بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الثاني

بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الثاني

بتول حسين

الهجوم على فلسطين:

خلال سنة 597 قبيل الميلاد؛ قام الملك البابلي نبوخذ نصر بشن هجوم عسكري على مدينة القدس والسيطرة عليها، وهنا يقوم سفر الملوك الملحق بالعهد القديم بوصف ما حدث بعد الهجوم بالقول: “قام بحمل كل أورشليم، جمع كل أمراءها، وكل المقاتلين الجبابرة، أخذ معه قرابة عشرة آلاف أسير، حتى أنه أخذ كل الحرفيين والحدادين، فلم يبق منهم أحداً في المدينة سوى أفقر جماعة من أهل المدينة”. (حسب ما أوردته الترجمة ولا نتبناه).

لم يحتج الأمر سوى القليل من المخيلة لترى السجناء وهم يعملون كالعبيد في مشاريع هذا الملك المصاب بجنون العظمة، حيث كانوا يجهدون في سبيل تشييد ما تخيله من صور وأصنام ضخمة تقديساً لنفسه وليتم التعبد الجماهيري الشعبي وتقديم الذبائح القائم على عذابات وتعب الأسرى، كان نبوخذ نصر يقوم بتزيين عاصمته بأكثر الأبنية بذخاً وغنى في تلك العصور.

ولسبب لا يمكن تفسيره؛ لم يقم هيرودوت بذكر حدائق بابل المعلقة والتي كانت إحدى عجائب العالم القديم، حتى أن المؤرخ الصيقلي ديودوروس -الذي عاش القرن الأول قبل الميلاد- قال إن أشهر العجائب المائية في العالم ولدت من قصة حب رجل واحد لامرأة:

لقد كان هناك أيضاً حديثة معلقة، بالقرب من القلعة، لم تُبنَ في زمن سمير أميس ولكن تم بناءها في زمن أمير لاحق يسمى سايروس والذي أمر ببنائها لأجل المحظية التي أحبها والتي – كما يقولون – كانت من بلاد الفرس، حيث ولِدت هناك على قمم الجبال، فأراد الأمير أن يبني لها جبل مزروعاً واصطناعياً ليقلد الأراضي التي تشتهر بها بلاد فارس”.

وتروي القصص الأخرى أن هذه الحدائق المدرَّجة التي تقوم بتحدي الجاذبية والبيئة، كانت بمثابة هدية نبوخذ نصر لزوجته أميتيس، بينما يظن آخرون من علماء الآثار أن الحدائق لم تتواجد أصلاً، بل كان الحديث عنها ضمن قصة ملحمية تفترضها الأسطورة المحيطة بالمدينة.

تقاليد وممارسات:

ولكن في المقابل؛ يقوم هيرودوت بكتابة جميع جوانب الحياة في بابل، كما أنه فصل كل جغرافيتها والحرف التي تشتهر بها، من تقاليد العاملين في صناعة الطوب، وأساليبهم في بناء الجدران الخارجية والأسوار، بالإضافة إلى تخطيط الشوارع والمحاصيل التي تمت زراعتها (من قمح، شعير، الدخن، السمسم والتمور) بالإضافة إلى استعمالات أهل المدينة لشجر النخيل ورطبه من طعام، نبيذ وعسل.

كما ذكر المؤرخ كل الممارسات الاجتماعية الدينية والعلاقات بين السكان، وتناول كذلك أنواع القوارب التي استعملت في التنقل بين ضفتي نهر الفرات.

كما قد ذكر كيفية بناء الأسوار الضخمة التي أحاطت بالمدينة، وأنها كانت من القرميد أو الطوب المصنوع من الطين والصلصال المخبوز بالنار والذي يُغطى بالقار الساخن، وفي الواقع يمكن أن نرى هذه القطع من الجدران القديمة في الموقع، وفي المتحف، أو ضمن المواقع الأثرية الأخرى المحاذية.

نساء بابل:

من قصص العادات التي ذكرها هيرودوت والتي تعد إحدى أطول قصصه، تلك التي تتحدث عن النساء في بابل والتي سَرَدَها تحت عنوان “الخزي التام” فهي ممارسة كانت معروفة بين العامة وتقوم بها نساء بابل؛ “سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة؛ فقد كان عليها عند سن معينة أن تجلس أمام المعبد حتى يقوم رجل برمي عملة فضية في أحضانها لتتمكن من العيش التمام ”تقاليد المعاشرة والزواج”، فبعد إلقاء القطعة في حضنها كانت المرأة تمتلك حريتها للعودة إلى منزلها، وحينذاك، كانت النساء الجميلات ترجعن إلى المنزل مباشرة، أما اللواتي لم يمتلكن نصيباً من الجمال فكان من المحتمل أن تنتظر إحداهن ثلاث أو أربع سنوات أمام المعبد تنتظر من يعجب بها ويرمي لها عملة فضية”.

إرث مدينة بابل:

عندما ننظر اليوم إلى قصة وسيرة مدينة بابل من النشأة إلى الانحسار؛ نجدها مزيجاً لثنائيات متنافرة من التراجع والتقدم، للحرب والسلم، للرحمة وللتجبر، هي مزيج من الجشع، الغطرسة، جنون العظمة، نشأة الإمبراطورية وبالنهاية الاضطهاد الديني.

إرث بابل باختصار هو تجسيد مصغر للحضارة الإنسانية بكل ميزاتها وعيوبها، للثروة والمجد المعماري، فهي تعبر عن أرقى الصفات البشرية التي نمتلكها وأكثر قبحاً.

الاحتلال الأميركي:

وخلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003م، زادت الأضواء المسلطة على بابل لتعرِّف العالم برمته بقصصها وتاريخها وانحسارها، باعتبارها المدينة الام ومولد الحضارة الإنسانية التي نملكها جميعاً.

فخلال حرب اجتياح العراق؛ تعرضت المواقع البابلية لضرر كبير نتيجة مرور المدرعات فوقها، وهي تلك الآليات الثقيلة التي تسحق الطوب الأثري تحت جنازير دواليبها الفولاذية.

كان الأسوأ من ذلك هو بناء القاعدة البولندية في بابل خلال سنة 2003م، ناهيك عن مساهمة اللصوص في سرقة التماثيل البرونزية والحجرية للتنانين التي شمخت لأكثر من ألفي سنة في موضعها الأصيل، حيث أقدم السارقون على تقطيعها من بوابة عشتار، لينهبوا ويفسحوا المجال للمدرعات بالمرور.

فهذا التصرف المهين يعادل أن تقوم مثلاً بإنشاء معسكر مُدمِّر ومستهتر أمام أهرامات الجيزة أو في منطقة ستونهينج الأثرية وهو شيء يدمي القلب، ويدمر برائحة البارود الذاكرة البشرية العميقة.

إن دخلت عبر بوابة عشتار؛ ستجد آثار سايروس العظيم والإسكندر المقدوني اللذان قاما باحتلال بابل في سنتي 539 و331 قبل الميلاد على التوالي.

ومما يذكر أن الإسكندر الكبير أمر بأن يتم هدم الزقورة لتختفي وتتلاشى قبل أن يقوم أحد بترميمها أو إعادة بنائها، بينما البوابة الملونة اليوم تعتبر نسخة طبق الأصل والتي قام برسمها وتصميمها علماء الأثار الألمان وذلك سنة 1914م.

فقدان البريق:

إن أجزاءً من الطريق العظيم تخلت عن بريقها الزجاجي الذي كان يتوهج تحت أشعة الشمس كأسنان تنين مخيف تلاشى مع ذكرى ثورات وفتوحات نبوخذ نصر، لتحط طيلة قرون من بعد الأخير أفواج من الحمام أسست مستعمراتها على جدران مدخل مدينته لتسكن فيها وتتغذى من محيطها على مر السنين.

سيكون من السهل جداً أن يخيب ظنك عندما تأتي وترى كل هذه العظمة التي أفل نجمها وشوهت بفعل الحروب التي كانت تتكرر بشكل دوري على هذه الأرض منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث تتراجع قوى وتظهر أخرى جديدة.

ومن جهة بابل؛ سنرى أن القوى لا تقوم بصناعة التاريخ بنفس قدرتها على تشويهه ومحوه بشكل كامل؛ وبابل نموذجا على ذلك.

نعم يمكن القول بأن التلاشي لم يكن تاماً فيُذكر لعهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين محاولته ترميم آثار بابل بجمع العلماء المحترفين من حول العالم ليترك على الأقل لمواطني هذا البلد العريق شيئاً من تاريخهم ينظروا إليه بين كل التلال الحزينة وأنقاض الحروب التي لا تنتهي.

وعلى الرغم من وجود الأنقاض القديمة المتلاشية بفعل دورات متكررة من التدمير وإعادة الإعمار إلى جانب فقداننا اليوم لسمات الإنسانية والشعور بعمق هذا الإرث، غير أن بابل ستبقى دائماً موجودة.

بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير – القسم الأول

المصدر: موقع تاريخ com

التعليقات (0)