تاريخ الأناضول قبل الدولة العثمانية - القسم الأول

تاريخ الأناضول قبل الدولة العثمانية - القسم الأول

أ.د. راغب السرجاني

تُعَدُّ منطقة الأناضول من أقدم المناطق في العالم عمرانًا بالسكان، وتُثبت بعض الحفريَّات وجود الإنسان في هذه الأرض منذ أكثر من سبعة آلاف سنة قبل الميلاد[1]، ولعلَّ الأهميَّة الجغرافيَّة، وتَوفُّر المياه، واعتدال المناخ نسبيًّا من العوامل التي ساعدتْ على استيطان المنطقة بالسكان؛ بل جعلتها قِبلةً لكلِّ الحضارات القويَّة؛ حيث قلَّ أن تجد حضارةً قديمةً أو حديثةً إلا وحاولتْ السيطرة على أرض الأناضول؛ ومِنْ ثَمَّ فقد رأينا في التاريخ حضارات الحيثيين، والأكاديين، والأشوريين، واليونانيين، والفارسيين، والأرمن، والمقدونيين[2][3]، كلَّها تُسيطر في فترةٍ من فتراتها على شبه جزيرة الأناضول؛ ولكن انتهى المطاف بالأناضول في فترة العصور القديمة بالوصول إلى حكم الرومانيين، ذلك قبل الميلاد بأكثر من مائة عام، حيث أصبح الأناضول جزءًا مهمًّا من الإمبراطورية الرومانية؛ بل جعل الرومانيون مقرَّ حكمهم في غرب الأناضول في مدينة أفسس Ephesus [4].

وفي تطوُّرٍ مهمٍّ في تاريخ المنطقة أنشأ قسطنطين الأول، أو العظيم Constantine the Great، الإمبراطور الروماني المشهور، مدينة القسطنطينية Constantinople على مضيق البوسفور في سنة 324 بعد الميلاد، ثم نقل إليها العاصمة في عام 330م[5]، أمَّا التطوُّر الأهمُّ في تاريخ الأناضول فكان انقسام الإمبراطورية الرومانية في سنة 395م بعد موت ثيودوسيوس الأول Theodosius I، إلى قسمين شرقي وغربي، فصار القسم الشرقي معروفًا باسم الإمبراطورية الرومانية الشرقيَّة، أو الإمبراطورية البيزنطية، أمَّا القسم الغربي فكان الإمبراطورية الرومانية الغربيَّة، وصارت القسطنطينية بذلك عاصمةً للإمبراطوريَّة الشرقيَّة، بينما صارت روما عاصمةً للإمبراطورية الغربيَّة[6].

ومن النقاط المهمَّة كذلك في تاريخ الأناضول تحوُّل المنطقة إلى الديانة النصرانية، وذلك في عهد قسطنطين الأول (306-337م)[7]، وبذلك اختفت الوثنيَّة إلى حدٍّ كبيرٍ من المنطقة، ومن الجدير بالذكر لفت النظر إلى أنَّ الإمبراطورية الرومانية الشرقيَّة -أي البيزنطيَّة- بشكلٍ عامٍّ، كانت تدين بالمذهب الأرثوذكسي، بينما كانت الإمبراطوريَّة الغربيَّة تدين بالمذهب الكاثوليكي؛ وقد أدَّى هذا الانقسام الديني إلى حروبٍ وعداواتٍ طويلة[8]، لعلَّ آثارها ما زالت باقيةً إلى يومنا هذا.

وإذا كانت الديانة النصرانية هي أشهر الديانات في الأناضول في زمن الإمبراطورية البيزنطية الأوَّل؛ فإنَّ هذا لا يعني أنَّ شعب الأناضول كان بيزنطيًّا أو رومانيًّا؛ إنما في الواقع كان هذا الشعب -من ناحية العرق- مكوَّنًا من خليطٍ من عدَّة شعوب؛ وذلك نتيجة سيطرة عدَّة حضارات على المنطقة في فترات تاريخها المختلفة، ومن هنا فشعب الأناضول عرقيًّا كان ينتمي إلى الحيثيين، والفرنجيين، والغاليين، والفارسيين، والساميين، واليونانيين، وغيرهم، ويرى كثيرٌ من العلماء أنَّ القطع بأغلبيَّة أصلٍ على غيره في شعب الأناضول أمرٌ لا يمكن الجزم فيه بشيء، ولكن على العموم كانت الدولة البيزنطية تعتمد اعتمادًا شبه كاملٍ على هذا الشعب في تكوين الدعامة الرئيسة للدولة؛ خاصَّةً بعد انقسام القسم الشرقي منها عن الغربي، وصار الأناضول بذلك -إلى جوار مدينة القسطنطينية- المعقل الرئيس للدولة البيزنطية[9]، والواقع أنَّ الأناضول لم يكن مصدرًا للرجال فقط بالنسبة إلى البيزنطيين؛ إنما كانت مصدرًا للمال والثراء كذلك؛ وذلك عن طريق الزراعة والتجارة، وإن كان المال والقمح وبقيَّة الإمدادات التموينيَّة كانت تأتي كذلك من الشام ومصر وتونس؛ وغيرها من المستعمرات الرومانيَّة[10].

ولكون الأناضول واقعًا في عمق الإمبراطورية البيزنطية، فجنوبه الشام، وغربه البلقان، وهذه كلُّها أراضٍ بيزنطيَّة، فإنَّ هذا الموقع الجغرافي جعله آمنًا إلى حدٍّ كبيرٍ من الاختراقات من الحضارات الأخرى؛ ومن ثَمَّ غلب على سكانه الطابع البيزنطي كاملًا، فكان الشعب كلُّه نصرانيًّا أرثوذكسيًّا، وكانت لغته الأساسيَّة هي اللغة اليونانيَّة؛ بل كانت ثقافته وفكره وطريقة حياته متأثِّرةً تمامًا بالنسق البيزنطي، خاصَّةً ما ينتمي للمقدونيين الذين حكموا الدولة البيزنطيَّة فترةً طويلةً من الزمن[11].

ومع ظهور الإسلام سنة 610 ميلادية بدأت إرهاصات تغيير كبير في المناطق الواقعة تحت سيطرة الإمبراطورية البيزنطية، إذ ما لبث المسلمون أن أسَّسوا دولتهم الأولى في الْمَدِينَة سنة 622 ميلاديَّة، وبعدها بسنواتٍ قليلةٍ حدث الصدام مع الإمبراطورية البيزنطية، كانت البداية فيه في عهد الرسول  في موقعة مؤتة 629م (8هـ)، ثم تبوك 630م (9هـ)، وبعدها حدثت عدَّة معارك كبرى؛ كان أهمُّها موقعة اليرموك سنة 636م (15هـ) ثم فتح مصر في سنة 642م (21هـ)، وما لبث البيزنطيون أن فقدوا معظم أراضيهم في الشام وشمال إفريقيا لصالح المسلمين؛ ومن ثَمَّ أصبحت الأناضول هي الحدود الشماليَّة المباشرة للدولة الإسلاميَّة[12].

لم يتوقَّف الأمر عند هذا الحدِّ؛ فانطلق المسلمون في عهد الخلافتين الأموية والعباسية، بعدَّة حملاتٍ عسكريَّةٍ في داخل الأناضول؛ بل وصلت هذه الحملات إلى القسطنطينية نفسها، وهذا يعني اختراق المسلمين لكامل الأناضول من جنوبه الشرقي إلى شماله الغربي، ومع ذلك لم تُؤثِّر هذه الحملات في التركيبة الديموجرافيَّة أو الثقافيَّة أو الدينيَّة للأناضول لأنَّها كانت مؤقَّتةً بشكلٍ كبير، فلم تكن الحملة تتعدَّى أيامًا أو شهورًا قليلةً على الأكثر.

وينبغي الأخذ في الاعتبار أنَّ حديثنا هنا عن الأناضول يشمل المناطق الواقعة شمال جبال طوروس، أمَّا المناطق الواقعة جنوب جبال طوروس فإنها جغرافيًّا وتاريخيًّا تابعةٌ لبلاد الشام، وقد فتحها المسلمون قديمًا؛ ومِنْ ثَمَّ صارت أغلبيَّة سكانها من المسلمين، وأعني بهذه المناطق ديار بكر، وماردين، وعنتاب؛ بل وملطية الواقعة شمالًا داخل جبال طوروس، ومن المعروف أنَّ كلَّ هذه المناطق، ومع كونها من بلاد الشام جغرافيًّا، فإنَّها داخل حدود دولة تركيا الحاليَّة.

إذا لم يُغيِّر المسلمون من التركيبة السكانية للأناضول نفسه، فظلَّ محافظًا على شكله الخاص المنتمي إلى الثقافة البيزنطيَّة القديمة، غير أنَّ هناك تغيُّرًا طفيفًا حدث في هذه التركيبة خلال عهد قسطنطين التاسع Constantine IX وبعده، وقد أدَّى هذا التغيير إلى حدوث بعض الآثار التي تضخَّمت مع الوقت!

حكم قسطنطين التاسع مع زوجته الإمبراطورة زُوي Zoë بداية من سنة 1042م، ثم حكم منفردًا بعد وفاة زوجته سنة 1050م، لمدَّة خمس سنوات حتى سنة 1055م[13]، وقد واجه في هذه الفترة أزمات عسكريَّة كثيرة داخليَّة وخارجيَّة ممَّا دعاه إلى انتهاج سياساتٍ جديدةٍ كانت لها آثارٌ سلبيَّةٌ كبيرةٌ على الإمبراطورية البيزنطية، وكان من هذه السياسات إعفاء نبلاء المحافظات الحدودية في الإمبراطورية من توفير جنود للدولة؛ وذلك في مقابل ضرائب معينة يدفعونها للخزينة؛ وقد أدَّت هذه السياسة إلى فقد خمسين ألف جندي كانت توفِّرها هذه المحافظات، وهذا بدوره أدَّى إلى إضعاف الجيش البيزنطي بشكلٍ ملموس، جدير بالذكر أن هذه الأموال التي تمَّ تحصيلها تم إنفاقها في مظاهر ترفيَّة ما لبثت أن ضاعت[14]!، وهذا التدهور أدَّى إلى تطوُّرٍ سياسيٍّ جديدٍ كان له آثارٌ سلبيَّةٌ أعمق، وهي اتِّجاه قسطنطين التاسع إلى الاعتماد على الجنود المرتزقة من الشعوب الأجنبيَّة المختلفة، مثل الروس، والنورمان، والألمان، والترك[15]، وكلُّ هذه شعوب في الأصل معاديةٌ للدولة البيزنطيَّة، ولا تَكِنُّ أيَّ ولاءٍ لها، وما جاءت إلا من أجل المال، وبالتالي لم يزدد الجيش البيزنطي إلا ضعفًا، وفوق هذا فقد تغيَّرت نسبيًّا التركيبة السكانيَّة المنغلقة للأناضول، وهذا أدَّى إلى ضعف التماسك الاجتماعي للإمبراطوريَّة، وصارت العلاقة ضعيفةً للغاية بين الحاكم والمحكوم[16]، وكلُّ هذا كان يُنذر بكارثةٍ قد تحلُّ بالإمبراطوريَّة إذا ما ظهر عاملٌ جديدٌ قويٌّ مؤثِّر، وقد كان؛ حيث ظهرت الدولة السلجوقية الإسلاميَّة فجأةً على الساحة العالميَّة، وكان لها أكبر الأثر في انهيار الحكم البيزنطي لمعظم الأناضول!

والدولة السلجوقية من أكبر الدول في التاريخ الإسلامي، ومن أهمَّها، وهي من العائلات التركيَّة الكبرى، وقد تأسَّست في سنة 1037م الموافق 429 هجرية[17]، وسيطرت في غضون سنواتٍ قليلةٍ على وسط آسيا، وامتدَّت حتى ضمتْ إيران وشمال العراق، وأخيرًا ضمَّت بغداد عاصمة الخلافة العباسية في سنة 1055م (447هـ)[18]، وصارت هي الدولة الأكبر في الأمَّة الإسلاميَّة، وكذلك صارت هي الجيش الرئيس للخلافة العباسية؛ اصطدم السلاجقة مع الدولة البيزنطية، وتمكنوا من انتزاع إقليمي چورچيا وأرمينيا[19]، ثم كانت بينهم وبين الإمبراطورية البيزنطية أهم معركةٍ في تاريخ المنطقة؛ بل إن شئت فقل: إحدى أهم المعارك في التاريخ الإنساني، وهي معركة ملاذكرد Manzikert؛ وذلك في سنة 1071م (463هـ)[20]، التي كان لها من الآثار ما غيَّر بقوَّةٍ من مجرى التاريخ!

انتصر السلاجقة في موقعة ملاذكرد بقيادة البطل الإسلامي الكبير ألب أرسلان Alp Arslan على البيزنطيين بقيادة الإمبراطور رومانوس الرابع Romanos IV انتصارًا ساحقًا، وأُسِر الإمبراطور البيزنطي ثم أُطْلق مقابل فديةٍ كبيرة[21][22]. أفلستْ خزينة الدولة البيزنطية، ودُمِّر الجيش البيزنطي تمامًا، وأُطلق كلُّ أسارى المسلمين في بلاد الروم[23]، وفُتِحَت أمام الدولة السلجوقية أبواب الأناضول، وتحقَّقت نتائج ضخمة بقيت آثارها حتى يومنا هذا.

قادت موقعة ملاذكرد إلى حدثين كبيرين كان لهما الأثر المباشر على تاريخ الأناضول، كما كان لهما الأثر المباشر كذلك على تغيير التركيبة السكانيَّة لهذه المنطقة؛ أمَّا الحدث الأوَّل فهو حركة السلاجقة لفتح الأناضول وضمّه إلى دولتهم، والحدث الثاني هو هجرة الأرمن من دولتهم المطلَّة على البحر الأسود، التي سيطر عليها السلاجقة قبل موقعة ملاذكرد، إلى منطقة قليقية Cilicia في الأناضول على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ ممَّا قاد إلى تأسيس مملكة أرمينيَّة أخرى عُرِفَت باسم أرمينيا الصغرى Lesser Armenia. هذان الحدثان كان لهما أثرٌ كبيرٌ على تغيير ديموجرافيَّة الأناضول.

لقد استطاع سليمان بن قتلمش Suleiman ibn Qutulmish، أن يُؤسِّس دولةً للسلاجقة في الأناضول استمرَّت حوالي 230 سنة[24]، عُرِفَت باسم سلاجقة الروم، واتَّخذت في البداية إزنيك İznik عاصمةً لها، ثم تحوَّلت العاصمة إلى قونية Konya [25]، وهذه السيطرة السلجوقيَّة على معظم الأناضول أدَّت إلى هجراتٍ تركيَّةٍ متتالية، خاصَّةً إلى شرق الأناضول ووسطه، وأسَّس السلاجقة قرًى خاصَّةً بهم عاش فيها المسلمون جنبًا إلى جنبٍ مع السكان الأصليِّين للمنطقة، وتدريجيًّا تحوَّل عددٌ كبيرٌ من أهل البلاد إلى الإسلام، وبذلك تغيَّرت التركيبة السكانيَّة تغيُّرًا كبيرًا أضفى شكلًا جديدًا على الأناضول[26].

تزامن مع تأسيس دولة سلاجقة الروم حركة الأرمن من مملكة أرمينيا الكبرى في اتجاه الجنوب الغربي إلى منطقة قليقية في الأناضول على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ وذلك في عام 1080م، ليؤسِّسوا بعد ذلك مملكة أرمينيا الصغرى، التي ظلَّت مستقلةً قرابة الثلاثة قرون، متخذةً من مدينة سيس Sis عاصمةً لها، ومغيِّرةً من التركيبة السكانيَّة للأناضول بطريقةٍ أخرى، وهي وجود الأرمن بكثافةٍ في هذه المنطقة الجنوبيَّة، وليُصبح للأرمن وجودٌ في تاريخ الصراع مع الدولة البيزنطيَّة أحيانًا، ومع مسلمي الشام أحيانًا أخرى، ومع مسلمي الأناضول أحيانًا ثالثة، آخذين في الاعتبار أنَّ الكنيسة الأرمينيَّة منفصلةٌ عن الكنيسة الأرثوذكسيَّة التي يتبعها البيزنطيون، وهذا ولَّد صراعًا بين الطرفين، وإن كانوا جميعًا تحت مظلَّة النصرانية[27].

أدَّى وجود الأتراك والأرمن بشكلٍ كبيرٍ في الأناضول إلى اتجاه كثيرٍ من اليونانيين -أهل الأناضول الأصليِّين- إلى غرب الأناضول ليعيشوا في المناطق الخصبة القريبة من ساحل بحر إيجة[28]، التي ما زالت تحت السيطرة البيزنطيَّة[29]، وبذلك صار الوسط الأناضولي تركيًّا مسلمًا؛ بينما الجنوب المطل على الساحل أرمينيًّا، ثم هناك الشمال الغربي أرثوذكسيًّا بيزنطيًّا، وإن كان هذا لم يمنع تداخل الأنواع الثلاثة من السكان في عدَّة مناطق من الأناضول، ولكن بشكلٍ محدود.

ظلَّ الوضع على هذه الصورة خلال القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري) وأوائل القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري) عندما حدث تطوُّرٌ عالميٌّ جديدٌ أدَّى إلى بعض التغييرات في تاريخ الأناضول؛ ومن ثَمَّ في تركيبته السكانيَّة وموازينه السياسيَّة، وهذا التطوُّر العالمي كان ظهور دولة المغول في شرق آسيا، التي سرعان ما بدأت زحفها الرهيب في اتجاه الغرب.

ظهرت دولة المغول في سنة 1206م في منغوليا على يد چنكيز خان، وسرعان ما توسَّعت هذه الدولة حتى صارت إمبراطوريَّةً ضخمةً تضمُّ مساحاتٍ شاسعةً من الأراضي في آسيا وشرق أوروبا[30]، ومع أنَّ هذه الإمبراطوريَّة نشأت في مناطق بعيدة جدًّا عن الأناضول، فقد كان لها من التأثير المباشر وغير المباشر، على المنطقة ما يجعل ظهورها أحد المنعطفات التاريخيَّة المهمَّة التي ينبغي الوقوف أمامه.

كان لظهور المغول آثارٌ كبيرةٌ على الأناضول نذكر منها ثلاثة؛ أمَّا الأول فهو إزاحة عددٍ كبيرٍ من أتراك آسيا الذين يعيشون في منطقة التركستان وأفغانستان، إلى الغرب؛ حيث هرب هؤلاء الفلاحون إلى أبعد المناطق غربًا ابتعادًا عن المغول، وكان من هذه المناطق الأناضول، فأدَّى هذا إلى زيادة تتريك الأناضول وأسلمته، حيث كان معظم هؤلاء المهجَّرين من الأتراك المسلمين[31].

وأمَّا الأثر الثاني فكان سقوط الدولة الخوارزمية التركيَّة، واجتياحها الكامل من قِبِل المغول، وقد أدَّى هذا السقوط إلى تحرُّك قادتها، وأهمهم جلال الدين خوارزم، إلى اتجاه الغرب، واصطدام هؤلاء عسكريًّا مع سلاجقة الروم حيث كان يبحث جلال الدين خوارزم عن مناطق جديدة يسيطر عليها عوضًا له عن المملكة التي تركها للمغول، وقد هُزم جلال الدين في صدامه مع سلاجقة الأناضول، وقُتِل في عام 1231م (628هـ)[32]، وكان من نتيجة ذلك أن انضمَّ عددٌ كبيرٌ من جنوده إلى السلاجقة في الأناضول، أو إلى الأيوبيين في الشام ومصر[33]، وهذا أدَّى إلى بعض النتائج التي أثَّرت في المنطقة.

أمَّا الأثر الثالث والأخير الذي نُشير إليه فهو تحرُّك المغول أنفسهم غربًا والوصول إلى الأناضول (1259-1260م)، واصطدامهم مع سلاجقة الروم المسلمين، وانتصارهم عليهم، واحتلال شرق الأناضول احتلالًا كاملًا، واضطرار وسط الأناضول وغربه إلى التبعيَّة لهم، وقيام دول مغوليَّة في المنطقة[34]، وهذا بطبيعة الحال سيؤثِّر في شكل الأناضول في الفترة القادمة.

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] أمهز، محمود: في تاريخ الشرق الأدنى القديم، دار النهضة العربية، 2010م. الصفحات 57، 58.

[2] دياكوف، ف.؛ وكوفاليف، س.: الحضارات القديمة، ترجمة: نسيم واكيم اليازجي، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، الطبعة الأولى، (دون سنة طبع). الصفحات 1/190-288.

[3] سنيوبوس، شارل: تاريخ حضارات العالم، تعريب: محمد كرد علي، العالمية للكتب والنشر، الجيزة–مصر، الطبعة الأولى، 2012م. الصفحات 52-67.

[4] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م. صفحة 11/131.

[5] بينز، نورمان: الإمبراطورية البيزنطية، تعريب: حسين مؤنس، محمود يوسف زايد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1950م.صفحة 8.

[6] شينيه، جان – كلود: تاريخ بيزنطية، ترجمة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م.صفحة 35.

[7] رنسيمان، استيڤن: الحضارة البيزنطية، ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد، الهيئة المصري العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية، 1997م (أ). صفحة 125.

[8] Vasiliev, Alexander A.: History of the Byzantine Empire, 324–1453, Madison, 1952., pp. 338–339.

[9] رنسيمان، 1997 (أ) صفحة 214.

[10] ديورانت، 1988 الصفحات 11/21، 97، 341.

[11] سليمان، أحمد عبد الكريم: المسلمون والبيزنطيون فى شرق البحر المتوسط، مطبعة السعادة، القاهرة، 1982م. صفحة 1/214.

[12] رنسيمان، 1997 (أ) الصفحات 39، 40.

[13] بينز، 1950 الصفحات 63، 64.

[14] Finlay, George: A History of Greece from its Conquest by the Romans to the Present Time, B. C. 146 to A. D. 1864, The Clarendon Press, Oxford, UK, 1877., vol. 2, p. 427.

[15] Treadgold, Warren T.: Byzantium and Its Army, 284-1081, Stanford University Press, 1995., p. 116.

[16] محمد، عمر يحيى: الفتح والتوسع السلجوقي في آسيا الصغرى في النصف الثاني من القرن (الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي)، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، المملكة العربية السعودية، المجلد 14، 1427هـ=2006م. صفحة 40.

[17] ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1408هـ=1988م. صفحة 12/54.

[18] الأصبهاني، عماد الدين الكاتب: تاريخ دولة آل سلجوق، قرأه وقدم له: يحيى مراد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1424هـ=2004م.صفحة 187.

[19] ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م. الصفحات 8/194-197.

[20] ابن الناصر، صدر الدين أبو الحسن علي: أخبار الدولة السلجوقية، تحقيق: محمد إقبال، لاهور، الهند، 1933م.صفحة 49.

[21] ابن الأثير، 1997 صفحة 8/224.

[22] ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن محمد: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (تاريخ ابن خلدون)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1988م. صفحة 3/582.

[23] ابن القلانسي، حمزة بن أسد بن علي بن محمد أبو يعلى التميمي: تاريخ دمشق، تحقيق: سهيل زكار، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1403هـ =1983م، 1983م صفحة 1/167.

[24] طقوش، محمد سهيل: تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م.صفحة 53.

[25] ابن الوردي، عمر بن مظفر بن عمر بن محمد ابن أبي الفوارس: تاريخ ابن الوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ=1996م. صفحة 2/211.

[26] بارتولد، و.: تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة: أحمد السعيد سليمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996م. الصفحات 127، 128.

[27] ديورانت، 1988 صفحة 15/152.

[28] بروي، إداور: تاريخ الحضارات العام «القرون الوسطى»، إشراف: موريس كروزيه، ترجمة: يوسف أسعد داغر، فريد م. داغر، منشورات عويدات، بيروت–باريس، 1986م. صفحة 3/338.

[29] رستم، أسد: الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم وصلاتهم بالعرب، دار المكشوف، بيروت، الطبعة الأولى، 1955م. صفحة 1/133.

[30] لاين، جورج: عصر المغول، ترجمة: تغريد الغضبان، مراجعة: سامر أبو هواش، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 1433هـ=2012م. الصفحات 34-38.

[31] كوبريلي، فؤاد: قيام الدولة العثمانية، ترجمة: أحمد السعيد سليمان، القاهرة، 1993م. الصفحات 79، 80.

[32] النسوي، محمد بن أحمد: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، نشر وتحقيق: حافظ أحمد حمدي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1953م.صفحة 385.

[33] ابن واصل، محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق: حسنين محمد ربيع، سعيد عبد الفتاح عاشور، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 137هـ=1957م. الصفحات 4/325، 5/134، 135.

[34] ابن العبري، يوحنا ابن أهرون أو هارون بن توما الملطي أبو الفرج: تاريخ مختصر الدول، تحقيق: أنطون صالحاني اليسوعي، دار الشرق، بيروت، الطبعة الثالثة، 1992م. الصفحات 251-257.

التعليقات (0)