أبطال مهدوا الطريق لصلاح الدين – القسم الثاني

أبطال مهدوا الطريق لصلاح الدين – القسم الثاني

فاروق الدويس

اغتيال عماد الدين زنكي:

لم يكن لعماد الدين الزنكي ومودود بن التونتكين نفس المنهج فحسب، بل كذلك نفس المصير، حيث لقي عماد الدين الزنكي أيضًا حتفه على يد الباطنيين سنة 1146م/541هـ أثناء حصاره لقلعة جعبر، ومرة أخرى يظهر الضرر الكبير الذي ألحقه خوارج ذلك العصر بالجهاد، تماما كما يفعل خوارج عصرنا الحالي بالجهاد.

انقسمت دولة عماد الدين زنكي بعد وفاته بين ولديه نور الدين محمود الذي حكم حلب وما جاورها من مناطق في الشام، وسيف الدين غازي الذي حكم الموصل والجزيرة (الجزيرة أو الجزيرة الفراتية تضم كل من محافظة نينوى ومحافظة صلاح الدين ومحافظة كركوك وأغلب مناطق محافظة أربيل وقسم من محافظة الأنبار ومحافظة الحسكة، ومناطق من محافظتي دير الزور والرقة في سوريا، ومحافظات أورفا وماردين ودياربكر وبطمان وسعرد وشرناق وأديامان ووان وبدليس وأجزاء من بينكل وملطية في تركيا)، لكن لم يؤدي هذا الانقسام إلى تناحر بين الأخوين، بل تعاونا في كثير من المواقف، وبعد وفاة سيف الدين غازي، حاكم الموصل والجزيرة، استتب الأمر بالتدريج لنور الدين محمود ليصبح الحاكم الفعلي على كل دولة الزنكيين.

من شروط النصر: علو الهمة مع تعظيم شريعة الإسلام ووجود مشروع إسلامي نقي واضح

لا شك أن نور الدين محمود زنكي (ولد سنة 511هـ/1118م، توفي 569هـ/1174م) من الرجال القليلين الذين يستحضر بطولاتهم كل من أراد رفع الهمة عند الشباب المسلم، وهذا ما دفع مثلا محمد بن إبراهيم الحمد إلى إفراد بَابٍ في كتابه “الهمة العالية” تحت فصل “نماذج رائعة للهمة” أبرز فيها الهِمَّة العالية لنور الدين محمود وأهم مقوماته التي صنعت منه قائدا فذا لم تعرف الأمة الإسلامية مثله بعد الخلفاء الراشدين والخليفة عمر بن عبد العزيز. فقد كان طموحا، شجاعا، مجاهدا، صبورا، عنيدا، غيورا لم يرضى بسيادة الصليبيين في بلاد المسلمين، مفكرا، مُلِمًّا بعلم شرعي، ذو حنكة في اتخاذ القرارات، لا يميل للعشوائية.

لا أريد هنا الإسهاب في ذكر خصال نور الدين محمود وإنجازاته وتِعداد المعارك التي انتصر فيها على الصليبيين، فستجد مئات المقالات وعشرات الكتب والمحاضرات تسردها وتعددها، لكن أريد التركيز على أمور في غاية الأهمية نتعلم منها ما ينفعنا في خضم صراع المسلمين اليوم مع الصليبيين في بلاد الشام والعراق.

ذكرنا أن مودود بن التونتكين كان من الأمراء الأوائل الذين أدركوا أن جهاد الصليبيين يتطلب أولا توحيد صف المسلمين، فحاول هو ومن بعده توحيد محور الموصل-حلب لأهميته الاستراتيجية والشعبية في مواجهة الصليبيين، ولما تولى نور الدين محمود زنكي زمام الأمور كان مدركا لأهمية هذا المحور ولضرورة توحد المسلمين، بل نور الدين محمود أدرك أن هناك ضرورة لتحقيق أكثر من ذلك، أدرك أن الأمر يستوجب إحداث نهضة إسلامية واسعة في المجتمع والدولة.

فنور الدين محمود لم يكن قائدا عسكريا فذًّا فحسب، بل كان يتمتع بدرجة عالية من العلم الشرعي والمعرفة، ودرس سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز التي كتبها له الشيخ أبو حفص الإربلي، مما جعله يتعلم الكثير من السياسات والخطوات التي اتخذها عمر بن عبد العزيز لإعادة الأمة الإسلامية إلى الطريق الرباني، فأدرك نور الدين محمود حقيقة المعركة والصراع الذي يجب خوضه، ووضع منهجا إسلاميا واضحا، وكانت له درجة عالية من الهمة جعلته لا يشك لحظة في القدرة على سلوك المنهج الذي وضعه وتحقيقه، بل ووجوب ذلك.

من أركان منهج نور الدين محمود في إعادة توحيد الأمّة:

  • توحيد ليس محور الموصل-حلب فحسب، بل كذلك دمشق ومصر التي كانت تحت حكم العبيديين (الفاطميين).
  • تعظيم شريعة الله، بإحياء سنة رسول الله وتطبيق شريعة الله في كل المناطق التي يحكمها المسلمون في الدولة الزنكية، ورعاية حاجات الناس حَسَبها، ودفع الزكاة لمستحقيها من الفقراء والمساكين، ومنع تجارة الخمر وشربها، وإقامة الحدود على المجرمين والسُّراق وقطاع الطرق وشاربي الخمر، وإنشاء محاكم شرعية يُعَيَّن فيها قُضاة مؤهلين علميا وفيهم التقوى والورع… الخ.
  • رفع الظلم عن الناس ومنعه، وإنشاء دار عدل تُرفع إليها المظالم التي تقع من الأمراء والموظفين وأصحاب السلطة على الرعايا، ومنع المكوس.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء على البدع والعقائد الرافضية ومنع انتشارها ونشر مذاهب أهل السنة، يقول ابن كثير:

كان (نور الدين محمود) آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مبغضاً للظلم، صحيح الاعتقاد، مؤْثراً لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحداً في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع.

  • تحسين الوضع الاقتصادي للبلد وإعداد القوة العسكرية.
  • نشر العلم وتشجيعه، وذلك بإنشاء المدارس والمساجد وحشد الناس إليها ليتعلموا دينهم، وجلب العلماء الربانيين من كل بقاع الأرض ودعمهم وتكريمهم وحضور مجالسهم، والاستماع إليهم واستشارتهم.

فأنشأ نور الدين محمود المدرسة النورية الكبرى بدمشق والمدرسة النورية الصغرى، التي اعتنت بتدريس الفقه السني وعلى رأسه الحنفي، مع تواجد مدارس اعتنت بالفقه الشافعي والمالكي.

ولما ضم نور الدين محمود دمشق لدولته، أسس فيها أول دار للحديث جعل عليها عَلَمًا من أعلام الإسلام، الحافظ تقي الدين بن عساكر.

وأنشأ دورا لرعاية الأيتام وتعليمهم الإسلام ودورا لتحفيظ القرآن للناشئة، وهكذا نشطت الحركة العلمية نشاطا واسعا، وبدأ الناس يتعلمون عقيدة الإسلام الصحيحة والشريعة، وبدأت تدب روح العلم والجهاد في النفوس.

إن تَصْدُق الله يَصْدُقْكَ:

نور الدين محمود زنكي اتبع منهج “إن تَصْدُق الله يَصْدُقْكَ”(الحديث)، المنهج الذي يجب أن يسلكه الثوار المسلمون اليوم في الشام والعراق واليمن وليبيا! لا يمكن للمسلمين انتظار نصر الله لهم على الصليبيين إذا كانوا لا يعظمون شرع الله ولا يتقون الله في سريرتهم وعلانيتهم، ولا يقيمون شرع الله، ولا يجعلون هدف القتال إعلاء شريعة الله والتمكين لها.

فمن كان صادقا فعلا في الجهاد في سبيل الله، عليه أن يُصدِّق عمله قوله، فيجب أن يظهر أولا تعظيم شرع الله وشعائره في نفسه وفي شعاراته وفِي أهدافه وتطبيق الشريعة في المناطق التي له السيادة فيها! فإن استطاع مسلم الكذب على الناس وتسويق تسويغاته، فليدرك أن الله يعلم ما بسريرته وبدوافعه وبأهدافه، وعلى أساسها ينال ما يستحق، وليس على أساس ما يتمنى أو يظن هو أو يظن الناس!

نور الدين محمود أخرج الإسلام من حيّز الدعوة النظرية إلى إعادة تطبيقه، فكان يقول: “نحن شحن للشريعة نمضي أوامرها” (الشحن تعني الشرطة والقوة المنفذة)، ويقول:

نحن نحفظ الطرق من لِصٍّ وقاطع طريق، والأذى الحاصل منهما قريب، أفلا نحفظ الدين ونمنع عنه ما يناقضه، وهو الأصل.

من شروط النصر: الإكثار من المندوبات والعبادات والدعاء

لم يحيي نور الدين محمود الإسلام في الحياة العامة بتطبيق أحكامه فحسب، بل كان الإسلام يتجسد في أفعاله الشخصية كذلك، ينقل صاحب سِيَر أعلام النبلاء شهادات عن نور الدين محمود قائلا: [كَانَ دَيِّنًا تَقِيًّا، لَا يَرَى بَذْلَ الْأَمْوَالِ إِلَّا فِي نَفْعٍ، وَمَا لِلشُّعَرَاءِ عِنْدَهُ نِفَاقٌ، وَفِيهِ يَقُولُ أُسَامَةُ:

سُلْطَانُنَا زَاهِدٌ وَالنَّاسُ قَدْ زَهِدُوا لَهُ :::: فَكُلٌّ عَلَى الْخَيْرَاتِ مُنْكَمِشُ

أَيَّامُهُ مِثْلُ شَهْرِ الصَّوْمِ طَاهِرَةٌ :::: مِنَ الْمَعَاصِي وَفِيهَا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ

… لَمْ يَلْبَسْ نُورُ الدِّينِ حَرِيرًا وَلَا ذَهَبًا، وَمَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ فِي بِلَادِهِ. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ، وَلَهُ أَوْرَادٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (أَوْرَادٌ جزء من الليل أو النهار يخصص لصلاة النافلة، كقيام الليل). وَجَاءَهُ رَجُلٌ طَلَبَهُ إِلَى الشَّرْعِ، فَجَاءَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ (القاضي) كَمَالِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيِّ، وَتَقَدَّمَهُ الْحَاجِبُ يَقُولُ لِلْقَاضِي: قَدْ قَالَ لَكَ: اسْلُكْ مَعَهُ مَا تَسْلُكُ مَعَ آحَادِ النَّاسِ. فَلَمَّا حَضَرَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ…] (ا.هـ).

وقال عنه ابن الأثير: [طَالَعْتُ السِّيَرَ فَلَمْ أَرَ فِيهَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحْسَنَ مِنْ سِيرَتِهِ (أي سيرة نور الدين زنكي)، وَلَا أَكْثَرَ تَحَرِّيًا مِنْهُ لِلْعَدْلِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَلْبَسُ وَلَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا مِنْ مِلْكٍ لَهُ قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْ سَهْمِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، لَقَدْ طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ مِنْهُ، فَأَعْطَاهَا ثَلَاثَةَ دَكَاكِينَ، فَاسْتَقَلَّتْهَا، فَقَالَ: لَيْسَ لِي إِلَّا هَذَا، وَجَمِيعُ مَا بِيَدِي أَنَا فِيهِ خَازِنٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَتَهَجَّدُ كَثِيرًا، وَكَانَ عَارِفًا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَمْ يَتْرُكْ فِي بِلَادِهِ عَلَى سِعَتِهَا مُكْسًا…](ا.هـ).

وقال عنه ابن كثير: [كان مدمناً لقيام الليل، يصوم كثيراً، ويمنع نفسه عن الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إلى العلماء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء رحمه الله وبل ثراه بالرحمة والرضوان‏] (ا.هـ).

وهذه الصورة في الإكثار من عبادات النوافل من قيام الليل والصيام وقراءة القرآن والذكر والتصدق الخ نجدها من خصال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة وكل الأبطال المسلمين الذين نصروا الإسلام وحققوا أمجادا لأمته، فلا يجوز أبدا إغفالها لمن يسعى للدعوة للإسلام ونصرته، فالدعوة للإسلام والعمل لإقامة الشريعة يستوجب الاستعانة بهذه العبادات التطوعية المندوبة، لأنها تطهر القلوب، وتزيد الأنسان تقربا من ربه، وتعين الداعية على الصبر على ما يلاقيه من عقبات ونفور الناس منه وملاحقة الطغاة له، وتمنحه القوة والثبات، وتجعل الدنيا تبقى صغيرة أمام عينيه لا تغره.

لذلك تجد الله سبحانه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه آيات التكليف الدعوي: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)}(الزمر). وقال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (55)} (الأعراف)، وقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205)}(الأعراف)، وقال سبحانه: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)}(البقرة).

المصدر: موقع تبيان

التعليقات (0)