ابن تيمية .. شيخ الإسلام ونادرة الزمان – القسم الأول

ابن تيمية .. شيخ الإسلام ونادرة الزمان – القسم الأول

منار إسلام

إن ابن تيمية عالمٌ فَذٌّ لا يُشقُّ له غُبار، سار عِلمه مَسيرَ شمس النهار، واستطاع بأسنَّةِ أقلامه، وقوةِ بيانه، أن يَدُكَّ حُصون المُبتدعةِ والزَّنادقة، ويَشُنَّ على معسكراتهم هجماته الخَارقة، فكان له معهم صَوَلات وجَولات، أقام عليهم فيها الحُجَّةَ بالدلائلِ والبيِّنات، فرَغِمَت أنفُ أعداء الدِّين، وهَوَتْ مطامعُهم إلى أسفل سافلين، فسارت باسمه الرُّكبان، وتجاوز عِلمه وأَثَره حدود الزمان.

من هو العلَّامة ابن تيمية ؟

هو تَقِيُّ الدِّينِ أَحمَدُ بنُ عَبدِ الحَلِيمِ بنِ عبدِ السَّلامِ النُّمَيرِيُّ الحَرَّانِيُّ، وُلِد بحران سنة (661هـ/1263م)، كُنيته أبو العباس، ولقبه الذي اشتهر وعُرِف به هو ابن تيميَّة، وقِيل أن سبب هذا اللقب أن جدَّه ذهب للحج وكانت امرأته حاملًا، فنزل بمدينة بين المدينة وتبوك يُقال لها تيماء، فرأى طفلةً جميلةً خرجت من خباء، فاستبشر بولادة امرأته، فلما رجع إلى حرّان وجد زوجته قد ولدت له بنتًا، فحملها وقال: يا تيمية! يا تيمية! فلُقِّبَ بذلك، وقِيل أن أمَّ جدَّه محمدًا كانت تُسمَّى تيمية، وكانت واعظةً، فنُسِب إليها، وعُرِف بها، وكان أبوه عبد الحليم ابن تيمية فقيهًا حنبليًّا تلقّى على يديه الفقه الحنبلي وأصوله، وأمه هي ستُّ النِّعم بنت عبد الرحمن الحرَّانية وكانت معروفة بالصَّلاح وحُسن الخُلُق، وكانت جنازتها مشهودة.

و ابن تيمية هو أحد أشهر علماء المسلمين الأجلاء، الذين جعلوا حياتهم رهنًا للعِلم والدين، فهو فقيه، ومُحدِّث، ومُفسِّر، وعالِم مجتهد من أبرز علماء أهل السُّنة والجماعة، عُرف بالتوسط والاعتدال في مسائل الشريعة الإسلامية، وكان حريصًا أشد الحِرص على اتباع خُطى وتعاليم القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وعُرِف بالتواضع والسّماحة حتى مع خصومه ومُخالفيه، اشتغل بعلوم الدين، وجعل حياته وَقْفًا لذلك، حتى إن أمر الزواج لم يكن ليشغله، فلم يتزوج لكثرة اشتغاله بالعِلم والعَمل والاجتهاد، وليس زهدًا في الزواج في حد ذاته.

مولده و نشأته:

وُلِد ابن تيمية يوم الاثنين، في العاشر من ربيع الأول بحران بالجزيرة الفراتية سنة 661ھ، وقدم مع أهله إلى دمشق في صِغَره بعدما أغار التتار على حران سنة 667ھ، وكان منذ صِباه شغوفًا بالعِلم وطَلَبه، ولامَسَت علوم الدين شَغاف قلبه، فلازم الجدّ والاجتهاد، واستطاع ختم القرآن في سنٍّ صغيرة، وداوم على مجالس الذِّكر والأحاديث واللغة العربية وعلومها، ولازم السَّماع لسنوات، وقد سَمِع وفَقِه دواوين علماء الإسلام الكبار؛ كمسند أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، وقَلَّ كتابٌ من فنون العلم إلا نما إليه عِلمه، وفَقِه ما بين دفَّتيه.

وقد بدأ ابن تيمية التأليف والتدريس في مُقتَبل عمره؛ وكان ذلك في سنِّ السابعة عشرة، فقد شرع في التدريس في دار الحديث السُّكَّرية بعد وفاة والده الذي كان يُدرِّس بها، كما كان يُدرِّس تفسير القرآن الكريم في الجامع الأموي، واشتغل أيضًا بالمدرسة الحنبلية بدمشق.

نبوغه وسرعة حفظه:

عُرِف ابن تيمية واشتهر منذ صِغَره بسرعة حِفظه، وكثرة محفوظه، وكان يحفظ الكتاب من مجرد مُطالعته لمرة واحدة عن ظهر قلب، وينقل منه في مُصنفاته فلا يُخطئ في لفظٍ أو معنى، ومن عجائب ذلك ما ذكره تلميذه البزار قائلًا: “صنَّفَ شيخي في محنته الأولى بمصر عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء، وأسماء المحدثين والمؤلِّفين ومؤلَّفاتهم، وعزا كلَّ شيءٍ من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذُكِر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهةً من حفظه؛ لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتابٌ يُطالِعُه، واختبرتُ هذه الكتب، فلم يوجد فيها – بحمد الله – خللٌ ولا تغيُّر، ومن جملتها كتاب “الصَّارم المسلول على شاتم الرسول”.

شيوخه:

ذُكِر أن ابن تيمية سمع من أكثر من مائتي شيخ، ومن أبرزهم:

  1. ابن عبد الدائم المقدسي.
  2. ابن أبي اليسر.
  3. شمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي.
  4. القاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي.
  5. الشيخ جمال الدين بن الصيرفي.
  6. مجد الدين بن عساكر
  7. الشيخ جمال الدين البغدادي.
  8. النجيب بن المقداد.
  9. ابن أبي الخير.
  10. المسلم بن علان.
  11. ابن أبي بكر الهروي.
  12. الكمال عبد الرحيم.
  13. ابن دقيق العيد.
  14. ابن شيبان.
  15. الشرف بن القواس.

تلامذة ابن تيمية:

تتلمذ على يد ابن تيمية أعلامٌ كُثُر، نهلوا من عِلمه وتقفّوا أثره، ومن أبرزهم:

  1. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
  2. محمد بن مفلح الحنبلي.
  3. ابن كثير.
  4. عمر بن علي البزار.
  5. أحمد بن حسن بن قدامة.
  6. محمد بن شاكر الكتبي.
  7. سليمان الصرصري.
  8. عمر بن مظفر بن الوردي.
  9. محمد بن سيد الناس.
  10. يوسف بن عبد الرحمن القضاعي.
  11. ابن قيم الجوزية؛ وهو من أشهر تلامذته الذين ساروا على خطاه، وتقفوا آثاره حتى بعد مماته، وقد سُجن معه أكثر من مرة فلم يخشيا في الله لومة لائم، وظل ملازمًا له منذ قدومه من مصر إلى دمشق سنة 712ھ، حتى وفاة شيخ الإسلام سنة 728ھ.

مؤلفاته:

ترك العلّامة ابن تيمية تراثًا موسوعيًّا هائلًا، وكَثُرت مصنفاته في الأصول والفروع، وشتى العلوم النَّقلية والعقلية، وقد كان من أعظم العلماء قيامًا على المُبتدعة من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وغيرهم، وأمطرهم بوابلٍ من فتاويه ومؤلفاته، وقد قاربت مؤلفاته خمسمائة مجلد، ومنها:

  1. الاستقامة.
  2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  3. التحفة العراقية في الأعمال القلبية.
  4. التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع.
  5. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
  6. الحسبة في الإسلام.
  7. الحسنة والسيئة.
  8. الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق.
  9. الرد على المنطقيين.
  10. الرد على من قال بفناء الجنة والنار.
  11. الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال.
  12. الرسالة العرشية.
  13. الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله.
  14. الزهد والورع والعبادة.
  15. الصارم المسلول على شاتم الرسول.
  16. الصفدية.
  17. العبودية.
  18. العقيدة الواسطية.
  19. الفتوى الحموية الكبرى.
  20. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
  21. القصيدة التائية في القدر.
  22. القواعد النورانية الفقهية.
  23. المسائل والأجوبة.
  24. المنتخب من كتب شيخ الإسلام.
  25. النبوات.
  26. النصيرية طغاة سورية أو العلويون كما سماهم الفرنسيون.
  27. الواسطة بين الحق والخلق.
  28. أمراض القلب وشفاؤها.
  29. بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية.
  30. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.
  31. تحقيق القول في مسألة: عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله.
  32. جامع الرسائل لابن تيمية.
  33. جواب في الحلف بغير الله والصلاة إلى القبور ويليه فصل في الاستغاثة.
  34. حقوق آل البيت.
  35. درء تعارض العقل والنقل.
  36. دقائق التفسير.

أقوال العلماء فيه:

قال عنه ابن كثير: “كان إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به، عارفًا بالفقه واختلاف العلماء، والأصلين – القرآن والسنة – والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقليَّة والعقلية، وما تكلَّم معه فاضلٌ في فنٍّ من الفنون العلمية إلا ظَنَّ أن ذلك الفنَّ فنُّه، ورآه عارفًا به مُتْقِنًا له، وأما الحديث فكان حافِظًا له مَتْنًا وإسنادًا”.

قال محمد بن عبد البر السبكي: “والله ما يبغض ابن تيمية إلا جاهلٌ أو صاحبُ هوًى؛ فالجاهلُ لا يدري ما يقول، وصاحبُ الهوى يصُدُّه هواه عن الحقِّ بعد معرفته به”.

وقال أبو الحجاج المزي: “ما رأيتُ مثل ابن تيمية، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيتُ أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أتبع لهما منه”.

وقال ابن حجر العسقلاني: “وشهرة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمد ذلك غدًا كما كان بالأمس، ولا يُنكر ذلك إلا من جَهِل مقداره أو تجنب الإنصاف”.

وقال عمر بن علي البزار: “ما رأيتُ ولا سمِعْتُ بمثل تواضُع الشيخ تقي الدين في عصره؛ كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير، وكان يُدني الفقيرَ الصالح ويُكرمُه، ويُؤنِسُه ويُباسِطُه بحديثه زيادة على مثله من الأغنياء”.

وقال أيضًا: “لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا دار واسعة جميلة، ولا بساتين، ولا شدَّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دوابَّ ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رُئي ساعيًا في تحصيل المباحات”.

وقال الإمام الذهبي: “شيخنا الإمام تقي الدين بن تيمية شيخ الإسلام، فرْد الزمان، بحر العلوم، تقي الدين، قرأ القرآن والفقه، وناظَرَ واستدلَّ، وهو دون البلوغ، برع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة، وصنَّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه”.

وقال قاضي المالكية ابن مخلوف: “ما رأينا مثل ابن تيمية؛ حرَّضْنا عليه فلم نقدِرْ عليه، وقدر علينا فصفَحَ عنَّا، وحاجَجَ عنَّا”.

وقال الإمام ابن القيم عن ابن تيمية: “ما رأيتُ ابن تيمية يدعو على أحدٍ من أعدائه قطُّ، وكان يدعو لهم”.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)