أبطال مهدوا الطريق لصلاح الدين – القسم الأول

أبطال مهدوا الطريق لصلاح الدين – القسم الأول

فاروق الدويس

يصعب الحديث عن الحملات الصليبية في مقالٍ من بضع صفحات، فالحملات الصليبية الأولى لبلاد الشام امتدت على مدى حوالي قرنين من الزمن ابتداء من سنة 1096م، وكانت أحداثها كبيرة وعميقة ومتشعبة ومعقدة، وتداخلت معها في فترةٍ غزوات المغول، وبالتالي يصعب تلخيص أهم تلك الأحداث في بضع صفحات دون تجاوز ذكر شخصيات ومحطات مهمة، ودون حدوث ثغرات في الرواية تُعطي صورة قاصرة للقارئ عن مرحلة مهمة من تاريخ المسلمين.

كما أن الحديث عن أحد الأبطال المسلمين الذين برزوا خلال تصدي المسلمين للحملات الصليبية (أو حملات الفرنجة كما كان يسميها المسلمون) يصعب تغطية كل جوانبه في بضع صفحات، لأن الإنجاز الذي حققه أيٌّ منهم إنما هو نتيجة لأعمال وانتصارات مرحلية متعاقبة جبارة يقطف ثمارها الجيل اللاحق وقياداته ليتمموا البناء والتشييد والانتصار على أساسها، فليس من الإنصاف الحديث عن بطل دون ذكر من سبقوه وكيف مهدوا له الطريق.

قادة المسلمين وتمهيد الطريق لصلاح الدين:

وهذا ينطبق على بطلنا الذي نريد الحديث عنه هنا، يوسف بن أيوب (الكردي) الملقب بصلاح الدين، فصلاح الدين لم ينطلق من فراغ ولم يكن وحده، فلا يمكن الحديث عن صلاح الدين دون إعطاء لمحة ولو مبسطة عن الأعمال الجبارة التي مهدت الطريق قبله، فالذي جعل صلاح الدين ينال شهرة وشرفا أكبر من غيره، ليس لتفرده بأعمالٍ وإخلاصٍ لم يسبقه إليه أحد من قبل أو من بعد ولا لانعدام أو قلة نظرائه، ولكن السبب يكمن في رمزية القدس، فالقدس لها مكانة مميزة عند المسلمين بعد مكة، كما أن لها أهمية مميزة عند اليهود والنصارى، والقدس كانت أهم دافع للحملات الصليبية، ولهذا لما كان صلاح الدين هو أول من استطاع إعادة فتح القدس وطرد الصليبيين منها، اشتهر اسمه وأخذ مكانة مميزة بين المسلمين والنصارى واليهود، دون غيره من نُظرائه الذين مهدوا الطريق لتحرير القدس، كما أن للمؤرخين دور مهم في تلميع وإشهار شخصيات على حساب أُخرى.

فمن هم هؤلاء النُّظراء لصلاح الدين وكيف مهدوا له الطريق ليقود معارك تحرير القدس واستعادتها إلى حضن الأمة الإسلامية؟

ألقينا في مقال سابق تحت عنوان «الحروب الصليبية التاريخ الذي أصبحنا نعيش واقعه» الضوء على بعض أسباب انهزام المسلمين ضد الصليبيين الذين اكتسحوا بشكل رهيب وسريع أجزاءً من تركيا والساحل الشامي وصولا إلى القدس، وأقاموا عدة إمارات من بينها إمارة الرُّها وإمارة أنطاكية (أُنشئتا سنة 491هـ/1098م)، ومملكة بيت المقدس (أُنشئت سنة 492هـ/1099م)، ومملكة طرابلس (أُنشئت سنة 502هـ/1109م)، فقلنا إن من أهم أسباب انهزام المسلمين هو ضعف عقيدة الإسلام في النفوس ومن ثَمَّ غياب الدافع الروحي للجهاد وللتحدي والصبر والثبات مما أدى لجبن المسلمين في مواجهة الصليبيين، وبضعف العقيدة ضاع المحرك والمُوَلِّد للأعمال العظام فركن المسلمون لمعيشة الذل والاستسلام، بضعف العقيدة فُقِدَ الضامن لوحدة المسلمين والمثبّت لها، مما أدى إلى تفرقة الأمة الإسلامية إلى إمارات متناحرة، يخذل بعضها بعضا، بل ووصلت الخيانة ذروتها بتواطؤ أمراء مسلمين مع الصليبيين.

وأنهينا المقال السابق ذكره بلمحة مختصرة مبسطة عن دور علماء الإسلام في الصحوة ضد الغزاة الصليبيين، فبعد الصدمة الكبيرة التي ألحقها الغزو الصليبي بنفوس المسلمين، حيث وقفوا مذهولين يُسلِّمون في كثير من الأحيان مدنهم وحصونهم بدون قتال أو يعقدون مع الصليبيين معاهدات هدنة مذلة ومهينة، بعد فترة الصدمة هذه بدأت مرحلة الصحوة التي قادها علماء ومشايخ ربانيون، خرجوا إلى الأمصار واقتحموا المساجد في بغداد والموصل وغيرها من المدن يحمسون الناس والأمراء والخليفة العباسي للجهاد.

ولم يكن شيوخ الإسلام وحدهم من أخذوا على عاتقهم إحياء نَفَسِ الجهاد في الأمة وحشد الهمم، بل كذلك الشعراء، ولعل أبيات شعرية لأبي المُظَفَّرِ الأَبِيْوَرْدِيّ (وُلد سنة 460هـ/1068م، توفي 507هـ/1113م) تلخص صورة الهوان والسلبية التي وصل لها المسلمون، والتي تشبه تماما حالة المسلمين اليوم، ومحاولة الشاعر تحريك حَمِيَّة الدين والعِرْضِ فيهم:

مَزَجْنَا دِمَاءً بِالدُّمُوعِ السَّوَاجِمِ :::: فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عُرْضَةٌ لِلْمَرَاحِمِ

وَشَرُّ سِلَاحِ الْمَرْءِ دَمْعٌ يُفِيضُهُ :::: إِذَا الْحَرْبُ شُبَّتْ نَارُهَا بِالصَّوَارِمِ

فَإِيهًا بَنِي الْإِسْلَامِ إِنَّ وَرَاءَكُمْ :::: وَقَائِعَ يُلْحِقْنَ الذُّرَى بِالْمَنَاسِمِ

وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ مِلْءَ جُفُونِهَا :::: عَلَى هَفَوَاتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نَائِمِ

وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّامِ يُضْحَى مَقِيلُهُمْ :::: ظُهُورَ الْمَذَاكِي أَوْ بُطُونَ الْقَشَاعِمِ

تَسُومُهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ وَأَنْتَمْ :::: تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ الْمُسَالِمِ

وَبَيْنَ اخْتِلَاسِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَقْفَةٌ :::: تَظَلُّ لَهَا الْوِلْدَانُ شِيبَ الْقَوَادِمِ

اليوم الصِّنَّبْرَة وغداً حِطِّين:

تحت ضغوط وتحريض وتنظير العلماء والشعراء أوعز السلطان السلجوقي (التركي) محمد بن ملكشاه لأمير الموصل مودود بن التونتكين (توفي سنة 507هـ/1113م) تجهيز الجيوش لمحاربة الصليبيين (السلاطين السلاحقة السُّنيين كانوا الحاكمين الفعليين على العراق منذ سنة 447هـ/1055م عندما دخلوا بغداد بطلب من الخليفة العباسي القائم بأمر الله وطردوا منها ملوك البُوَيْهيين الشيعة، الخلفاء العباسيون صاروا منذ النصف الثاني من القرن الرابع هجري مجرد رمز لوحدة المسلمين الدينية دون سلطة فعلية).

مودود بن التونتكين:

وهكذا انطلقت أحد أول حملات المسلمين لمحاربة الصليبيين بقيادة مودود بن التونتكين، حيث حاول تكوين جبهة إسلامية بالتحالف مع إيلغازي بن أرتق أمير ماردين، وسقمان القطبي أمير خلاط وتبريز، وطغتكين أمير دمشق، لكن امتنع أمير حلب، رضوان بن تتش، عن التحالف، وامتناع محور حلب جعل جبهة المسلمين تفتقر لقلعة إسلامية في غاية الأهمية تحمي ظهرها وتشكل ركيزة إمداد لها، وتتخذها جيوشهم ملجأ للاحتماء في حال انهزامهم أمام الصليبيين، وبذلك لم تكن تلك الجبهة الإسلامية بالقوة والحصانة التي تمكنها من خوض حروب كبرى مصيرية للقضاء على مماليك الصليبيين.

لكن رغم هذا انطلق مودود بن التونتكين بما استطاع حشده من جيوش اتجاه إمارة الرُّها (في ذي الحجة 503هـ/1109م) فحاصرها لمدة شهرين ثم اضطر للانسحاب، لكن مودود بن التنتكين أعاد الكرة مرات ومرات، ورغم أنه لم يستطع القضاء على أي من الإمارات الصليبية إلا أنه حقق انتصارا نوعيا على جيش بلدوين الأول، ملك مملكة القدس، في موقعة الصِّنَّبْرَة في 13 محرم 507هـ/20 يونيو 1113م، سُميت المعركة بهذا الاسم لأنها وقعت عند جسر الصِّنَّبْرَة في شبه جزيرة الأقحوانة بين نهر الأردن ونهر اليرموك جنوب بحيرة طبرية.

أثر انتصار موقعة الصنبرة:

انتصار موقعة الصنبرة يُشكل وضع حجر الأساس للتحولات التي ستشهدها الساحة الإسلامية وإماراتها ودولتها وللانتصارات التي سيحققها القادة اللاحقون، ومن بينها انتصار المسلمين تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، ولذلك بالإمكان القول على لسان محمد مؤنس عوض:

[“اليوم الصنبرة وغداً حطين”، وهذا ما أثبته السياق العام لتاريخ تلك المنطقة في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي]

فموقعة الصِّنَّبْرَة كانت أول انتصار على مؤسس مملكة القدس، أهم ممالك النصارى، لذا رفعت معنويات المسلمين وأحيت في أنفسهم الأمل والثقة بالقدرة على تحرير القدس وبلاد الشام من الغزاة الصليبيين، كما أن موقعة الصِّنَّبْرَة شارك فيها رجل تَعلَّم الكثير من مودود بن التونتكين وبرزت فيها قدراته القيادية والعسكرية، ليحمل لاحقا شعلة الجهاد عن مودود بن التونتكين ويكمل مشروع طرد الجيوش الصليبية من بلاد الإسلام، وهذا القائد الصاعد هو عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود (التركي) الأب الروحي لصلاح الدين الأيوبي (الكردي) والممهد لتحرير بيت المقدس.

صعود نور الدين محمود زنكي الأب الروحي لصلاح الدين الأيوبي والممهد لتحرير القدس:

اغتيل مودود بن التونتكين، واضعا حجر الأساس للجهاد المنظم ضد الصليبيين، على يد الباطنيين (الحشاشين، خوارج الشيعة) في دمشق سنة 507هـ/1113م عند خروجه من صلاة الجمعة، تولى بعده آق سنقر البرسقي الإمارة على الموصل الذي أكمل الجهاد ضد الصليبيين، وكان أهم ما أنجزه البرسقي هو رفع حصار الصليبيين عن حلب سنة 518هـ ومنعهم من الاستيلاء عليها، وضمه حلب لولاية الموصل، ورفع الظلم الذي كان يعاني منه أهل حلب، وتحسين أحوالهم الاقتصادية.

وبعد اغتيال آق سنقر البرسقي على يد الباطنيين سنة 520هـ/1126م إبَّان أدائه صلاة الجمعة، تولى ولده عز الدين مسعود ولاية الموصل، لكنه ما لبث أن توفي في 22 جمادى الآخرة سنة 521هـ، فتولى بعده عماد الدين زنكي ابن آق سنقر الحاجب ولاية الموصل.

أكمل عماد الدين زنكي المشوار على نهج مودود بن التونتكين، المنهج الذي ارتأى أن جهاد الصليبيين يتطلب أولا توحيد صف المسلمين فكان أول ما بدأ به عماد الدين زنكي هو سعيه لتوحيد ما استطاع من بلاد الشام تحت سلطته، فاستطاع استعادة حلب في محرم سنة 522هـ بعدما كانت استقلت على إثر انقلاب قبيل تولي عماد الدين ولاية الموصل، ثم ضم حماة في سنة 523هـ/1129م، فمدينة سرجى ودارا، ثم ديار بكر وإقليم الجبال سنة 528هـ/1134م، وغيرها من المناطق، فصارت، إلى جانب الموصل، معظم بلاد الشام تحت سلطان عماد الدين زنكي، ما عدا دمشق التي كانت بيد الصليبيين.

توحيد الصف جعل للمسلمين قوة وحصانة تمكنهم لأول مرة من القدرة على الانقضاض على الإمارات الصليبية (كما قلنا أسس الصليبيون أربع إمارات في بلاد المسلمين)، وهكذا استطاع عماد الدين زنكي استرجاع إمارة الرُّها من الصليبيين سنة 1144م/539هـ.

المصدر: موقع تبيان

التعليقات (0)