هل يمكن أن نعيد رسم التاريخ؟! – القسم الثاني

هل يمكن أن نعيد رسم التاريخ؟! – القسم الثاني

أ.د. راغب السرجاني

وأخيرًا استيقظ الإيطاليُّون..

غضب الشعب الإيطالي ووقف ضدَّ استمرار الحرب، ورأوا أنَّ موسوليني قد كذب عليهم؛ حتى وصل الأمر أنَّ بلادهم قد احْتُلَّت من قِبَلِ الجيوش البريطانيَّة والأميركيَّة، وأصبح موسوليني عدوَّ الشعب الأوَّل.

وتمرَّد أبناء الشعب الإيطالي على الطاغية موسوليني فخلعوه من رئاسة الحكومة والحزب، وطالبوا باعتقاله، فعزله المـَلِكُ، وتشكَّلت حكومةٌ جديدةٌ برئاسة المارشال بادوليو، الذي قرَّر خروج إيطاليا من الحرب، وعَقَد هدنة مع دول الحلفاء تقضي باستسلام إيطاليا دون قيدٍ أو شرط[1].

عند هذه النقطة أمر هتلر جنوده بغزو إيطاليا؛ كمحاولةٍ أخيرة للحَوْل دون وقوعها في أيدي أعدائه، وبالفعل دخل الجيش الألماني العاصمة الإيطاليَّة روما في العاشر من سبتمبر 1943م، فانحازت حكومة بادوليو إلى الحلفاء، واستطاع الألمان "خَطْف" موسوليني وعاونوه على تكوين حكومة في الشمال الإيطالي باسم "جمهوريَّة إيطاليا الاشتراكيَّة".

هكذا انقسمت إيطاليا ودخل أبناؤها في حربٍ أهليَّةٍ طاحنة؛ بين فريقين أحدهما موالٍ للحلفاء كأملٍ أخيرٍ للتحرُّر من طغيان الفاشية، وآخَر تابع لموسوليني وحلفائه.

وقد استمرَّ هذا الوضع المزري ولم يبلغ نهايته الحاسمة إلَّا مع انتهاء الحرب العالميَّة الثانية؛ إذ اعتُقِلَ الدوتشي في 26 أبريل 1945م في منطقة بحيرة كومو شمال البلاد، في اليوم التالي أتت الأوامر من مجلس جبهة التحرير الشعبيَّة بإعدام موسوليني، وأُعْدِم هو ورفاقه في 28 أبريل 1945م، وعُرضت جثَّته مع جثث خمسة قادة فاشيِّين آخرين معلَّقة من الأرجل في ميدان ميلانو المقرِّ القديم لرئاسة الحزب الفاشي[2].

وأخيرًا انهارت خطوط الدفاع الألمانيَّة في إيطاليا واستسلمت قوَّاتها في شهر مايو 1945م[3].

وكان ذلك إيذانًا بنهاية الفاشيَّة والنازيَّة في آنٍ معًا، وتَوْق إيطاليا وأوربَّا إلى عصرٍ جديدٍ تعلو فيه قيم الحريَّة والإنسانيَّة.

إيطاليا وعصر جديد:

تركت فترة الحكم الفاشي العديد من الآثار السلبيَّة في نفوس الشعب الإيطالي، الذي عانى من تقييد حريَّته ومن القهر والظلم والاستبداد بالرأي، ولم ينزاح الفاشيُّون عن كاهل الشعب الإيطالي إلَّا بعدما أذاقوه مرارة الهزيمة والانكسار.

أفاق الإيطاليُّون بعد انتهاء الحرب والهزيمة الساحقة -التي مُنيَت بها إيطاليا- على واقعٍ مريرٍ وأليم؛ بلد محطَّم واقتصاد منهار، وفوق ذلك رصيدٌ كبيرٌ من الكراهية الموروثة لدى معظم دول العالم لإيطاليا الفاشيَّة، وعلى الرغم من إدراك الشعب الإيطالي لصعوبة إصلاح ما أفسدته الأفكار الفاشيَّة المتطرِّفة، فإنَّهم قرَّرُوا المضيَّ في طريق الإصلاح والتعايش الإنساني إلى نهايته.

ويُلاحظ الباحث المدقِّق للتجربة الإيطاليَّة الحديثة تركيزها على عاملين أساسيَّين لتحقيق نهضتها وخروجها من الآثار السلبيَّة للهزيمة: العامل الأوَّل كان في توفير مناخٍ داخليٍّ صحِّيٍّ يكفل الاحتياجات الأساسيَّة لأبنائها، ويُحافظ على كرامتهم وحريَّتهم.

وأمَّا العامل الآخر فهو إصلاح الأخطاء القاتلة التي سبَّبتها الحقبة الفاشيَّة على السياسة الخارجيَّة لإيطاليا، والعمل بقوَّة على علاج مشاعر الكراهية تجاه الإيطاليِّين، واستبدالها بمشاعر الودِّ والتآلف، ومحاولة إقناع دول العالم بإمكانيَّة التعايش السلمي مع الدولة الإيطاليَّة الجديدة.

فعلى صعيد الإصلاح الداخلي صوَّت الإيطاليُّون في يناير 1947م على إلغاء الملكيَّة، وإعلان قيام الجمهوريَّة الإيطاليَّة، ووضعت دستورًا جديدًا يُعلي مبادئ الحريَّة الشخصيَّة، ويُتيح المشاركة السياسيَّة في صنع القرار الإيطالي لكلِّ الإيطاليِّين؛ وأصبح لكلِّ إيطالي تجاوَزَ الثامنة عشر من عمره الحقُّ في الانتخاب[4].

أمَّا على الصعيد الخارجي فقد انضمَّت إيطاليا إلى معاهدة إنشاء الجماعة الأوربيَّة للفحم والصلب في باريس عام 1951م، التي كانت بمثابة الأساس الذي قام عليه الاتحاد الأوربِّي[5].

ومع بداية عام 1960م أصبح من الواضح تحوُّل إيطاليا من بلدٍ زراعيٍّ فقير إلى دولةٍ صناعيَّةٍ وقوَّةٍ اقتصاديَّة أوربيَّة واعدة، وانخفضت معدَّلات البطالة نتيجةً للتزايد المستمرِّ في أعداد المنشآت الصناعيَّة، وبحلول عام 1980م توقَّفت ظاهرة الهجرة خارج إيطاليا بحثًا عن فرص عمل، هذه الظاهرة التي كانت متأصِّلة في المجتمع الإيطالي؛ بل أصبحت إيطاليا تستقبل المهاجرين لها من سائر دول العالم[6].

انعكست النهضة الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة والثقافيَّة على الحياة اليوميَّة الإيطاليَّة، واستطاع المواطن الإيطالي تلبية احتياجاته الأساسيَّة؛ وخاصَّةً الشعور بالأمن في وطنه، نتيجة اعتماد سياسة السلم محلَّ الحرب، وكذا احترام الحريَّات الشخصيَّة واعتماد مبادئ الشورى بدلًا من الدكتاتوريَّة.

وسادت المشاعر الإيجابيَّة بين الإيطاليِّين، وتَعَدَّتْهم لتشمل الزائرين لإيطاليا من خارجها؛ حيث ازدهر قطاع السياحة الإيطالي، وأصبح يحتلُّ المرتبة الخامسة عالميًّا، بعد فرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا والصين[7]، ويعمل فيه مليون ومائة ألف إيطالي[8].

وبمرور الأعوام ازدادت التجربة الإيطاليَّة نضجًا، واستطاعت تغيير الصورة الذهنيَّة السلبيَّة المرسومة لها، ليس في أذهان الأوربيِّين فقط، بل في العالم بكامله؛ فبعدما كان العالم ينظر إلى الإيطاليِّين كمجموعةٍ من الهمجيِّين والمستعمرين، أصبح الآن يراهم شعبًا متحضِّرًا، مهتمًّا بالمشتركات الحضاريَّة والإنسانيَّة، وأستشهد هنا بواقعةٍ حدثت خلال إحدى زياراتي للولايات المتحدة الأميركيَّة عندما ألمَّ مرضٌ بأحد الأصدقاء من المسلمين في الولايات المتحدة فقمنا، أنا وبعض الزملاء -ثمانية أفراد- بزيارته في المستشفى، وهناك حدث موقفٌ غريبٌ لفت انتباهي بشدَّة؛ فحينما قابلتنا إحدى الممرضات -مبديةً دهشتها من عددنا الكبير- سألتنا:

هل أنتم من المسلمين أم من أبناء الجالية الإيطاليَّة؟

فالأميركان لا يرون مثل هذا التجمُّع والحرص على زيارة المرضى إلَّا من المسلمين أو من الإيطاليِّين، وهذا أمرٌ يُوَضِّح التطوُّر الذي استطاع الإيطاليُّون تحقيقه في معاملاتهم الإنسانيَّة.

هذا على الجانب الإنساني، أمَّا عن جانب المصالح الماديَّة والاقتصاديَّة التي جناها الشعب الإيطالي بعدما تعايش مع نفسه ومع الآخر، فيكفينا في هذا المجال أنَّ إيطاليا اليوم تُشَكِّل اليومَ سادسَ أقوى اقتصاد بالعالم، بجانب عضويَّتها في مجموعة الثمانية G8؛ مجموعة الدول الصناعيَّة الثمانية الكبرى في العالم، التي تضمُّ الولايات المتحدة الأميركيَّة، واليابان، وألمانيا، وروسيا الاتحاديَّة، وبريطانيا، وفرنسا، وكندا، وتمتلك نحو 65% من الاقتصاد العالمي[9].

وشهدت الصناعة الإيطاليَّة طفرات متلاحقة بمعدل نموٍّ يصل إلى 12% سنويًّا، وتعدَّدت مجالاتها من الآلات والحديد والصلب، والكيماويَّات، إلى الصناعات الغذائيَّة، والمنسوجات والملابس، والأحذية والسيراميك[10]، فضلًا عن صناعة السيارات التي تحتلُّ مكانةً متقدِّمةً في الصناعات الإيطاليَّة؛ حيث تُعَدُّ إيطاليا هي أكبر منتجٍ للسيارات في أوربَّا منذ عام 2006م[11].

كما أصبحت إيطاليا اليوم بلدًا متقدِّمًا، بشهادة خبراء الاقتصاد، وتُعَدُّ من الدول الأعلى في الرفاهية ونوعيَّة الحياة في العالم؛ حيث تكفل لمواطنيها مستوًى عالٍ جدًّا من المعيشة، يتجاوز ألمانيا وبريطانيا واليونان[12]؛ إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا 1,76 تريليون دولار في عام 2009م، بمعدَّل نموٍّ سنوي 4,8%، وتجاوز نصيب الفرد في إيطاليا 30 ألف دولار وفقًا لتقديرات عام 2009م[13].

وذلك إلى جانب النتائج الباهرة التي استطاعت إيطاليا الجديدة تحقيقها على كافَّة الأصعدة؛ من قضائها على أُمِّيَّة شعبها، حيث بلغ معدَّل معرفة القراءة والكتابة للبالغين في إيطاليا 99%[14]، إلى جانب اهتمامها بالصحَّة والعدالة والثقافة، فضلًا عن قضايا البيئة[15].

كما تحرص إيطاليا على إقامة علاقات جيِّدة مع مختلف دول العالم، بما فيها الدول التي كانت خاضعة للاحتلال الإيطالي وحصلت على استقلالها، مثل ليبيا التي نالت استقلالها في عام 1951م[16]؛ ونجد فيها الآن أكثر من 100 شركة إيطاليَّة تستثمر في مختلف القطاعات الاقتصاديَّة، وتُعَدُّ إيطاليا الشريك الأوَّل لليبيا حيث تستورد منها 25% من احتياجاتها من الطاقة والغاز.

وقد كَلَّلت إيطاليا جهودها للانفتاح على ليبيا باعتذار رسمي قدَّمه رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني مُعرِبًا عن اعتذار بلاده عن فترة استعمارها لليبيا، معترفًا بالضرر الذي ألحقته تلك الحقبة بهذا البلد، ووقَّع معاهدة "الصداقة" مع ليبيا؛ التي تَعَهَّدت إيطاليا فيها بدفع تعويضات تصل قيمتها إلى خمسة مليارات دولار في شكل استثمارات تشمل شقَّ طريق سريع عبر ليبيا من الحدود التونسيَّة إلى جمهوريَّة مصر العربيَّة[17].

كل هذا في ظلِّ مناخ داخلي مستقرٍّ يحتضن العديد من الأديان والطوائف؛ ففي عام 2009م بلغ عدد المسلمين المقيمين في إيطاليا ما بين تسعمائة ألف ومليون مسلم[18]، وينتظم أكثر من نصفهم على ارتياد المساجد في حريَّة ملموسة[19]، وهناك أكثر من 200 ألف من أتباع العقائد الناشئة في شبه القارَّة الهنديَّة، منهم 70 ألف من السيخ، ولهم 22 معبدًا في أنحاء إيطاليا[20]، طبقًا لإحصائيَّة صادرة في 2004م، كما يُوجد 70 ألف من الهندوس، و50 ألف من البوذيِّين[21].

هذه الطوائف وغيرها يعيشون في سلام مع الشعب الإيطالي البالغ عدده 58 مليون نسمة، ويعتنق 90% من أبنائه المذهب الكاثوليكي[22].

حتى في بطولة كأس العالم لكرة القدم التي عقدت بجنوب إفريقيا في يونيو 2010م، وشهدت مشاركة 386 لاعبًا من المحترفين الدوليِّين في أندية خارج بلادهم، كان منهم 80 لاعبًا محترفًا في الأندية الإيطاليَّة؛ حيث تُعَدُّ إيطاليا ثالث دول العالم جذبًا للمحترفين في رياضة كرة القدم[23].

لقد اختار الشعب الإيطالي طريق التعايش والمشاركة بوضوح وإصرار، وتجتهد الحكومات الإيطاليَّة المتعاقبة منذ سقوط النظام الفاشي لتحقيق الرغبة الشعبيَّة، وعملت بجهدٍ واضحٍ على بناء إيطاليا الجديدة، التي تعلَّمت الكثير من الدروس من الفترة الفاشيَّة؛ لذا قرَّرت المضي في طريق السلام والتعايش والتنمية؛ سواءٌ في داخل المجتمع الإيطالي أو مع الدول المجاورة لإيطاليا أو مع العالم بكامله.

هل يمكن أن نعيد رسم التاريخ؟! – القسم الأول

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] شوقي الجمل، وعبد الله عبد الرازق: تاريخ أوربا من النهضة حتى الحرب الباردة، ص294، 295.

[2] هـ. أ. ل. فِشر: تاريخ أوربا في العصر الحديث، ص700.

[3] عبد العظيم رمضان: تاريخ أوربا والعالم في العصر الحديث، 3/151-153.

[4] مسعود الخوند: الموسوعة التاريخية الجغرافية، ص280.

[5] محمد مصطفي كمال، وفؤاد نهرا: صنع القرار في الاتحاد الأوربي، ص23.

[6] الموسوعة البريطانية: www.britannica.com.

[7] UNTWO (April 2010). "UNTWO World Tourism Barometer Interim Update" (PDF). www.unwto.org/facts/eng/pdf/barometer/UNWTO_Barom10_update_april_en_excerpt.pdf. Retrieved 2010-05-07..

[8] مسعود الخوند: الموسوعة التاريخية الجغرافية، 4/266.

[9] صحيفة الجارديان البريطانية، 8 يوليو 2009م: www.guardian.co.uk/world/g8.

[10] Fact Book 2009, www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook

[11] تقرير الرابطة الأوربية لمصنِّعي السيارات عام 2008م، التقرير منشور على موقع الرابطة: www.acea.be.

[12] تقرير العالم في عام 2005م، صحيفة الإيكونومست البريطانية، www.economist.com/media/pdf/QUALITY_OF_LIFE.PD.

[13] Fact Book 2009, www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook.

[14] تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2009م - http://hdrstats.undp.org.

[15] تقرير المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء عام 2009م، http://en.istat.it/dati/catalogo/20090511_00/italyinfigures2009.pdf.

[16] عبد الله عبد الرازق إبراهيم، شوقي الجمل: تاريخ إفريقيا الحديث والمعاصر، ص 286-288.

[17] أخبار الجزيرة، 13 أغسطس 2008م، www.aljazeera.net.

[18] من تقرير  لوكالة الأنباء الفرنسية بتاريخ 10/4/2009، وتقرير "المسلمون في أوربا؛ دليل الدول" نشرته شبكة بي بي سي بتاريخ 23/12/2005.

[19] موقع المسلم الإلكتروني، 25 أكتوبر 2005م، http://almoslim.net/node/42082.

[20] تقرير "السيخ في إيطاليا" منشور بموقع inrinternet.com بتاريخ 15/11/2004م.

[21] من تقرير "(Most Baha'i Nations 2005)" منشور بموقع ARDA) Association of  Religion Data Archives).

[22] Fact Book 2009, www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook.

[23] العربية نت، 5 يونيو 2010م، www.alarabiya.net.

التعليقات (0)