ابن تيمية .. شيخ الإسلام ونادرة الزمان – القسم الثاني

ابن تيمية .. شيخ الإسلام ونادرة الزمان – القسم الثاني

منار إسلام

دور ابن تيمية البارز في معركة شقحب:

شقحب هي موضع قُرب دمشق، والتي وقعت فيها المعركة الشهيرة بين المسلمين والتتار في رمضان سنة 702ھ، بعدما عاث التتار في الأرض فسادًا، لدرجة أن كان يهابهم الحكام والقادة والجنود، وكانوا يُسلِّمون المدينة أو الإمارة لهم ربما دون قتال بمجرد أن يعلموا بقدومهم، وذلك لشدة انتقامهم وفتكهم، وكان التتار حينها تحت قيادة قازانحفيد هولاكو – والذي كان يطمع في الاستيلاء على الأراضي المقدسة، ليُسلمها لحلفائه الصليبيين، وكان يطمع في أن يحكم قبضته ويبسط نفوذه على الإمارات الإسلامية، خاصةً مع تَشرذُم حكامها وضعفهم.

وخرجت الحملة التترية على بلاد الإسلام، بقيادة قطلوشاه نائب قازان، الذي تحالف مع الصليبيين، فعاثوا فسادًا في إمارات بلاد الشام، وفتكوا بالنساء والضعفاء والأطفال، فارتعب الناس وفرُّا بأنفسهم وأموالهم إلى مصر والكرك، وتَعَالَت الأصوات المُثبِّطة بتسليم الأراضي إلى التتار وأن لا طاقة للمسلمين بالتصدي لهم.

فتجلَّى من بين الظلام واليأس الذي خيّم على المسلمين دور العالِم العامِل بشرع الله عز وجل – والمُطبق لما أمر به من الجهاد في سبيل الحق، فانبرى ابن تيمية ذلك العالِم الرباني يهتف في الناس، ويَحث القادة والجنود على الثبات والدفاع عن الأرض والعِرض، ويتصل بالأمراء والقادة يُشعل في نفوسهم فتيل الحماسة والحِمية، ويزيح عن الناس غبار اليأس والخوف والتَّراخي، فتحالف الناس والأمراء والجنود على الثبات، والوقوف في وجه العدو الغاشم.

وقد كان التتار يدَّعون الإسلام، ليتوانى المسلمون عن مجابهتهم كونهم من أهل الإسلام، لكن أفعالهم وتقتيلهم وفتكهم بالناس من المسلمين وغيرهم، كانت فاضحةً لزعمهم الباطل، وادِّعائهم الكاذب أنهم من المسلمين، وقد فَطِن ابن تيمية لتلك النقطة، فكان يقول عن التتار وحلفائهم ليُنبِّه الناس: “هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم مُتلبِّسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني”.

وقد طلب سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون منه أن ينضم إلى صفوفه في المعركة، لكنه أبى إلا أن يقاتل تحت راية قومه في جيش الشام، فأخذ يحرض السلطان على الجهاد والقتال، وكان يقول: والله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون عليهم هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وأفتى بالفطر للمقاتلين، وأفطر هو أيضًا ليقتدوا به، وليتقوَّوا على القتال مستدلَّا بقوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنكم مُلاقُوا العدوِّ غدًا، والفطر أقْوى لكم”، وبالفعل انتصر المسلمون على التتار في تلك المعركة.

جسارة ابن تيمية أمام ملك التتار:

ذهب ابن تيمية مع بعض القضاة والأعيان الذين ذهبوا لمقابلة ملك التتار محمود قازان، فلم يرتجف أمام سلطانه، ولم تتزلزل قدمه في بلاطه، بل واجهه قائلًا: أنت تدَّعي أنك مسلم، وعلى ما بلغنا أن معك مُؤذِّنٌ، وقاضٍ، وإمامٌ، فعَلام غزوتنا واستبحتَ بلادنا؟ وأبوك وجدُّك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام؛ بل عاهَدا فوفَيَا، وأنت عاهدت فخُنتَ وغدَرْتَ، وقلتَ فما صدقتَ ولا وفيتَ، ثم قُرِّب إليهم طعامًا فأكلوا منه إلا هو، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكُلُ من طعامكم، وكلُّه ممَّا نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ وذُكِر أن قازان طلب منه الدعاء، فقال: اللهم إن كان عبدُك محمود إنما يُقاتِل لتكونَ كلمتُكَ هي العليا، وليكون الدينُ كُلُّه لك، فانصُرْه، وأيِّدْهُ، ومَلِّكْهُ البلادَ والعبادَ، وإن كان إنما قام رياءً وسُمْعةً، وطَلبًا للدنيا، ولتكونَ كلمتُه هي العليا، وليذلَّ الإسلامَ وأهلَه، فاخذُلْه، وزَلْزِلْهُ، ودمِّرْه، واقطَعْ دابِرَهُ؛ وقازان يُؤمِّنُ على دُعائه، ويرفع يديه، فجعل الحضور يجمعون ثيابهم خَوْفًا من أن تتلوَّثَ بدمه إذا أمر السلطان بقتله.

فلما خرج الجَمع من عند السلطان؛ قال أصحاب ابن تيمية له: كدت أن تُهلِكنا، وتُهلِك نفسَكَ، بجرأتك على السلطان، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم، فتسامَعَتْ الأمراءُ بقدوم ابن تيمية، فأقبلوا لمقابلته وليتبرَّكُوا بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، فلم يكد يصل إلى مدينة الياسمين إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما الذين رفضوا صُحبته، وافترقوا عنه، فقد خرج عليهم جماعةٌ من التتار، واعترضوا طريقهم، وأخذوا منهم أموالهم وثيابهم.

دوره في إطلاق سراح أهل الذِّمة:

فاوض ابن تيمية قازان ملك التتار على إطلاق الأسرى، فوافق قازان على إطلاق أسرى المسلمين، ولم يسمح بإطلاق سراح النصارى الذين أسرهم التتار من القدس، لكن ابن تيمية أبى إلا أن يأخد جميع الأسرى من النصارى وحتى اليهود، كونهم أهل ذمَّة للمسلمين، وقال في ذلك: لا نقبل إلا بإطلاق سراح جميع اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَّتنا؛ فإنا نفكُّهم، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الملَّة، ولا من أهل الذِّمَّة، وأطلقنا من النصارى مَنْ شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاءُ على الله، وكذلك السَّبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحدٍ إحسانَنا ورحمتَنا ورأفتَنا بهم؛ كما أوصانا خاتمُ المرسلين؛ حيث قال – صلى الله عليه وسلم – في آخر حياته: (الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ) وقال الله تعالى – في كتابه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾[الإنسان: 8].

ويُبيّن موقف شيخ الإسلام المذكور، مدى حِرصه على غير المسلمين من أهل الذّمة، ومدى سماحته، ومجادلته عنهم وعن حقوقهم، وهذا الموقف – وغيره الكثير – يدحض المزاعم الباطلة التي يُلصقها أهل الباطل إلى يومنا هذا فيه، الذين يزعمون أنه يفتي بقتال غير المسلمين بلا جريرة، ويُلصقون تهم التطرف به، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، ولكنها سُنَّة أهل الباطل والمبغضون للدين إلى قيام الساعة؛ أن يحاولوا جاهدين طمس أثار أعلام الإسلام ورموزه، ولكن هيهات؛ فالحق ظاهر، والباطل زاهق.

مِحنٌ وابتلاءات في طريقه:

كان ابن تيمية ولا زال شوكةً في حلق أعداء الإسلام، فكان من الطبيعي أن يعترض طريقه الكثير من المِحن، والكثير من الافتراءات التي تُلصَق به، وهو أمر قد اعتاد علي مواجهته علماء الأمة الصادقون، الذين لا يخشون في الله عز وجل – لَومةَ لائم، وقد تقلّب ابن تيمية في وابلٍ من المحن طوال طريقه، وطاله الأذى بأنواعه؛ فتارةً يُمنع من الإفتاء وتدريس العلوم، وتارةً يُنفى، أو يُسجن، بل وصل الأمر بالحاقدين من أهل الباطل إلى تكفيره، ويتخلَّل كل ذلك الكثير من الدَّسائس والمؤامرات ضده، فما كان منه إلا أن يُردد قوله الخالد: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حَبسي خُلوة، وقَتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”، وفيما يلي وقَفَات على بعض المحن التي اعترضَت طريق هذا العلّامة المجاهد:

في مؤامرة حِيكَت ضده في القاهرة سنة 705ھ؛ تم استدعاؤه إلى مصر من قِبَل السلطان بيبرس الجاشنكير، فتوجّه إليه فبلغَ القاهرة في رمضان، فإذا به بمَجلسٍ أُعدَّ خِصِّيصًا له بالقلعة، وقد اجتمع أكابر الدولة والقُضاة، ومُنِع من الكلام في المجلس، وكان من ضمن الحاضرين قاضي المالكية ابن مخلوف المالكي، وهو من أشدّ خصوم ابن تيمية، وكذلك نصر المنبجي الصوفي الحلوليّ الاتحادي الضِّال المُبغِض لابن تيمية ومنهجه، فاتهموه في مسائل تتعلق بفتواه في مسائل العرش والكلام والنزول، وما إن بدأ شيخ الإسلام بالكلام حتي استوقفوه وقاطعوه، ولما رفض أن يَقضي ابن مخلوف في محاكمته كَونه خصمًا له، غضبَ ابن مخلوف غضبًا شديدًا، وأصدر حكمًا بالحبس عليه، فحُبس في سجن كان معروفًا باسم سجن الجبِّ، ولم يخرج منه إلا سنة 707ھ بشفاعة ملك العرب الأمير حسام الدين مهنا.

وفي محنته التالية؛ تم نفيه من القاهرة إلى الإسكندرية سنة 709ھ، حيث سُجِن فيها لمدة سبعة أشهر، وذلك بسبب بعض الشكاوي التي قُدِّمت ضده للقاضي، بأنه يتناول بعض أعلام الصوفيَّة القائلين بوحدة الوجود بالنقد مثل: ابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، والقونوي.

وسُجِن ابن تيمية عدّة مراتٍ بدمشق؛ ومن أشهرها عندما سُجِن سنة 720ھ، بسبب فتواه الشهيرة بأن الطلاق ثلاثًا بلفظةٍ واحدةٍ يُعتبر طلقةً واحدةً، وأن الحَلِف بالطلاق يقع يمينًا إذا لم ينوِ به الطلاق، فثار عليه علماء المذاهب، واجتمعوا عليه لمناقشته ومناظرته، فاحتجّ عليهم بالأدلّة، فأمر نائب السلطنة بسجنه في سجن القلعة بدمشق، ولم يخرج إلا سنة 721ھ بأمر من السلطان.

وقد سجن بعد ذلك في دمشق أيضًا سنة 726ھ، بسبب فتواه في مسألة شد الرحال وإعمال المِطيِّ إلى قبور الأنبياء والصالحين، فحُرِّفت فتواه في هذه المسألة، وانتهى به الأمر في سجن القلعة، ولم يخرج منه إلا وقد فاضَت فيه روحه الشريفة الطاهرة، إلى مثواه الأخير سنة 728ھ.

لكن ابن تيمية هذا العالِم الفذّ استطاع تجاوز كل هذه المحن، وثَبت على معتقداته وآرائه في سبيل الدين، يقول البزّار: “ولقد سُجن أزمانًا وأعصارًا وسنين وشهورًا، وَلم يولهم دُبُرَه فرارًا، ولقد قصد أعداؤه الفتك به مرارًا، وأوسعوا حيلهم عليه إعلانًا وإسرارًا؛ فجعل الله حِفْظَه منهم له شعارًا ودِثارًا، ولقد ظنُّوا أن في حبسه مشينة؛ فجعله الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه وادُّه أقر به عَيْنَيْه، فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجلَّه، ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق أجمل حُلَلِه؛ كونه حُبس على غير جريرة ولا جريمة، بل على قوة في الحق وعزيمة”.

وفاة ابن تيمية:

تُوفِّي الإمام ابن تيمية ليلة الاثنين، في العشرين من ذي القعدة سنة 728ھ، في مَحبسه بقلعة دمشق، عن عمرٍ يناهز 67 سنةً، وكانت جنازته التي خرجت من جامع دمشق حاشدةً وشاهدةً على حُسن خاتمة رائد أئمة أهل السُّنة، فلم تعهد دمشق حينها مثل جنازته المشهودة، وشُيّع جثمانه فوق بحرٍ من دموع المُشيِّعين، الذين بلغ عددهم أكثر من خمسمائة ألف شخص، فازدحموا على أبواب المدينة، وتقدَّم أخوه عبد الرحمن في الصلاة عليه، ودُفِن إلى جانب أخيه عبد الله بمقابر الصوفيّة، وقد ذكر المُؤرخون أنه لم يُسمع بجنازة بمثل هذا الحشد الهائل إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)