شنترين.. فردوس البرتغال المفقود – القسم الثاني

شنترين.. فردوس البرتغال المفقود – القسم الثاني

في عهد الموحدين:

استمر جهاد المرابطين في الأندلس رغم مواجهتهم لخطر الموحدين بالمغرب، فما أكثر ما دارت المعارك والحروب بينهم وبين العدو الذي اشتد بأسه، ولا سيما في غرب الأندلس الذي تكاثرت عليه ضربات القشتاليين، ولكن انشغالهم في حروب مستمرة مع الموحدين على أرض المغرب، أدى إلي ضعف قوتهم، إضافة إلي قيام ثورات وفتن عديدة، لعل أخطرها ثورة المريدين التي قادها ابن قسي في ميرتلة (MERTOLA) بالبرتغال، وثورات أخرى في يابرة وشلب وباجة وغيرها من مدن الأندلس، فانهارت دولة المرابطين، وأفل نجمها، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المغرب والأندلس مع قيام دولة الموحدين، الذين أقاموا دولة قوية مترامية الأطراف تمتد من طرابلس الغرب إلى سوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر جزيرة الأندلس، وبلغت ذروة مجدها على عهد عبد المؤمن بن علي وابنه يوسف وحفيده يعقوب المنصور الموحدي.

كانت أول خطوة سلكها الخليفة عبد المؤمن بن علي اتجاه الأندلس هي الإسراع بإرسال الجيوش إليها والقضاء على الثوار الذين أرادوا بالأندلس الرجوع إلى عهد ملوك الطوائف، ثم قمع الأطماع النصرانية في الاستيلاء على المناطق الإسلامية.

وتمكن الموحدون من السيطرة على جزء من أراضي البرتغال، بينما كانت المنطقة الواقعة حول حوض نهر الدويره إلى حدود جليقية والتي تضم مدن قلمرية وبازو وبراغة تؤلف ولاية صغيرة تابعة لمملكة قشتالة، وكان الفونسو السادس قد زوج ابنته غير الشرعية تيريسا (TERESA) من أحد نبلاء مقاطعة برجندية الفرنسية واسمه هنري (HENRIQUES) وقدم لهما مهرا هذه المقاطعة، ولكن على شرط تبعيتها هي وزوجها لعرش قشتالة، إلا أن تيرسا وزوجها استغلا اضطراب الأحول بعد وفاة ألفونسو بغير وريث ذكر، فعملا على الاستقلال بالإمارة الجديدة التي أطلق عليها اسم عاصمتها القديمة برتقال (PORTUGAL)، ثم قام ابنهما ألفونسو إنريكي (ALFONSO HENRIQUES) -ابن الريق / الريك في المصادر الأندلسية- (532 - 581هـ / 1138- 1185م) بإعلان الاستقلال الذاتي أولا حاملا لقب صاحب قلمرية (COIMBRA)، ثم لم يلبث أن استقل تماما بعد انتصاراته على المسلمين واستيلائه على شنترين ثم على لشبونة في سنة 542هـ/1147م، وتزايد طموحه بعد ذلك فواصل حملاته علي مدن المسلمين الواقعة في حوض وادي آنه (GUADIANA)، كما انتزع منهم قلعة يابرة (EVORA ) سنة (561هـ/ 1166م). وأعلن نفسه ملكا على البرتغال، وحكم مملكته من ذلك الحين آمنا لا يزعجه أحد من جيرانه النصارى، منتصرا في محاربة المسلمين.

وفي أواخر سنة 557هـ / ديسمبر 1162م قبيل وفاة عبد المؤمن بقليل، قامت حملة قوية من نصاري شنترين بغزو مدينة باجة والاستيلاء عليها، ولبثوا فيها أربعة أشهر، ولم يغادروها إلا بعد أن خربوا ربوعها، وهدموا أسوارها.

وإذا كانت السنوات الأخيرة من حكم الخليفة عبد المؤمن (توفي 558هـ/ 1163م) قد شهدت ولادة الدولة البرتغالية وظهورها على مسرح التاريخ، فإن ابنه يوسف بن عبد المؤمن بن علي الخليفة الثاني لم يقف مكتوف اليدين أمام هذا الاستفزاز الذي أبداه الملك البرتغالي ابن الريق، فجهز حملة عسكرية بقيادة أخيه أبي حفص عمر وذلك سنة (565هـ/1170م) نحو أراضي البرتغال وليون واستعاد كل ما خسره المسلمون جنوبي وادي التاجة (RIOTAJO). وفي سنة (567هـ/1171م) حاصر الموحدون مدينة شنترين (وهي من أمنع المدائن) بجيش ضخم ولكن دون جدوي، فقد أرغموا علي رفع الحصار بعد هزيمة فادحة.

معركة شنترين:

ومنذ أوائل شهر جمادي الآخرة من سنة 579هـ / سبتمبر 1182م أعلن أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الموحدي عن تنظيم حركة جهادية بالأندلس يقودها هو بنفسه، وأخذ المسلمون في الاستعداد لحملة حربية كبيرة، حينما أمر الخليفة بتمييز طوائف الموحدين والعرب والقبائل استعدادًا للغزو، وجرى تصنيع عشرة مجانيق جربها أبو يعقوب بنفسه، وخرجت المناشير تدعو المسلمين للخروج لجهاد الأعداء، ووفدت القبائل والبطون العربية والبربرية للاشتراك في الجهاد حتى بلغ جيش الموحدين مبلغًا ضخمًا جاوز المائتي ألف مقاتل، وهذه الضخامة ستكون وبالًا بعد ذلك على حركة الجيش.

وفي يوم السبت الخامس والعشرين من شوال 579هـ / فبراير 1184م، صدرت الأوامر بالحركة، وركب الخليفة كعادته بعد صلاة الصبح، وحدد أبو يعقوب الموحدي مدينة شنترين البرتغالية هدفًا لهذه الغزوة وذلك لأسباب عديدة، مادية ومعنوية، حيث كانت هذه المدينة أهم مراكز وقواعد العدوان البرتغالي على الأندلس ونقطة انطلاق دائمة للإغارة على حدود الأندلس الغربية، وفتحها كان سيمثل ضربة قوية ومؤثرة للدولة البرتغالية الناشئة، كما كانت هذه المدينة من أوائل المدن الإسلامية التي استولي عليها البرتغاليون أثناء قيام دولتهم، وكانت شنترين أخيرًا مركزًا للحملات المخربة التي شنها البرتغاليون في أحواز إشبيلية.

وقد فكر أبو يعقوب الموحدي في استرداد ثغر أشبونة ليقضي على الدولة البرتغالية للأبد، لذلك أمر الأسطول الموحدي بالتحرك في مياه المحيط الأطلنطي بمحاذاة الساحل الغربي للأندلس حتى يصل لثغر أشبونة ويضرب عليه حصارًا بحريًا، في حين تضرب الجيوش البرية حصارًا بريًا على شنترين وبالتالي تسقط البرتغال.

أسرع ملك البرتغال ألفونسو هنريكز وكان قد جاوز الثمانين وحشد كل قواته الصليبية داخل مدينة شنترين، وبالغ في تحصينها واستعد لمعركة فاصلة حتى الموت، ووصل الموحدون لأسوار المدينة في منتصف ربيع الأول سنة 580هـ / 27 يونيه سنة 1184م. وفي يوم الجمعة (19 ربيع الأول 29 يونيه)، هاجم الموحدون الأسوار، واشتبكوا مع قوة من النصارى خرجت لقتالهم فهزموها وردوها صوب القصبة، وفي صبيحة اليوم التالي - السبت - تجدد القتال بين الموحدين وبين النصارى، واستمر القتال بين الفريقين حتى يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول (2 يوليه)، ونشبت بينهما خلال ذلك عدة معارك عنيفة.

واستمر هذا القتال لعدة أيام حتى كاد الموحدون أن يفتحوا المدينة حتى وقعت غلطة عسكرية تعبوية فظيعة من جانب أبي يعقوب الموحدي؛ حيث أمر بتغيير مكان الجيوش المحاصرة والانتقال لموقع آخر، وقد فهم قادة الجيش الأمر بصورة خاطئة، حيث فهموا أن الأمر الصادر هو أمر بالانسحاب بالكلية، فكان أول من قوض خباءه وأظهر الأخذ في أهبة الرحيل أبو الحسن المالقي ويدعى خطيب الخلافة، وبات الناس والجيش كله طوال الليل يعبرونوالمعسكر الخاص بالخليفة الموحدي أبي يعقوب الموحدي لا يعلم شيئًا وباق في محله، ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين، وفي يوم 21 ربيع الأول سنة 580هـ/ 2 يوليه 1184م استيقظ أبو يعقوب على غلطته الشنيعة حيث لم يبق معه سوى فلول قليلة من الخدم والحرس الخاص.

وفي نفس الوقت أدرك نصاري شنترين ما وقع في المعسكر الموحدي فخرجوا بكل قواتهم وهجموا على مؤخرة الجيش المنسحب ومعسكر الخليفة وهم يصرخون بلغتهم بأعلي صوت "الملك الملك"، يقصدون أبا يعقوب، فقتل على بابه من عيان الجند خلق كثير، أكثرهم من أعيان الأندلس، وتمكنوا من اقتحام خباء الخليفة بعد دفاع مستميت من خدمه وحرسه، وقاتل أبو يعقوب بسيفه فقتل ستة من الصليبيين، ولكنه جرح جرحًا بليغًا تحت سرته، مات منه بعد ذلك بأيام قليلة في الثامن عشر لربيع الآخر سنة 580هـ / 29 يوليه سنة 1184م.

وانتهت هذه المعركة بكارثة محققة للمسلمين، حيث فشلوا في فتح المدينة وتحطمت مشاريعهم ضد البرتغاليين وإضافة لذلك قتل عاهلهم وخليفتهم، وخَلَفَهُ ابنه يعقوب المنصور (580 - 595هـ /1184 - 1199م) الذي جمع إلى عظمة السلطان السياسي، رسوخ العقيدة، وشدة الحرص على أحكام الشريعة وسنتها.

ومن هذا التاريخ انتهت سيطرة المسلمين عل مدينة شنترين، وفقدت الجيوش الموحدية هيبتها في بلاد المغرب والأندلس، والتي استعادها الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصاره الباهر على جيوش الصليببيين من الإسبانيين والبرتغاليين في معركة الأرك الشهيرة في شهر شعبان سنة 591هـ / يوليو سنة 1195م.

شنترين حاضرة أندلسية:

تعد مدينة شنترين إحدى حواضر الأندلس عامة والبرتغال خاصة، وصفها الوزير الكاتب الفتح بن خاقان حيث يقول: "شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذُّرَا والأعلام، التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف؛ لأنها متوعرة المراقي، معثرة للراقي، متمكنة الرواسي والقواعد، على ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من حصتها".

ويكفي المدينة فخرا أنها أنجبت أديبا أندلسيا كبيرا هو أبو الحسن بن بسام التغلبي الشنتريني صاحب الموسوعة المعروفة (الذخيرة في محاسن الجزيرة)، فهو أنجب من أنجبتهم شنترين، جاء في المسهب للحجاري نقلا عن ابن سعيد: "العجب أنه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سيبعث من شنترين قاصية الغرب، ومحل الطعن والضرب، من ينظمها في قلائد من جيد الدهر، ويطلعها ضرائر للأنجم الزهر، ولم ينشأ بحضرة قرطبة ولا بحضرة إشبيليا ولا غيرهما من الحواضر العظام من يمتعض امتعاضه لأعلام عصره، ويجهد في جمع حسنات نظمه ونثره، وسَلَّ (الذخيرة)، فإنها تعنون عن محاسنه الغزيرة ..، ونثره في كتاب (الذخيرة) يدل على علو طبقته".

وضع ابن بسام مصنفه التاريخي والأدبي الرائع قبل سقوط وطنه شنترين في أيدي النصارى بأعوام قلائق، وكان قد ذكر في مقدمته أنه غادرها، حيث قال: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب، لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين دهر متلون تلون الحرباء، لانتباذي كان من شنترين قاصية الغرب، مفلول الضرب، مروع السرب، بعد أن استنفذ الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بتواتر طوائف الروم علينا في عقر ذلك الإقليم".

ويشتمل كتاب الذخيرة وفقا لتصنيف مؤلفه على أربعة أقسام خص القسم الثاني لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيليا، وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي، وفيه من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب جملة موفورة.

ومن أدباء شنترين المشهورين كذلك نذكر أبا محمد عبد الله بن سارة الشنتريني قال عنه ابن الآبار في التكملة: "سكن إشبيلية وتعيَّش فيها بالوراقة وتجول في بلاد الأندلس شرقا وغربا وامتدح الولاة والرؤساء وكتب لبعضهم وكان أديبا ماهرا شاعرا مفلقا مخترعا مولدا, توفي سنة 517هـوابن دِحْيَةَ في المطرب: "أدبه موفور، وشعره مشهور، انتقل من بلده شنترين إلى مدينة إشبيليا، وهو أوحش حالا من الليل، وأكثر انفرادا من سهيل، فانتجع الوراقة على كساد سوقها وفساد طريقها فتركها وأنشد فيها:

أما الوِراقةُ فهي أنكد حرفــة *** أغصنها وثمارها الحرمـان

شبهت صاحبها بإبرة خائط *** تكسو العراة وجسمها عريان

بعض معالم مدينة شنترين:

وتقع شنترين على ربوة عالية تطلّ على مساحات شاسعة من غابات الزيتون، وترتسم على دروبها الضيقة ملامح المدينة الأندلسية، وما زالت شنترين تحتفظ ببعض معالمها الأثرية الأندلسية فهناك من أسوارها القديمة جزء كبير في حالة جيدة خلف الكتدرائية، وعلى مقربة منها قطعة أخرى من السور تشرف الربوة التي يحيط بها السور والتي يتوسطها منتزه كبير على نهر التاجه وهو يجري تحتها وينحني عندها ويوجد تحت السور في نهاية الحديقة عقد عربي يسمى عقد أتمارما Arco d’Atamrma ويقال انه هو الباب الذي دخل منه الملك ألفونسو هنريكيز المدينة عقب سقوطها، وكذلك توجد قطعة ثالثة من الأسوار القديمة في طرف المدينة عند مدخلها وهو ما يحدد موقعها القديم.

اما الكتدرائية المسماة سان فرنسيسكو فموقعها على مقربة من الأسوار الأندلسية يُرجّح انها بنيت فوق موقع جامع القصبة الأندلسية الذي كانت يحتل هذه البقعة والتي تبقى منها بعض اجزائها وهي مسماة اليوم بأبواب الشمس Potra del sol، أما كنيسة الكسوفا Alcacovas فهي أقدم كنائس المدينة وأنشأها فرسان المعبد (الداوية) في منتصف القرن الثاني عشر وتقع في طرف المدينة الشرقي وهي ذات عقود عربية، وهناك كذلك كنيسة القديس يوحنا Sao Joao التي ما تزال تحتفظ بمئذنة المسجد الذي بُنيت على انقاضه والذي تم تحويل مئذنته إلى برج أجراس ويسمى برج الأجراس الآن Cabaças وهو يقع على مقربة من الكنيسة.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)