الحرب العثمانية الصفوية في عهد مراد الثالث

الحرب العثمانية الصفوية في عهد مراد الثالث

أ.د. راغب السرجاني

اضطرابات في الدولة الصفوية، وحربٌ أهليَّة في إيران: (1576-1577م)

مات الشاه المخضرم طهماسب الأول في 14 مايو 1576م بعد حكمٍ دام اثنتين وخمسين سنةً كاملة، وهي أطول فترة حكمٍ في التاريخ الصفوي، وكان قد مرض بشدَّةٍ في السنتين الأخيرتين من عمره، وهذا دفع الورثة إلى تكوين الأحزاب المختلفة للتصارع على الحكم بعد رحيل الشاه الكبير [1].

دخلت إيران بعد وفاة الشاه في حروبٍ دمويَّة، ووصل إلى حكمها الشاه إسماعيل الثاني Isma'il II ابن طهماسب الأول؛ ولكن الحرب الأهليَّة لم تتوقَّف بولايته. في 24 نوفمبر 1577م مات الشاه إسماعيل الثاني فجأةً دون سابق مرض، وكان في الأربعين من عمره، ويُشتبه في موته مسمومًا [2]، وبعد ثلاثة شهور من الصراعات تولَّى بعده أخوه الأكبر الشاه محمد خُدابنده Mohammad Khodābandeh، وكان تقريبًا فاقدًا للبصر، ويتَّسم بضعفٍ شديدٍ في الشخصيَّة [3]، وهذا دفع البلاد إلى اضطراباتٍ أكثر، وإن ظلَّ هذا الشاه في الحكم حتى عام 1587م. لا شَكَّ أن هذه الأحداث صبَّت بقوَّةٍ في صالح الدولة العثمانية؛ بل ستُغريها هذه الاضطرابات إلى التفكير الجدِّي في غزو إيران والولايات التابعة لها؛ كما سيتبيَّن.

بدء الحرب العثمانية الصفوية: (1578م)

كانت الدولة العثمانية من القوَّة في هذه المرحلة التاريخيَّة بحيث تشترك جيوشها في معارك كبرى في أقصى غربها، وفي الوقت نفسه تُحارب في معارك شديدة في أقصى الشرق، وتُحقِّق النصر هنا وهناك! حدث هذا في هذه السنة، 1578م؛ حيث حقَّق العثمانيون -بالاشتراك مع المغاربة- النصر على البرتغاليِّين في معركة وادي المخازن، وفي الشهر نفسه -أغسطس- كانت جيوشهم تتقدَّم منتصرةً في چورچيا، وأذربيچان، وإيران، محاربةً للدولة الصفوية، كلُّ هذا على الرغم من الضعف الظاهر على السلطان مراد الثالث؛ ممَّا يعكس لنا قوَّة «الإدارة» العثمانية في هذه الفترة، وعظمة الميراث الذي تركه سليمان القانوني وأسلافه.

وبالقدر الذي نمدح فيه الساسة العثمانيِّين على موقفهم في حرب البرتغاليِّين في المغرب، وعلى رؤيتهم الواضحة في هذه المسألة، فإنني في الواقع ألوم عليهم في الدخول في هذه الحرب الصفوية التي لم تكن تحمل رؤيةً مستقبليَّةً جيِّدةً أو واضحة؛ ومِنْ ثَمَّ أغرقت الدولة في مستنقعاتٍ خطرة، على الرغم من تحقيق الانتصار في المعارك الحربيَّة!

إن حروب الدولة العثمانية ضدَّ الدولة الصفوية لم تكن حروبًا ذا رؤيةٍ واضحةٍ ومحدَّدة؛ إنما كانت كحروب الكرِّ والفرِّ، التي تُحْدِث الإنهاك والتعب لطرفٍ على حساب آخر؛ ولكن يبقى الوضع في معظم الأحوال على ما هو عليه. إنه بعد أكثر من قرنين من الحروب العنيفة المتواصلة ظلَّت إيران بحدودها الجغرافيَّة الغربيَّة (مع الدولة العثمانية)، ومذاهبها العقائديَّة، كما هي دون تغييرٍ تقريبًا، وظلَّت الدولة العثمانية، بحدودها الجغرافية الشرقية (مع إيران)، ومذاهبها العقائديَّة، كما هي كذلك.

لم تكن التعديلات ذات جدوى إن وُجِدت أصلًا، على الرغم من الأرواح، والأموال، والجهود، والأوقات، التي بُذِلت في هذه الصدامات الكبرى. لم يكن عند الدولة العثمانية خطَّةٌ واضحةٌ طموحةٌ لابتلاع إيران؛ كما حدث مع بلغاريا، أو الشام مثلًا، ولم يكن لديها خطَّةٌ واضحةٌ لتغيير المذهب العقائدي في إيران؛ كما فعلت في البوسنة مثلًا، ولم يكن عندها خطَّةٌ واضحةٌ لتغيير التركيبة السكانيَّة عن طريق التهجير؛ كما فعلت في القسطنطينية أو قبرص مثلًا؛ إنما كان غاية ما هنالك أن تضمَّ بعض الأراضي لسنةٍ أو سنتين، أو عقدٍ أو عقدين، ثم ما تلبث إيران أن تستعيد ممتلكاتها؛ ليرجع الوضع إلى سابق عهده على الرغم من التضحيَّات التي بُذلت. حدث هذا في زمان سليم الأول، وابنه سليمان القانوني، وحدث هذا في زمان مراد الثالث وابنه محمد الثالث، وسيحدث في زمان بقيَّة السلاطين حتى سقوط الدولة الصفوية في عام 1736م، حتى بعد سقوطها سيظلُّ الوضع الجغرافي والعقائدي لإيران كما هو دون تغييرٍ يُذكر.

هذا الوضع السلبي ناتجٌ عن غياب الرؤية الصحيحة، وبالتالي تؤخذ الخطوات بشكلٍ عشوائي، ولا يترتَّب عليها نتائج ذات قيمة، وهذا لا يُؤثِّر على الجبهة الإيرانيَّة فقط؛ بل يُؤثِّر على الدولة ككل. إنَّنا نُعيد ما ذكرناه من قبل، من حقيقة أنه لولا الغرق في المستنقع الإيراني لفتح العثمانيون وسط أوروبا، بل وغربها! كما يمكن القول: إن فشل الدولة العثمانية في حسم مسألة إيران راجعٌ إلى فتحها لملفَّات الدول العربيَّة المسلمة أصلًا، وكذلك يرجع إلى انشغال الدولة في حروبها الكثيرة في أوروبا، وكان على الدولة العثمانية أن تُرتِّب أولويَّاتها بشكلٍ واضح، وتتعامل مع الأمور برؤيةٍ شاملة، وبخطَّةٍ منظَّمة يسير عليها كافَّة السلاطين، ولا تكون خاضعةً لأهواء حاكم، أو رغبات قائد. كانت الأولويَّات الصحيحة -من وجهة نظري- هي أوروبا أولًا، ثم إيران ثانيًا، ثم بقيَّة الدول الإسلامية في آسيا وإفريقيا ثالثًا.

هذا التحليل الذي ذكرتُه في السطور السابقة يُوضِّح لنا أن اختيار التوقيت الذي تتمُّ فيه الحرب، وبرنامج الدولة بعد اشتعال الحرب، لم يكن واضحًا تمامًا، إنما كان يخضع للظروف، وبشكلٍ عشوائي! ولقد حدث في عام 1578م أن قرَّر الأوزبك الأتراك، وكانوا يحكمون المناطق الآسيويَّة شرق إيران؛ في أفغانستان، وأوزبكستان، ومركزهم الرئيس في بخارى وسمرقند، قرَّروا غزو الدولة الصفوية من شرقها لاحتلال إقليم خراسان الإيراني؛ ومِنْ ثَمَّ تواصل هؤلاء مع ساسة الدولة العثمانية لضرب الدولة الصفوية في وقتٍ واحدٍ من الشرق والغرب [4]. تزامن هذا مع رغبة الصدر الأعظم محمد صوقللو باشا في القيام بحروبٍ عسكريَّةٍ تشغل الإنكشارية، الذين يُطالبون بزيادةٍ في رواتبهم، ويرغبون في زيادة ثرواتهم عن طريق الغنائم [5]! لم يكن هذا هدفٌ شرعيٌّ مقبولٌ يُسَوِّغ إحداث حربٍ كبرى؛ لكنَّه كان الواقعَ المرَّ الذي وصلت إليه الإنكشاريَّة بعد مُضيِّ عقود على غزواتهم الجهاديَّة الحقيقيَّة! إن تغيُّر أيديولوجيَّة الدولة من الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الدين، إلى الحرب من أجل الغنيمة والتوسُّع، لهو تغيُّرٌ كبير، ولسوف تترتَّب عليه نتائج كبرى في مستقبل الدولة.

ومع رغبة الصدر الأعظم في شغل الإنكشارية بالحرب إلا أنه كان معارضًا للحرب مع إيران تحديدًا [6]؛ غالبًا لكون البلاد واسعة، وذات جغرافيَّةٍ وعرة، والسيطرة عليها صعبة، خاصَّةً مع شيعيَّة شعبها، ومع ذلك صمَّم السلطان مراد الثالث على حرب الدولة الصفوية، ويبدو لي أنه كان يُريد مخالفة الصدر الأعظم الذي صار متحكِّمًا في الدولة بشكلٍ لافت. أُرسِل جيشٌ عثمانيٌّ كبيرٌ بقيادة مصطفى لالا باشا لحرب الدولة الصفوية. كان هذا في شهر أغسطس 1578م؛ أي في الشهر نفسه الذي دارت فيه موقعة وادي المخازن في المغرب. اختار الجيش العثماني أن يبدأ باختراق جورجيا التابعة للدولة الصفوية، وتقع في شمالها، وتمكَّن مصطفى لالا باشا من هزيمة الجيش الصفوي الجورجي في معركة چلدير Çıldır في 9 أغسطس؛ ومِنْ ثَمَّ استطاع دخول العاصمة الچورچية تفليس Tiflis (الآن Tbilisi) في 24 أغسطس من السنة نفسها [7].

بعد هذه الانتصارات أعلن ألكسندر Alexander أمير جورجيا قبوله لدفع الجزية إلى الدولة العثمانية بدلًا من الصفوية؛ ومِنْ ثَمَّ دخلت جورجيا في التبعيَّة العثمانية [8]. توجَّه مصطفى لالا باشا بعد ذلك إلى الجنوب؛ حيث تمكَّن من ضمِّ إقليم داغستان (في روسيا الآن)، ومدينة شيروان المهمَّة في أذربيجان، وبذلك يكون العثمانيون قد ضمُّوا معظم الأراضي الواقعة في غرب بحر قزوين قبل أن يُقْبِل شتاء 1578م [9]، ويُعتبر هذا نجاحًا كبيرًا لهذه الحملة العسكريَّة السريعة.

استئناف الحرب العثمانية الصفوية: (1578-1590م)

على الرغم من هذا النجاح المبكر للحملة العثمانية على الدولة الصفوية في عام 1578م فإن السنوات الخمس التالية لم تشهد إلا معارك صغيرة لم تنتهِ بشكلٍ حاسمٍ لأحد الطرفين، وإن كان الصفويون قتلوا عددًا كبيرًا من السُّنَّة المدنيِّين في چورچيا وإيران كنوعٍ من الضغط على العثمانيِّين [10]. ومع ذلك فقد حقَّق العثمانيون نصرًا كبيرًا في عام 1583م في معركةٍ بالقرب من مدينة دِربِند Derbend الداغستانية عُرِفَت بمعركة المشاعل Battle of Torches؛ حيث استُخدمت فيها المشاعل ليلًا لاستمرار القتال بشكلٍ متواصل لمدَّة ثلاثة أيام من 9 إلى 11 مايو عام 1583م [11][12]، وبعد هذه المعركة أحكم العثمانيون سيطرتهم على إقليم داغستان، إلى آخر أيام الحرب [13].

حدث تطوُّرٌ مهمٌّ في الحرب في عام 1585م عندما استطاع العثمانيون دخول مدينة تبريز[14]، وهي العاصمة القديمة للصفويين، ومن المدن المهمَّة في شمال غرب إيران، وبعدها بثلاثة أعوام، وفي 1588م، انقلب الأمير عباس ابن الشاه الصفوي محمد خدابنده على أبيه؛ ليتولَّى العرش تحت اسم الشاه عباس الأول، وهو في السابعة عشرة من عمره [15]، وهو من الشخصيَّات المهمَّة جدًّا في التاريخ الصفوي. كان الشاه عباس الأول سياسيًّا حكيمًا؛ فأدرك أنه لن يستطيع أن يُحارب الأوزبك في الشرق في وقتٍ متزامنٍ مع حربه للدولة العثمانية في الغرب، فقرَّر قبول معاهدة -يمكن أن تُسمَّى «مخزية»- مع الدولة العثمانية، ليتفرَّغ لحرب الأوزبك، وعلى الأغلب كان يُضمر في نفسه أن يضرب بمعاهدته مع العثمانيِّين عرض الحائط عندما تتوفَّر له القوَّة، وحينها يستعيد كلَّ ما تنازل عنه، وقد كان له في الواقع ما أراد، فكانت البداية بمعاهدة إسطنبول عام 1590م، وهي المعاهدة التي أنهت حرب الاثني عشر عامًا بين الصفويين والعثمانيين بعد أن أُنهِكت تمامًا قوى الطرفين.

معاهدة إسطنبول مع الدولة الصفوية: (1590م)

قَبِل الشاه عباس الأول الاتفاق السلمي غير المشروط مع الدولة العثمانية، وبعد مباحثاتٍ سريعةٍ وُقِّعت المعاهدة بين الطرفين في إسطنبول في 21 مارس 1590م. وافق الصفويون في هذه المعاهدة على أن تمتلك الدولة العثمانية «كلَّ» ما استطاعت أن تحتلَّه في الحرب الأخيرة، ويشمل هذا كلَّ جنوب القوقاز؛ أي چورچيا، وأذربيچان، وإقليم داغستان الروسي، وأرمينيا، وبعض المدن في شمال غرب إيران، منها تبريز، وشمال العراق، مع الاعتراف بملكيَّة الدولة العثمانية لبغداد كذلك [16]. هذا الاعتراف زاد من مساحة الدولة العثمانية بحوالي 590 ألف كيلو متر مربع [17]. أُضيف بندٌ مهمٌّ في المعاهدة يقضي بتعهُّد الحكومة الصفوية بعدم سَبِّ الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل في أرض الدولة الصفوية، كما أُضيف بندٌ آخر يقضي باحترام الدولة الصفوية لقيادات وعلماء السُّنَّة في إيران[18]، وهكذا انتهت الحرب، وسيستمرُّ السلام نتيجة هذه المعاهدة لمدَّة ثلاث عشرة سنةً حتى عام 1603م [19].

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] Roemer, H. R.: The Safavid period, In: Lockhart, Lawrence & Jackson, Peter: The Cambridge History of Iran, Cambridge University Press, New York, USA, (Volume 6, The Timurid and Safavid Periods), 1986., 1986, vol. 6, p. 248.

[2] Beale, Thomas William: The Oriental Biographical Dictionary, The Asiatic Society of Bengal, Kolkata, India, 1881., 1881, p. 123.

[3] Soudavar, Abolala: Reassessing Early Safavid Art and History: Thirty Five Years after Dickson & Welch 1981, Houston, Texas, USA, 2016., 2016, p. 30.

[4] Sicker, Martin: The Islamic World in Decline: From the Treaty of Karlowitz to the Disintegration of the Ottoman Empire, Greenwood Publishing Group, Westport, CT, USA, 2001 (A)., 2001 (A), pp. 2-3.

[5] 54. آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م، 2008 صفحة 263.

[6] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/398.

[7] Roemer, H. R.: The Safavid period, In: Lockhart, Lawrence & Jackson, Peter: The Cambridge History of Iran, Cambridge University Press, New York, USA, (Volume 6, The Timurid and Safavid Periods), 1986., 1986, vol. 6, p. 257.

[8] Pitcher, Donald Edgar: An historical geography of the Ottoman Empire from earliest times to the end of the sixteenth century with detailed maps to illustrate the expansion of the Sultanate, E. J. Brill, Leiden, Netherlands, 1973, p. 140.

[9] أوزتونا، 1988 صفحة 1/400.

[10] Sicker, Martin: The Islamic World in Decline: From the Treaty of Karlowitz to the Disintegration of the Ottoman Empire, Greenwood Publishing Group, Westport, CT, USA, 2001 (A)., 2-3.

[11] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 264.

[12] Kortepeter, Carl Max: Complex goals of the Ottomans, Persians, and Muscovites in the Caucasus, 1578-1640, In: Mitchell, Colin P.: New Perspectives on Safavid Iran: Empire and Society, Routledge, New York, USA, 2011., p. 68.

[13] فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 263.

[14] Zardabli, Ismail bey: The History Of Azerbaijan: from ancient times to the present day, Rossendale Books, London, UK, 2014., 2014. p. 289.

[15] Blow, David: Shah Abbas: The Ruthless King Who Became an Iranian Legend, I. B. Tauris, London, UK, 2009., p. 30.

[16] Mikaberidze, Alexander (Editor): Conflict and Conquest in the Islamic World: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2011 (A).vol. 2, p. 698.

[17] أوزتونا، 1988 صفحة 1/421.

[18] Newman, Andrew J.: Safavid Iran: Rebirth of a Persian Empire, I.B.Tauris, London, UK, 2012, p. 52.

[19] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 551، 557- 560، 563، 564.

التعليقات (0)