شنترين.. فردوس البرتغال المفقود – القسم الأول

شنترين.. فردوس البرتغال المفقود – القسم الأول

مدينة شنترين Santarem إحدى الحواضر الإسلامية في بلاد الأندلس وأشهر فراديس البرتغال المسلمة، والتي شهدت نهضة كبيرة طوال تاريخها الإسلامي منذ افتتاحها سنة 94هـ / 713م، وحتى سقوطها بيد النصارى البرتغاليين سنة 542هـ / 1147م، ومما يزيد من افتخارها وعلو منزلتها انتساب الكاتب الكبير والمؤرخ العظيم ابن بسام الشنتريني صاحب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" إليها.

الموقع الجغرافي:

تقع مدينة شنترين Santarem الأندلسية في شمال شرقي أشبونة "لشبونة Lisboa عاصمة البرتغال" وتتبع ولاية إسترمادوره البرتغالية، وهي تقع على ضفاف نهر تاجُه أطول أنهار شبه الجزيرة الآيبرية.

قال عنها ياقوت الحموي: "شَنْتَرِينُ مدينة متصلة الأعمال بأعمال باجة في غربي الأندلس، ثم غربي قرطبة وعلى نهر تاجُه قريب من انصبابه في البحر المحيط، وهي حصينة، بينها وبين قرطبة خمسة عشر يومًا، وبينها بين باجة أربعة أيام، وهي الآن للأفرنج، مُلكت في سنة 543هـ".

الفتح الإسلامي لمدينة شنترين:

وشنترين مدينة قديمة ترجع إلى العهد الروماني، واسمها القوطي القديم سانتا إيرينه، واسمها اليوم سنتريم Santarem، وقد نطقها المسلمون شنترين لقرون حتى دخلت في حوزة مملكة البرتغال. فتحت شنترين ضمن سلسلة المدن والبلدات التي فتحها القائد عبد العزيز بن موسي بن نصير، فاتح البرتغال، ففي الوقت الذي كان موسى بن نصير وطارق بن زياد يقومان بفتوحاتهما في شمالي الأندلس، كان عبد العزيز يقوم بفتح وسط البرتغال، فقد عاد عبد العزيز إلى إشبيلية، ومن ثم إلى مارِدَة، حيث ولاّه أبوه القيادة العامة للبلاد المفتوحة، ومن باجَة زحف إلى يَابُرَة (Evora) وشَنْتَرِيْن (Santaren) وقُلُمْرِيَّة (Caimbra)، وظلّ متجهًا إلى أقصي الغرب، بقصد ملاقاة الفرق الإسلامية في أَسْتُرْقَة (Astorga)، وقد قام عبد العزيز بهذا الفتح قبل رحيل أبيه موسى من الأندلس إلى دمشق: "فلم يبق في الأندلس بلدة دخلها المسلمون بأسيافهم، وتصيّرت ملكًا لهم، إلاّ قسّم موسى بن نُصير بينهم أراضيها، إلاّ ثلاثة بلاد، وهي: شَنْتَرِيْن وقُلُمْرِيَّة في الغرب، وشَيَّة Huesca في الشرق، وسائر البلاد خُمِّسَت وقُسِّمت بمحضر التابعين الذين كانوا مع موسى بن نُصير"، ومعنى هذا أن عبد العزيز افتتح شَنْتَرِيْن وَقُلُمْرِيَّة صلحًا، وقد تمّت فتوح عبد العزيز بن موسى خلال سنة 94هـ / 713م، وسنة 95هـ / 714م، أي حين كان أبوه موسى واليا على الأندلس.

وعرفت شنترين خلال تلك الفترة ازدهارا ثقافيا واقتصاديا، حيث انتشر العرب والبربر في نواحي شنترين وانصهروا مع أهلها الذين تبنوا عادات وتقاليد الفاتحين إلى حد كبير، وتكاثر عددهم، وشكلوا قوة فاعلة في المجالين السياسي والاقتصادي، على أن امتزاج هذه العناصر لم يتم دائما في سهولة ويسر، ولهذا لم تخل حياة البرتغال الإسلامية خلال القرنين الأولين من ثورات عنيفة مما أتاح الفرصة لبدء ما يسمي بحرب الاسترداد.

وكانت شنترين في أيام المسلمين نظرًا لحصانة موقعها في منعطف النهر، من المراكز الأمامية للمعارك المستمرة بين المسلمين والنصارى، ولها في ميدان الجهاد تاريخ مؤثر.

في عهد بني الأفطس من ملوك الطوائف:

وعندما سقطت الدولة الأموية في الأندلس في سنة (422هـ/1031م)، وأعلن الوزير أبو الحزم بن جهور انتهاء رسم الخلافة جملة لعدم وجود من يستحقها، وأعقب ذلك فترة من الاضطرابات والتناحر بين أهل الأندلس أدت إلي ظهور دويلات صغيرة متنازعة، فقد استقل كل أمير بناحيته وأعلن نفسه ملكا عليها، فدخلت البلاد بذلك في عصر جديد هو عصر ملوك الطوائف، وكانت منطقة غرب الأندلس من نصيب بني الأفطس، حيث كانت مملكتهم تشمل أراضي البرتغال كلها تقريبًا حتى مدينة باجة في الجنوب، وكانت العاصمة بطليوس تتوسط هذه الرقعة الكبيرة التي تشمل عدا العاصمة، عدة مدن هامة أخري مثل ماردة، ويابرة، وأشبونة، وشنترين، وشنترة، وقُلُمرية، وبازو، وغيرها.

وقد عاشت شنترين عصرها الذهبي في عهد دولة بني الأفطس الذين اتخذوا من بطليوس وباجة وشنترين مقرًا لحكامهم، وبعد مرور أربعة قرون على الفتح الإسلامي، ظهر المرابطون على أرض المغرب (448هـ - 541هـ/ 1056 - 1147م)، ويعتبر يوسف بن تاشفين مفخرة هذه الدولة، فعندما دانت له بلاد المغرب، هب لإنقاذ الإسلام من الخطر الداهم الذي أصاب بلاد الأندلس، حيث تمكن ملك قشتالة الفونسو السادس من الاستيلاء على طليطلة سنة (478هـ / 1085م)، وفرض الجزية على كبار ملوك الطوائف، أمثال المعتمد بن عباد في إشبيلية والمتوكل بن الأفطس في بطليوس، وغيرهما، وحينئذ لم ير هؤلاء بدا من الاستنجاد بيوسف بن تاشفين الذي لبى النداء، فعبر البحر بجيوشه إلى الأندلس فنزل في الجزيرة الخضراء وقام بتحصينها وما يتبعها من قواعد عسكرية أخرى على المضيق مثل جبل طارق وطريفة، ثم زحفت الجيوش نحو إشبيلية ثم بطليوس بغية لقاء العدو الذي أسرع هو الآخر بجيوشه نحو تجمعات المسلمين من المغاربة والأندلسيين، فالتقى بهم في الشمال من بطليوس عند فحص الزلاقة الذي يعرف اليوم باسم (SAGRAJASS)، وهناك دارت المعركة الفاصلة بين الفريقين في منتصف رجب سنة (479هـ / 23 أكتوبر 10866م) حيث انتصر المسلمون انتصارا باهرا.

وبسبب حالة الارتباك والفراغ الذي خلفه غياب المرابطين عن الأندلس، نشأت مملكة البرتغال المسيحية في غرب الأندلس لتلعب الدور نفسه الذي لعبته مملكة قشتالة ضد المناطق شرق ووسط الأندلس، ونظرا لموقع شنترين الحصين فقد زاد عليها عبء مواجهة الممالك المسيحية الشمالية، وكان ألفونسو السادس ملك قشتالة ينوي الاستيلاء على بطليوس، فرغم هزيمته في الزلاقة فإنه لم يتوان عن هجماته علي غرب الأندلس، حيث سار في قواته إلى مدينة شنترين من أعمال ولاية الغرب واستولى عليها سنة 486هـ / 1093م، وقد وقع ذلك فيما يبدو خلال غزو المرابطين لمملكة بطليوس، التي كانت شنترين من أعمالها، ونحن نعرف أن بطليوس سقطت في أيدي المرابطين في صفر سنة 487هـ / مارس 1094م.

في عهد المرابطين:

وبعد الزلاقة عمل المرابطون على ضبط أمور الأندلس، واسترجاع المدن التي سيطر عليها البرتغاليون، وكانت شنترين من بين تلك الأهداف، ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تحت أسوار طليطلة سار جيش مرابطي زاخر بقيادة الأمير سير بن أبي بكر والي إشبيلية صوب الغرب إلى أراضي البرتغال، حيث اتخذ المرابطون من مدينة بطليوس قاعدة عسكرية تخرج منها الحملات الجهادية صوب الشمال إلى أراضي مملكة البرتغال، وكانت هذه المملكة النصرانية الجديدة الناشئة في كنف قشتالة، قد بدأت في ظل أميرها هنري البرجوني (الرنك)، صهر ملك قشتالة ألفونسو السادس وزوج ابنته غير الشرعية، تريسا (تريزا)، تنمو ويشتد ساعدها بسرعة، وكانت قاعدتها يومئذ قُلُمرية، ومن ثم فإن الرواية الإسلامية تعرف أميرها "بصاحب قُلُمرية"، وكانت يومئذ تضم عدة من القواعد الإسلامية القديمة من قواعد ولاية الغرب.

فسار الأمير سير في قواته صوب بطليوس، ثم زحف على يابُرة وافتتحها على الفور، ثم قصد إلى أشبونة فاستولى عليها هي وضاحيتها شنترة، وسار بعد ذلك شمالا، واستولي علي مدينة شنترين، الواقعة علي نهر التاجُه، ويستفاد من الرسالة التي وجهها سير بفتح هذه المدينة إلى أمير المسلمين، وهو من إنشاء كاتبه الوزير أبي محمد عبد المجيد بن عبدون، أن المرابطين هاجموها أولا فاستعصت عليهم، فضربوا حولها الحصار حتى سلمت، وكان قد قتل من حاميتها عدد كبير، فسلم الباقون، وأسروا سائر من بها، وقد كانت شنترين حسبما ورد في هذه الرسالة من أعظم قلاع الغرب وأكثرها مواردا لوقوعها في بسيط وافر الخصب، ووصل سير في زحفه نحو الشمال إلى مقربة من مدينة قلمرية عاصمة الإمارة، ولم تستطع القوات البرتغالية بقيادة الكونت هنري دفعًا للقوات المرابطية الغازية، وكان افتتاح المرابطين لهذه القواعد الغربية في سنة 504هـ / 1111م.

ومما جاء في الرسالة التي كتبها الوزير ابن عبدون إلى الخليفة علي بن يوسف بن تاشفين يخبر فيها بفتح مدينة شنترين بقيادة سير بن أبي بكر، يقول: إنها "من أحصن المعاقل للمشركين، وأثبت المعاقل على المسلمين، أرحب المدن أمدا للعيون، وأخصبها بلدا في السنين، ولا يَرِيمها الخصب ولا يتخطاها، ولا يرومها الجذب ولا يتعاطاها، فروعها فوق الثريا شامخة وعروقها تحت الثرى راسخة، تباهي بأزهارها نجوم السماء، وتناجي بأسرارها أذن الجوزاء، مواقع القطار في سواها مغبرة مربدة، وهي زاهرة ترف أنداؤها، ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة، وهي ناضرة تشف أضواؤها، وكانت في الزمن الغابر أعيت على عظيم القياصر فنازلها بأكثر من القطر عددا، وحاولها بأوفر من البحر مددا، فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء، فأمكننا الله تعالي من ذروتها، وأنزل ركابها لنا عن صهوتها".

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)