اليمن وظهور المتنبئة

اليمن وظهور المتنبئة

أ.د. محمد سهيل طقوش

أوَّل متنبِّئ في عصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّ إحدى المهمات الكبرى التي واجهت النبيَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم في السنتين الأخيرتين من حياته كانت ضرورة محاربة المتنبِّئين، الذين أخذوا بالظهور في أنحاءٍ متفرِّقةٍ من الجزيرة العربية بحزمٍ شديدٍ وحكمةٍ بالغة، وتذكر المصادر أنَّ المتنبِّئ الأوَّل الذي ظهر ودعا إلى نفسه كان في قبيلة مذحج في اليمن في عام "10هـ=631م"، وهو ذو الخمار عيهلة بن كعب المعروف بالأسود العنسي من قبيلة عنس[1].

الوضع السياسي والتكتلات في اليمن عند ظهور الإسلام:

الواضح أنَّ اليمن لم يكن موحَّدًا سياسيًّا عند ظهور الإسلام، ولم تكن فيه سلطةٌ عليا يتعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم، تدلُّنا على ذلك كتبه التي كتبها إلى عدَّة أفرادٍ وجماعات ذكرتها المصادر، وتعدُّد الوفود التي قَدِمت إلى المدينة لإعلان اعتناق الإسلام[2].

كان للفرس نفوذٌ واسعٌ في حكم اليمن، وهم من بقايا التطوُّرات الأخيرة التي مرَّت بها هذه البلاد، ولكنهم لم يُشكِّلوا سلطةً مركزية؛ وإنَّما تمركزوا في صنعاء[3] وفي بعض مناطق اليمن ذات النشاط الاقتصادي كعدن[4] وذمار[5] بينما كان لسادات القبائل من حضرٍ وبدو سلطاتهم المحليَّة، وقد شاء بعضهم أن يظهر بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه فلقَّبوا أنفسهم بلقب ملك، وقد نعتت كتب التاريخ والسير سادات حِمْيَر في أيَّام النبيِّ صلى الله عليه وسلم بملوك حِمْيَر[6]، ولم تكن العلاقات القبليَّة جيِّدة، وظهرت القبائل البدويَّة من خلال الأحداث قوَّةً مؤثِّرةً، وكانت تضغط على اليمن من أطرافه.

ومن أبرز الكتل التي شكَّلها الأعراب في اليمن هي الكتلة التي نشأت عن تحالف القبائل المنتسبة إلى مذحج مثل زبيد، والحارث بن كعب، وبني عبد الودان، وخولان، واجتمعوا في مذاب بالجوف[7].

احتفظ الجيل الجديد من الفرس -الذي ظهر في اليمن بنتيجة تزاوج الجنود الفرس باليمانيَّات، وهو الجيل الذي عُرف بالأبناء- بنفوذٍ كبيرٍ في اليمن عامَّةً، ويبدو أنَّ التغييرات الإدارية المستجدَّة في الجزيرة العربية لم تصب كثيرًا الطبقة الإدراية وعمادها الأبناء، فظلَّت في مواقعها طبقةً متفوِّقة يستعين بها أهل اليمن.

أسباب الصراع السياسي والقبلي في اليمن:

اصطدمت قوى التحالف بالسلطة الفارسيَّة في مأرب[8] والجوف ونجران[9]؛ حيث كانت معظم قبائل هذا التحالف تقيم على التخوم الشماليَّة الشرقيَّة لليمن، كما تستوطنها قبائل همدان، وهي من المناطق الصحراويَّة الفقيرة إجمالًا بإنتاجها الاقتصادي، ولا تُساعد على نشوء الاستقرار البشري، بخاصَّةٍ منطقة مذحج بين حضرموت ونجران، وللفرس فيها استثماراتٌ في منطقة سبأ[9] والرضراض حيث مناجم الذهب والفضة.

اشتدَّ تهديد هذه القوى للسيطرة الفارسيَّة في عهد باذان العامل الفارسي؛ حيث كانت فارس تُعاني من اضطراب الأوضاع الداخلية، وظهرت تكتُّلاتٍ معاديةً للفرس تمثَّلت في غارات قبائل تميم على طريق التجارة الشرقي في منطقة اليمامة[10]، يُضاف إلى ذلك أنَّ قوة الأذواء -سادات القبائل الحميريين- تطوَّرت وازداد نفوذهم.

حدث ذلك في الوقت الذي كان فيه سكَّان القرى اليمنيَّة يُعانون من كثرة الضرائب[11]، واستغلال طبقة المرابين الذين كانوا يشترون المحاصيل قبل نضجها بأسعارٍ متدنية، فاستاءوا من هذا الوضع الاقتصادي السيِّئ، ومن المحتمل أنَّ بعض القوى استغلَّت وضعهم هذا ووجَّهتهم ضدَّ السيطرة الفارسيَّة.

وتحرَّك الفرس في اليمن للحفاظ على مكتسباتهم، فتحالفوا مع همدان التي كانت تمرُّ بمرحلة تفكك وقد جمعت الطرفين مصلحةٌ مشتركة؛ ذلك أنَّ الفرس أرادوا أن يُعوِّضوا عن انقطاعهم عن الدولة الساسانيَّة، وفي المقابل أرادت همدان الاعتماد على قوَّةٍ مواليةٍ لها لمواجهة قوَّة حِمْيَر المتزايدة؛ حيث إنَّ توحيد همدان قد ينتزع من حِمْيَر ما كان معها من بطون همدان، بالإضافة إلى الأراضي التي خسرتها أمامها.

اجتمع باذان مع عمرو بن الحارث بن الحصين الشاكري البكيلي وعمرو بن يزيد بن الربيع الحاشدي، واتفقوا على عقد حلفٍ موجَّهٍ ضدَّ القبائل المحتشدة في مذاب بالجوف التي كانت تسعى لاستقطاب أطرافٍ أخرى إلى جانبها، ومع أنَّ نتيجة الاصطدام غير معروفة فإنَّ حالة التوتر قد استمرَّت بين همدان ومذحج، وانضمَّت مراد إلى هذه الأخيرة وكانت بقيادة قيس بن هبيرة الذي يُعرف أحيانًا بقيس بن عبد يغوت، وأحيانًا بقيس بن المكشوح[12]، ويُعدُّ هذا التوسع دليل نضجٍ في تطوُّر الأوضاع السياسيَّة، وتعزيز موقف المعارضة اليمنيَّة ضدَّ الوجود الفارسي.

وصول الإسلام إلى اليمن وأثره فيه:

طرأ في هذه الأثناء تطوُّرٌ آخر على أوضاع اليمن تمثَّل في امتداد الدولة الإسلامية باتجاه الجنوب بعد فتح مكَّة في عام "8هـ/ 630م"، فجاورت اليمن، وبدأ عمَّال النبيِّ محمَّد صلى الله عليه وسلم يصلون إلى اليمن يبشِّرون بالدين الجديد، كما أنَّ وفودًا من أهل اليمن بدأت تتوجَّه نحو المدينة؛ لتعلن دخولها في الإسلام لتعود ومعها عمال النبيِّ صلى الله عليه وسلم[13].

كان لهذا التطوُّر تأثيره على أوضاع اليمن السياسيَّة والدينيَّة؛ ذلك أنَّ باذان اعتنق الإسلام بعد حادثة مقتل الإمبراطور الفارسي كسرى الثاني أبروبز على يد ابنه قباذ الثاني شيرويه، وتسلُّم هذا الأخير الحكم، وبخاصَّةٍ أنَّه علم بهذه الأحداث عن طريق النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تصل إليه من فارس، فاتَّجه إلى الاستفادة من الطرف الإسلاميِّ في مقاومة قوى التحالف، واستمرَّ في منصبه عاملًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم على اليمن بعد أن كان عامل الفرس عليها[14].

ولمـَّا مات باذان عيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ابنه شهر واليًا على صنعاء وما والاها، كما عيَّن ولاة من أهل اليمن وآخرين من أصحابه على الأقاليم المختلفة؛ فكان عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورفع وزبيد[15]، وعامر بن شهر على همدان، وطاهر بن أبي هالة على عك والأشعريين، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه على مأرب، ويعلى بن أمية على الجَنَد[16]، ومعاذ بن جبل معلِّمًا يتنقَّل في عمالة كلِّ عاملٍ باليمن، واستقرَّ في الجَنَد، كما عهد إليه بمهمَّة القضاء، وقَبْض جميع الصدقات.


الحواشي

[1] البلاذري: فتوح البلدان: ص113، والطبري: ج3 ص147- 185. لُقِّب بذي الخمار؛ لأنَّه كان يُلقي خمارًا رقيقًا على وجهه ويهمهم فيه.

[2] الطبري: المصدر نفسه: ص115- 125، 130- 146.

[3] صنعاء: قصبة اليمن، وأحسن بلادها. الحموي: ج3 ص426.

[4] عدن: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. الحموي: ج4 ص89.

[5] ذمار: اسم قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء. المصدر نفسه: ج3 ص7.

[6] الطبري: ج3 ص120.

[7] الجوف: من أرض مراد في سبأ، كما أن الجوف أرض بعمان. الحموي: ج2 ص187، 188.

[8] مأرب: بلاد الأزد باليمن. المصدر نفسه: ج5 ص34.

[9] نجران: في مخاليف اليمن من ناحية مكَّة. المصدر نفسه: ص266.

[10] سبأ: أرض باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. الحموي: ج3 ص181.

[11] الحديثي، نزار عبد اللطيف: أهل اليمن في صدر الإسلام: ص71.

[12] النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب: نهاية الأرب في فنون الأدب: ج6 ص373.

[13] البلاذري: ص114، والطبري: ج3 ص185-230.

[14] الطبري: المصدر نفسه: ص147.

[15] الطبري: ج2 ص655، 656، ج3 ص227.

[16] زبيد: مدينة مشهورة في اليمن. الحموي: ج3 ص131.

التعليقات (0)