الدعوة إلى التعليم في حضرموت

الدعوة إلى التعليم في حضرموت

ليس مشروع الدعوة حديث العهد عند الأمة الحضرمية؛ فإنه من المشروعات التي اهتمت بها منذ ثماني حجج لكونه من الحاجيات الضرورية لحياة الأمة ونمائها ولذلك لا يألو جهدًا بعض ذوي الهمم العالية في استنهاض همم أبناء جلدتهم إلى القيام بتأسيس مدرسة في إحدى مدن حضرموت جامعة لأنواع العلوم تشرق من جوانبها أنوارها عسى أن يحيوا ما اندثر من مجد أسلافهم القديم، ويقتدوا بإخوانهم من أبناء ملتهم سيرًا في سبيل النهضة.

ولكن يا للعجب! إن هذا المشروع لم يتم إلى الآن مع أن الحضرميين الموجودين الآن في هذه الجزائر ينيفون على أربعين ألف نسمة غالبهم في سعة من الرزق لو فرضنا أن عشرة آلاف منهم - أعني ربعهم - في الدرجة الأولى ونصفهم متوسطون والربع الأخير مقلون وجعلنا نصف الربع الأول - أعني ثمنهم - ممن تبلغ ثروتهم الملايين ومئات الألوف ووزعنا المطالب عليهم لجاءت النتيجة كما يأتي:

فتكون هذه دفعة واحدة فيشترون بها عقارات من هذه الأراضي ذات ريع كثير ويكون الريع على قدر ما تحتاج إليه المدرسة.

فهذه الأمة الموجودة في هذه الجزائر هي بالنسبة إلى الموجودين في الجهة الحضرمية الذين أنهكهم الفقر المدقع والجهل المظلم أقل عددًا.

أليس لنا في أغنيائنا في هذه الأقطار رجل كريم يظهر الغيرة العربية والحمية الإسلامية والشفقة الإنسانية والرأفة الأخوية؛ فينهض بأمته ويجبر كسرها؟ أليس فينا من يبرهن أننا من سلالة أولئك الرجال الماضين الذين بذلوا جهدهم حتى ملؤوا الكائنات نورًا؟! فمتى نرى إخراج هذا المشروع وإبرازه إلى الوجود؟ وأَنَّى لنا ذلك؟! ومن لنا والأمة غارقة في غياهب الغفلة ودياجير التقليد والأوهام؟! والله إنهم لاهون بغناهم، لا يفكرون فيما أصاب هذه الأمة ولا يبالون بها ترقت أم تدلت، اعتزت أم ذلت، بل كل ذلك لديهم سواء.

فيا للخجل! أليس عارًا أن نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا ما حل بقومنا من السقوط إلى الدرك الأسفل والانحطاط والتدلي في الهيئة الاجتماعية ولا تستفز أحدًا منا الغيرة ولا الحمية لإنقاذها من ربقة الذل وانتياشها من وهدة الجهالة؟! فإذا عرفنا هذا؛ علمنا أننا بعيدون عن أوامر ديننا، منحرفون عن سبيل الإسلام السوي.

لقد شوهنا وجهه وأضررنا بسمعته عند بقية الأمم ولو كان فينا قطرة من دم آبائنا الكرام وذرة حمية للجامعة القومية؛ لتآزرنا واتحدنا على إحياء الشعور وإيقاظ النائمين وإنارة الأفكار والحث على الإنفاق. فتداركوا أيها الحضرميون الوقت قبل فواته وقبل أن يتخطفكم الداء الغربي ويضع الأغلال في أعناقكم كما وضعها في أعناق الهنود والمصريين والجاويين ولسوف تندمون ولا ينفع الندم. تفكروا واعملوا قبل نزول البلاء ولا تتهاونوا مثلما تهاون إخواننا التونسيون والجزائريون والمراكشيون متكلين على الخرافات حتى دهمهم البلاء ولم تغنهم خرافاتهم ونحن الآن محتذون مثالهم وسائرون في طريقهم نتخبط كأن بنا مسًا من الشياطين! أشفقوا أيها الحضرميون على دينكم وقومكم ووطنكم وسمعة سلفكم ومستقبل أيامكم وأولادكم فإننا لفي غرور عظيم. وإذا نظرنا بعين الحق والإنصاف ونفي الحماقة والتعصب الأعمى نرى ما يوجب الاضطراب واليأس من تكاسلنا وتنافرنا في جانب بقية الأمم التي تسابق إلى تنازع البقاء.

 ناشدتكم الله أيها الرجال المخلصون في خدمة الوطن والأمة. ما الفائدة في فتح المدراس في جاوه وحدها لأبناء العرب؟ هل تعود على الوطن وأهله بكل ما نرجوه له من الفوائد؟ لا أظن؛ لأن أبناء العرب هنا لم يعرفوا معنى الوطن بل هم يكرهون ذكر أرض العرب!

وإن قلت: يكرهون العرب أنفسهم ولا يحبون إلا من نشؤوا بينهم .. لما كنت مبالغًا! فالفائدة عائدة لشخصيتهم فقط لا لمجموع أهل وطنهم كما توهم الأغرار .. إذا فرضنا أن ابن العرب المستعجم حاز القدح المعلّى في لغة الأجانب والكتابة والحساب ونال الشهادة المدرسية في الهندسة وما أشبه، فهل تظنون أن الحكومة الأجنبية تمنحه رتبة وتعطيه راتبًا يوازي نصف أو ربع ما تعطيه لأحد الأوربيين؟ كلا. فرضنا أنه صار كاتبًا في الحكومة أو عند أحد التجار الإفرنج براتب شهري قدره عشر روبيات إلى خمس عشرة روبيه فيعيش بهذه فيبقى مدة حياته في هذه الجزائر. فهل للوطن إذًا فائدة أو لأبناء وطننا التعيس الحظ؟ كلا. فحينئذ لا يكون في فتح المدارس هنا كل الفائدة لأبناء العرب الذين يولدون هنا إلى تلك المدارس فتكون العاقبة محمودة لهم ولوطنهم وملتهم جميعًا. فهل تليق بنا هذه الغفلة مع أن للعرب خصوصًا وللمسلمين عمومًا علماء وأغنياء في غالب مستملكات الأجانب؟ فبأي شيء تعاملهم الأجانب؟ هل أحد منهم نال رتبة والٍ أو حاكم أو أعطته راتبًا يوازي راتب أقل واحد من الأوربيين؟ أو هل نظرت إليهم بعين الشرف والعز والاحترام؟ كلا، وإنما هم ينظرون إليهم بعين الاحتقار كما ينظرون إلى أرذل حيوان ولسان حالهم يقول: لو كان هؤلاء يُعَدّون من بني الإنسان لكان لهم سلطة على بلادهم ولأصلحوا ذات بينهم. فكيف تريدون الأجانب على إكرامكم وأنتم لم تكرموا أنفسكم، فمن أي باب تطلبون الشرف؟ فالشرف هو في ترقية الوطن، ولمِّ شعث أبنائه، والأخذ بناصر المظلوم، وانتياش الجاهل من حمأة الغفلة، وبذل العلوم المفيدة وبذل المال لتأسيس المدارس. وفقنا الله إلى ما فيه صلاحنا.

بتاوى (جاوه)

علي بن شهاب

التعليقات (0)