بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الأول

بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الأول

بتول حسين

توطئة:

لنتعرف على قصة المدينة الأشهر في التاريخ القديم بابل ،أعظم مدن العراق التي جسدت بصورتها المصغرة تاريخ البشرية بكل ما فيها من تقدم، ازدهار، حصار وحروب.

فما الذي حصل لبابل وجعل منها أكثر مدينة فائقة الشهرة من بين كل المدن الضائعة للحضارات السابقة.. وأبقاها ما تنفك في اجتذاب الفضول في كل وقت وحين؟ سنحاول إذا تناول تاريخها ولغز وقصة اختفائها، فمنها بدأ التاريخ البشري الذي نرى آثاره اليوم.

قامت بابل على أرض الهلال الخصيب التي يخترقها شريانا الحياة نهرا دجلة والفرات، وعلى هذه الأرض أيضاً قامت حضارات سومر، أكاد وبابل حتى أن الأساطير تقول بأنها ذات الأرض التي نزل فيها آدم وحواء من الجنة.

ويقول المؤرخون إنه في حال كانت بلاد ما بين النهرين هي مهد الحضارة البشرية؛ فمن دون أي شك أن بابل ستكون أول ثمرة لهذه الحضارة، فهي أول مدينة ذكرت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، ومنها وصل للبشرية أكثر السجلات قِدماً والتي تعود في تاريخها إلى العام (1792) قبل الميلاد والمنسوبة إلى عهد الملك حمورابي.

حمورابي القوي:

يعتبر حمورابي أشهر ملوك بابل، وهو الملك الثاني الذي يعرف بقوانينه القاسية والصارمة التي لا تراجع فيها ولا رأفة، حيث يمكن لك قراءة العبارة الأقسى والمشؤومة “سوف يتم قتله” التي نقشت على لوحة ترتفع لثمانية أقدام من الحجر البركاني الأسود، والتي تقف اليوم بين أعرق الفنون البشرية في قاعات متحف اللوفر في باريس.

في الواقع كان حمورابي هو المهندس الذي بنى بابل لتكون عاصمة مملكته التي تمتد على أرض جنوب بلاد الرافدين وجزء من مملكة آشور الواقعة شمالي العراق.

نبوخذ نصَّر:

ولكن بابل العظمى -التي تحدث التاريخ والحضارات عن اتساع رقعة أرضها- كانت مدينة نبوخذ نصر.. الملك الأكثر بطشاً وقوة، والذي قام بذبح كل من عارضه، وجمع الذهب والثروات، وذلك بعد أن استولى على العرش في سنة 605 قبل ميلاد المسيح.

بعد سلسلة من الغزوات العسكرية التي توجهت بقيادة نبوخذ نصر نحو مصر وقلب سوريا؛ توجه هذا الملك باتجاه العمل على البناء وإنتاج أكبر وأضخم مدينة سيعرفها العالم في تلك الفترة.

وبالفعل كانت الحضارة البشرية حينها أمام صرح حضاري ساحر مكون من مجموعة من المعابد والقصور المزينة بالبلاط الزجاجي الأزرق، حيث قام نبوخذ نصَّر بتزينها بنفائس الذهب والفضة مع قطع البرونز المتلألئة.

كما أحاط قطعه الفنية هذه بسور ضخم وعريض، حيث يمكن لمركبتين تجر كل منها أربعة خيول أن تسير فوق ذلك السور وبكل سهولة وانسيابية.

برج بابل:

جنون نبوخذ نصر -الذي عبر عنه في البناء الملكي الضخم- لم يتجسَّد في بنائه لنصب تذكاري يعظمه في قلب المدينة فحسب، بل إنه أمر أيضاً بأن يتم تشييد البناء الأكثر شهرة في العالم حينها وهو برج بابل، والأخير الذي يمثل التجسيد الحرفي لغطرسة البشر ورغبتهم الجارفة في تحدي الآلهة ومنافستها.

عُرف برج بابل لدى العراقيين القدامى بأنه برج يقوم على ارتفاع (91) متراً عن مستوى سطح الأرض، حيث سموه آنذاك بالزقورة (أي الجبل أو التلة العالية للتعبد) والتي كانت تلفظ باسم “ايتي مينا نكي” وهو نفس البرج الذي استقر فيه مردوخ، النمرود أو الضّحاك الظالم المتجبر المذكور في قصة النبي إبراهيم عليه السلام.

حديث العهد القديم عن البرج:

فقد كان البرج هو “البيت الذي يقع بين السماء والأرض” وبالفعل عُرف في كل العالم بأنه البناء الأعظم وخاصة عندما تم ذكره في العهد القديم “التوراة” وسمي فيها باسم برج بابل وذكر بالكلمات التالية:

أما ايتي مينا نكي، زقورة بابل التي قام نبوخذ نصر ملك بابل، والدي بوضع أساسها ورفعها على امتداد ثلاثين ذراعاً نحو السماء ولكنه لم يكمل قمتها، لأقوم أنا بالمتابعة. وليكون صرحاً عظيماً؛ فقد قمت بجلب الأرز من غابة جبل لبنان، لأقطعها بكلتا يدي وأبني بها قمته”.

أسطورة بابل:

لنعد الآن إلى قصة بابل، هذه المدينة التي نستمد معلوماتنا عنها من مزيج مما وصل إليه العلماء التاريخيين مثل هيرودوت المؤرخ اليوناني الأشهر خلال القرن الخامس قبل الميلاد، ومن الآثار الباقية إلى اليوم وما تتضمن من نصوص مسمارية على الألواح الطينية.

في الواقع يقوم المؤرخ هيرودوت بتقديم الوصف الأقدم والأكثر تفصيلاً عن بابل، وذلك ضمن مجلد واحد يتضمن عشر صفحات كاملة عن المدينة والتي يظن المؤرخون اليوم بأنها مزيج بين الحقيقة التي اطلع عليها المؤرخ اليوناني مع الخيال المحيط بها، إضافة إلى بعض العادات البشرية التي قد تجذب اهتمام الجمهور العام.

تتربع بابل على سهل واسع لتأخذ شكل مدينة مترامية الأطراف مربعة الشكل، حيث يبلغ بعدها الواحد 14 ميلا ومحيط الدائرة التي قد تحيط بالمدينة تعادل (56) ميلا، وبالإضافة إلى كبر حجمها الهائل؛ فهي بالجمال تضاهي أي مدينة حول العالم الذي نعرفه” ويبدأ هيرودوت في وصفها قائلاً:

فهي محاطة بخندق عميق وعريض يكون مملوء بالماء، وبعد الخندق يوجد سور عرضه (500) ذراعاً ملكياً ويبلغ (200) ذراعاً بالارتفاع

ومن جهة معبد مردوخالنمرود”؛ يقوم هيرودوت بوصفه بشكل تفصيلي، فقد كان المعبد هو المهيمن على قلب المدينة وخاصة من حيث تربعه على الضفة الشرقية لنهر الفرات:

كان المعبد عبارة عن بناء مربع القاعدة يمتد لثمانية أميال في كل اتجاه، حيث كانت بواباته من البرونز والمعبد نفسه كان ما زال قائماً حتى زمني، كان يحتوي في مركزه على برج مركزي من الحجارة يمتد على ثمانية أميال في كل اتجاه، وبني فوقه نصب آخر وفوقه نصب آخر حتى يعتلي الطابق الثامن”.

وزاد “من الممكن أن تقوم بتسلق الطبقات الثمانية من خلال السير بأسلوب حلزوني تدور فيه من خارجها، وضمن منتصف الطريق ستجد مقاعداً ومجالساً لمن يجد صعوبة في الانتقال والصعود ليرتاح عليها، وعند القمة ستجد معبداً كبيراً..”.

معابد وطرق:

ضمن جزء المدينة الشرقي؛ كان هناك مجموعة من المعابد الصغيرة وتحديداً بجوار أرصفة السفن التجارية، هذا الأمر يدل على الازدهار التي عاشته المدينة والانفتاح على المحيط وشبكة التجارة الواسعة.

فخلال سيرك ضمن شبكة مرتبة من الشوارع؛ ستجد الطريق الأهم وشريان الحياة للمدينة وهو طريق بروكسيال؛ وهو الطريق الذي يقودك نحو المعبد، بحيث يأخذك شمالاً لتمر من بوابة عشتار التي تتميز بمنحوتات الثيران والتنانين، لتصل في النهاية إلى موقع أكيتو وهو منزل احتفاليات العام الجديد.

ستجد غربي بوابة عشتار قصرين عظيمين بنيا على مساحة (40) فدانا، واللذان يعتبران أحد أهم دفاعات بابل الثمانية والمحصنة.

تباهى نبوخذ نصر وتفاخر ببطولاته وأعماله المعمارية وذلك عبر طلب نقشها على الطوب المخبوز والألواح الطينية بشكل موافق لتقاليد البابليين القدامى في توثيق أعمالهم العسكرية، والتي أعطت المدينة قيمة كبيرة، واليوم تعتبر الأدلة على عظمتها.

في أحد هذه الألواح؛ وصف نبوخذ نصَّر إنجاز العمل العظيم الذي تم إتمامه في الطريق المذكور والبوابتين، حيث يقول النص:

لقد قمتُ بوضع أسسها من الطوب والملاط لنكسوها ببلاط مزجج باللون الأزرق اللامع والتي تضمنت صوراً للثيران ولتنين مهيب زين المدخل. ثم تم إحضار اشجار الأرز الضخمة ليتم وضعها في السقف، ورفعت أبواب من شجر الأرز الضخمة والتي تم طلاؤها بطبقة من البرونز مع مفاصل ومقابض نحاسية، ومعها وجدت تماثيل برونزية للثيران والأفاعي المهيبة التي نُصبت على العتبات، بالفعل كانت البوابتان المزخرفتان قادرتين على ادهاش كل الرجال، حتى لا تقترب المعارك من بوابة – إمجور بل – لبابل”.

بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الثاني

المصدر: موقع تاريخ com

التعليقات (0)