معركة موهاكس 1526م – القسم الثاني

معركة موهاكس 1526م – القسم الثاني

أ.د. راغب السرجاني

معركة موهاكس (Mohacs: (29 أغسطس 1526م.

هذه معركةٌ من أهمِّ المعارك في تاريخ أوروبا؛ ومع أنها كانت معركة يومٍ واحد، إلا أن آثارها امتدَّت لعدَّة قرون! إنها الحملة الهمايونيَّة الثالثة للسلطان القدير سليمان القانوني بعد حملتي بلجراد ورودس!

رصدت عيون الأعداء خروج الجيش الهمايوني الكبير من إسطنبول في 16 أبريل 1526م[1]؛ لكنها لم تستطع أن تُحدِّد الوجهة تمامًا. نعم هو مُتَّجهٌ على الأغلب لحرب المجر، فكلُّ الإرهاصات تُشير إلى ذلك؛ ولكن إلى أيِّ مكانٍ في المجر الواسعة؟ كانت لدى الجيوش العثمانية -على كثرتها، ووفرة عتادها، وثِقَل مدافعها- القدرة على التمويه على أعدائها وجواسيسهم، فلا يكتشفون وجهتهم النهائيَّة إلا متأخِّرًا، وهذا يُحقِّق عنصر المباغتة.

جعل السلطان سليمان القانوني وجهته إلى بلجراد، وقرَّر الانتقال منها شمالًا قاصدًا بودا عاصمة المجر[2]؛ ولكنه لم يشأ أن يترك خلفه قلاعًا مجريَّةً قد تُهدِّد مؤخرة جيشه، فانحرف بجيشه إلى الشمال الغربي ليحتلَّ مدينة بيتروڤارادين Petrovaradin الصربية، ومنها اتجه غربًا ليحتلَّ مدينة إيلوك Ilok الكرواتية[3]، ثم اتجه شمالًا ليُسيطر على القلعة الأخيرة في طريقه إلى بودا، وكانت في مدينة أوزيك Osijek الكرواتية[4]، على بعد حوالي مائتي كيلو متر جنوب بودا.

كان الجيش المجري في تاريخه القريب من أقوى جيوش أوروبا؛ لكن في العقود الأخيرة، وبعد وفاة الملك القوي ماتياس في 1490م؛ أي منذ ستة وثلاثين سنة، لم يَجْرِ تحديثه، وتناقصت أعداد مقاتليه بشكلٍ كبير، خاصَّةً بعد الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي تعرَّضت لها البلاد، وثورات الفلاحين، والتصارع على الحكم، وعدم الوفاق بين النبلاء ورجال الدين.

إنها مجموعةٌ من المشكلات المتفاقمة أدَّت إلى انهيارٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ كبير. دعا الملك الشابُّ عديم الخبرة لويس الثاني فرقَ الجيش من هنا وهناك للاستعداد لمواجهة الجيش العثماني الذي يقترب بسرعة. كان الجيش المجري الرئيس في بودا مع الملك، وتأهَّبت فرقةٌ كبيرةٌ من الجيش قوامها ثلاثة عشر ألف مقاتل للقدوم من ترانسلڤانيا في الشرق تحت قيادة أمير الولاية الشهير چون زابوليا [5] John Zapolya، وهو أحد أثرى وأقوى نبلاء المجر، بالإضافة إلى فرقةٍ كرواتيَّةٍ صغيرةٍ نسبيًّا كانت تستعدُّ للقدوم من الغرب.

أخذ الملك قرارًا خاطئًا بمواجهة الجيش العثماني في حربٍ مفتوحةٍ خارج بودا. لعلَّ الملك كان يريد أن يجعل له خطَّ رجعةٍ في بودا، ولا يريد للحرب الأساسية أن تكون في عقر داره بهذه الصورة؛ لكنه في الواقع لم يُقَدِّر الفوارق الضخمة بين جيشه الضعيف نسبيًّا، وبين الجيش العثماني الحديث بأعداده الأكبر، وتسليحه العصري، ومدافعه القويَّة، ومقاتليه المهرة، وقادته الاحترافيِّين.

كان الجيش المجري يقترب من ثلاثين ألف مقاتل[6] معهم خمسة وثمانون مدفعًا[7]؛ بينما كان الجيش العثماني في حدود مائة ألف جندي، معهم ثلاثمائة مدفع حديث[8]. كان الأَولى بالملك أن ينتهج سياسة الأرض المحروقة، وحرب العصابات، ولا يلتقي والعثمانيِّين في حربٍ ميدانيَّة، خاصَّةً بعد فشل فرديناند أمير النمسا في الاستجابة لاستغاثة الملك المجري لانشغاله بصراعات الكاثوليك مع البروتستانت، خاصَّةً أن البروتستانت كانوا مبتهجين بهجوم العثمانيين على المجر الكاثوليكية، ويرون ذلك عقابًا من الله لهم[9]! ارتكب الملك لويس الثاني خطأً جديدًا بعدم انتظار فرقتي ترانسلڤانيا وكرواتيا، وكانوا على بعد أيامٍ قليلةٍ منه؛ ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا!

اختار الملك المجري أرضَ سهلٍ واسعٍ من سهول المجر يُدْعَى سهل موهاكس Mohacs لتتم عليه الموقعة، والسهل يتميَّز بمرتفعات ومنخفضات، ووجود مستنقعات مائيَّة كبيرة فيه[10]، وقد تصوَّر الملك أن هذه العوائق الجغرافيَّة يمكن أن تُمكِّنه من المناورة مع الجيش العثماني. يقع سهل موهاكس على بعد مائةٍ وسبعين كيلو مترًا جنوب بودا. وافق القانوني على اختيار الملك المجري، فعبر نهر دراڤا Drava، واتَّجه شمالًا إلى السهل، فوصله في يوم 29 أغسطس 1526م[11] - 20 ذو القعدة 932 هجرية[12].

 كان الجيش العثماني بوصوله إلى هذا النقطة قد قطع مسافة ألف وخمسمائة كيلو متر قادمًا من إسطنبول؛ وذلك في مائةٍ وأربعة عشر يومًا! إنها مسافةٌ طويلة، ومدَّةٌ كبيرة، كان من الممكن أن تُؤثِّر على أيِّ جيش، لولا اللياقة البدنية والروح العالية التي كان عليها الجيش العثماني الكبير.

خطب سليمان القانوني في جيشه بعد صلاة الظهر خطبةً قصيرةً مؤثِّرة، ذكر فيها أن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم [13]، وبعدها أخذ الجيش مواقعه، ونظَّم مدفعيَّته، وما هي إلا لحظاتٌ حتى بدأ القتال! بدأت المعركة بهجومٍ مجريٍّ كبيرٍ قامت به قوَّات الميمنة، وأحدث الهجوم شيئًا من الاضطراب في الجيش العثماني، حتى إن الميمنة المجريَّة استطاعت اختراق فرقٍ عديدةٍ من الجيش العثماني، ووصل بعض المغامرين إلى السلطان سليمان القانوني، وأُطلقت على صدره رصاصة، غير أنها لم تخترق درعه الحديدي[14]! تماسك الجيش العثماني بسرعة، والتفَّ حول الفرقة المهاجمة، وجاءت قوَّات الاحتياط لتدعم بقوَّة، وأبدى الإنكشارية براعةً وشجاعةً فوق المعتاد[15]، وفي وقتٍ قصيرٍ سيطر المسلمون على الموقف، وبدأت المدفعيَّة العثمانيَّة في حصد الجيش المجري.

أدرك المجريُّون أنهم وقعوا في كمائن خطرة، فبادروا بالانسحاب في حركةٍ عشوائيَّة، وهذا زاد من حجم مصيبتهم. كانت الساحة مليئةً بالمستنقعات العميقة، وكانت وبالًا على الجيش المجري؛ حيث غرق فيها الكثير من الجنود. اكتملت المأساة المجرية بغرق الملك المجري لويس الثاني في أحد المستنقعات[16] لتموت كلُّ عزيمةٍ عند جيشه! قُتِل من الجيش المجري -أيضًا- ثمانيةٌ وعشرون بارونًا، وعددٌ كبيرٌ من النبلاء والقادة يقتربون من ألف رجل، بالإضافة إلى سبعةٍ من كبار القساوسة[17]. أُبيد معظم الجيش المجري في هذا اللقاء، وصار الطريق مفتوحًا بلا أدنى مقاومةٍ إلى العاصمة بودا!

مع أن الموقعة لم تستغرق إلا ساعات معدودات[18]، إلا أنها كتبت تاريخ المجر لأكثر من ثلاثة قرون! وصفها المؤرخ المجري تيبور ميندي Tibor Mende في كتابه عن المجر وتاريخها بأنها أسوأ هزيمةٍ في كلِّ تاريخ الدولة[19]. ويقول المؤرخ الأميركي ألفريد ريبير Alfred Rieber، والمتخصِّص في تاريخ المجر وشرق أوروبا: «انهارت دولة المجر بعد المعركة، وصارت موهاكس رمزًا لإذلال الأمَّة»[20].

خرجت المجر بهذه المعركة من قائمة القوى العظمى في أوروبا، وصار شعبها البائس تابعًا بلا إرادة؛ مرَّةً للعثمانيِّين، وأخرى للنمساويِّين، وثالثةً للبولنديِّين، وصارت الأرض المجريَّة ساحةً للمعارك المتتالية بين الدولة العثمانية والنمسا؛ ممَّا أفقدها خصوبتها، بالإضافة إلى هجران الفلاحين لها هربًا من جحيم المعارك. مثَّلت المعركة -أيضًا- منعطفًا تاريخيًّا مهمًّا، وهو انتقال عبء الدفاع عن الكاثوليكيَّة ووسط أوروبا من المجر المتداعية إلى النمسا الفتيَّة، وهكذا؛ بينما كانت المجر هي العدوُّ الأكبر للدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، صارت النمسا كذلك في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بالإضافة إلى أعداء آخرين بطبيعة الحال.

لم يكن السلطان القانوني مطمئنًّا إلى أن هذا الجيش الضعيف الذي قابله في موهاكس هو كلُّ الجيش المجري صاحب الصيت الواسع في أوروبا، وكان يخشى من وجود قوَّاتٍ أخرى في بودا؛ ولذلك مكث عدَّة أيَّامٍ في أرض المعركة، ثم تقدَّم بحذرٍ صوب العاصمة.

لم تكن مخاوف سليمان القانوني حقيقية، وكانت بودا بلا جيش! ودخل القانوني المدينة الحصينة بلا أدنى مقاومةٍ في يوم 11 سبتمبر 1526م[21]. لم يكن السلطان سليمان راغبًا في حكم المجر بشكلٍ مباشرٍ في هذا التوقيت. لم تذكر المصادر لماذا زَهَدَ السلطان في حكم الدولة العتيدة مع خلوِّها من الجند، ولم تذكر كذلك لماذا أضاع فرصة حكم المدينة العريقة بودا، مع أن فتح هذه المدن الحصينة ليس أمرًا سهلًا أو متكرِّرًا.

الذي يبدو لي أنه لم تكن لديه «القدرة» الحقيقيَّة الواقعيَّة على حكم البلد الكبير بشكلٍ مباشر، فهذا يحتاج إلى أطقمٍ إدارية، وحكومية، وقضائية، وعسكرية لعلها غير متوفِّرة الآن، وبالتالي فمن ناحيةٍ واقعيَّة كان السلطان يُفَضِّل إدارة البلد «كتابع»، بمعنى أن تُدار بأهلها لصالحه، بدلًا من أن يُديرها هو بشكلٍ فاشلٍ قد يُحدث آثارًا سلبيَّة. هذا احتمال، وهناك احتمالٌ آخر هو أنه كان يريد قياس ردود الفعل في أوروبا، وخاصَّةً عند النمسا والبابا، لكي يُجهِّز نفسه للردِّ المناسب. إن أوروبا المنشغلة الآن في حروبها مع البروتستانت قد تتناسى همومها وتلتفت إلى الدولة العثمانية إذا رأتها تحكم المجر بشكلٍ مباشر؛ لذا يمكن أن يكون التدرُّج في الأمر أفضل.

أيَّا ما كان الأمر فإن السلطان اختار أن يجعل المجر تابعًا برئاسة أحد المجريِّين الموالين له. التقى السلطان وبعض نبلاء المجر، ثم جرى ترشيح چون زابوليا -أمير ترانسلڤانيا الذي لم يشترك في موهاكس- ليكون ملك المجر تحت رعاية الدولة العثمانية[22]. لم يكن زابوليا أثرى وأقوى نبلاء المجر فقط؛ ولكنه كان يتمتَّع بأمرين إضافيَّين: الأول أنه يقود جيشًا سليمًا بلا إصابات؛ حيث لم يشترك في موهاكس، وهذا يُعطيه القدرة العمليَّة على إدارة الدولة، والثاني أنه كان من الحزب المجري المعارض لآل هابسبورج النمساويِّين[23]، وكان لا يرغب في تدخُّلهم في شئون المجر أيام الملك الراحل.

هذان الأمران جعلا أسهمه ترتفع عند النبلاء المتبقِّين في المجر بعد موهاكس، وهما الأمران أنفسهما اللذان رجَّحا كفَّة زابوليا عند السلطان القانوني؛ فهو يريد حاكمًا قويًّا يمكن أن يُسيطر بجيشه على الوضع في المجر، ويريده في الوقت نفسه معاديًا، ولو نسبيًّا، للنمسا. وافق السلطان على ترشيح زابوليا، واستقبله في القصر الملكي، وأقرَّه ملكًا على المجر تابعًا له، وصار لقبه: چون الأول John I.

رجع السلطان القانوني إلى إسطنبول بعد أن أمضى ثلاثة عشر يومًا في بودا[24].

 لم يكن هذا هو الوضع المثالي؛ لأن البلاد التابعة يمكن أن تتفلَّت بسهولة، كذلك يمكن للنمسا أن تطمع فيها بشكلٍ أكبر؛ لكن يبدو أن هذا كان أفضل استثمار «واقعي» لنصر موهاكس العظيم، خاصَّةً أن جيش زابوليا لم يكن مخيفًا؛ نعم هو كافٍ للسيطرة على الأمور في المجر المتهالكة؛ لكنه لن يكون كافيًا أبدًا لمقاومة العثمانيين في حال غَدَرَ المجريون! والغدر في سياستهم متوقَّع![25].

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] Sisa, 1983, p. 76.

[2] اختيرت مدينة بودا Buda لتكون عاصمةً للمجر في عام 1361، ومدينة بودا تقع على الضفة الغربية لنهر الدانوب، ويُقابلها من الناحية الشرقية مدينة بِست Pest، وقد توحَّدت المدينتان في كيانٍ واحدٍ عام 1873 تحت اسم بودابست Budapest، وصارت عاصمة المجر منذ ذلك الحين.

[3] Rogers, Clifford J. (Editor): The Oxford Encyclopedia of Medieval Warfare and Military Technology, Oxford University Press, New York, USA, 2010., vol. 1, p. 360.

[4] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The Sixteenth Century to the Reign of Julius III, 1984, vol. 3, p. 249.

[5] Black, Jeremy: War and Technology, Indiana University Press, Bloomington, Bloomington, Indianapolis, USA, 2013., p. 85.

[6] Ágoston, Gábor: Mohács, Battle of (1526), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009 (H).p. 389.

[7] Black, 2013, p. 85.

[8] أوزتونا، 1988 صفحة 270.

[9] ديورانت، 1988 صفحة 5/103.

[10] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 2, p. 498.

[11] Setton, 1984, vol. 3, p. 249.

[12] فريد، 1981 صفحة 211.

[13] أوزتونا، 1988 صفحة 270.

[14] Williams, Henry Smith: The Historians' History of the World: A Comprehensive Narrative of the Rise and Development of Nations as Recorded by Over Two Thousand of the Great Writers of All Ages, Hooper & Jackson Limited, London, UK, 1909., vol. 24, p. 347.

[15] Grant, R. G.: 1001 Battles That Changed the Course of History, Chartwell Books, New York, USA, 2017., p. 259.

[16] Agnew, Hugh LeCaine: The Czechs and the Lands of the Bohemian Crown, Hoover Institution Press, Stanford University, Stanford, California, USA, 2013., p. 59.

[17] Corvisier, André & Childs, John: A Dictionary of Military History and the Art of War, Translated: Chris Turner, Wiley-Blackwell, New Jersey, USA, 1994., pp. 365–366.

[18] زاده، صولاق: تاريخ صولاق زاده، إستانبول، 1297هـ=1880م.صفحة 455.

[19] Mende, Tibor: Hungary, Macdonald & Company Limited, 1944., p. 41.

[20] Rieber, Alfred J.: The Struggle for the Eurasian Borderlands: From The Rise Of Early Modern Empires To The End Of The First World War, Cambridge University Press, New York, USA, 2014., p. 320.

[21] Jessup, John E.: Balkan Military History: A Bibliography, Garland publishing, Inc, New York, USA, 1986., p. 69.

[22] Kohn, George C.: Dictionary of Wars, Infobase Publishing, 2006., p. 236.

[23] Dvornik, Francis: The Slavs in European History and Civilization, New Brunswick, NJ, USA, Rutgers University Press, 1962., p. 442.

[24] أوزتونا، 1988 صفحة 1/271.

[25] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 427- 437.

التعليقات (0)