيف. كان من هذه التطوُّرات مثلًا اكتشاف كريستوفر كولومبس Christopher Columbus قارَّة أميركا الشمالية لصالح إسبانيا عام 1492م[8]، وكان منها تطلُّع إسبانيا لشمال إفريقيا، واحتلالها لميناء مليلة المغربي عام 1497م[9]، ثم التنافس مع البرتغال على أميركا الوسطى والجنوبية أوائل القرن السادس عشر، حيث أصبحت إسبانيا بذلك إحدى أعظم القوى في العالم، وصارت جزءًا لا يتجزأ من معادلات أوروبا، وكذلك من معادلات الدولة العثمانية بطبيعة الحال[10].

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] Edwards, John: The Spain of the Catholic Monarchs 1474–1520, Blackwell Publishers Inc, Oxford, UK, 2000., pp. 38-39.

[2] السرجاني، راغب: قصة الأندلس من الفتح إلى السقوط، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الثامنة، 2014م.صفحة 547.

[3] مجير الدين الحنبلي، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، تحقيق: عدنان يونس عبد المجيد نباتة، مكتبة دنديس، عمان، 1420هـ=1999م.صفحة 2/255.

[4] شيمشيرغيل، أحمد: سلسلة تاريخ بني عثمان، ترجمة: عبد القادر عبداللي، مهتاب محمد، ثقافة للنشر والتوزيع، أبو ظبي-بيروت، الطبعة الأولى، 1438هـ=2017م.صفحة 3/66.

[5] كولن، صالح: سلاطين الدولة العثمانية، ترجمة: منى جمال الدين، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1435هـ=2014م. صفحة 85.

[6] Kohen, Elli: History of the Turkish Jews and Sephardim: Memories of a Past Golden Age, University Press of America, Lanham, Maryland, USA, 2007., p. 22.

[7] Rogerson, Barnaby: The Last Crusaders: East, West, and the Battle for the Center of the World, Little, Brown Book Group, London, UK, 2009., p. 170.

[8] جونيور، جون إ. ويلز: العالم من 1450م حتى 1700م، مراجعة: أحمد خريس، ترجمة: خلود الخطيب، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 1434هـ=2013م. الصفحات 41، 42.

[9] هويتكروفت، أندرو: الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام، ترجمة: قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م. صفحة 242.

[10] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 353-356.

التعليقات (0)