المقنع الكندي .. الشاعر الشريف البهي

المقنع الكندي .. الشاعر الشريف البهي

شحادة بشير

من هو المقنع الكندي ؟

الشاعر المقنع الكندي هو محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرغان بن قيس بن الأسود بن عبد الله الولَّادة بن عمر بن معاوية بن كندة بن عدي بن الحارث بن مُرَّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ينتهي نسبه إلى قحطان، يُلقَّب الْمُقَنَّع الكندي، أحد شعراء صدر الإسلام، أصله من أهل حضرموت، وقد وُلِد بها في وادي دوعن، نزل الشام وبقي إلى أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

لقبه:

كان محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر الكندي يُعرَف بالْمُقَنَّع؛ لأنه كان أجمل الناس وجهاً، وكان إذا خلع اللثام عن وجهه أصابته العين، وكان أمد الناس قامةً وأجملهم خلقاً، وكان إذا أصابته العين يمرض ويلحقه عنت، فكان لا يمشي إلا متقنعاً.

يقول الجاحظ في سبب تسميته محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر الكندي بالمقنَّع: ”إنَّ القناعَ من سِمات الرؤساء، والدليلُ على ذلكَ والشاهِد الصادق، والحُجَّة القاطِعة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان لا يكاد يُرى إلَّا مُقنَّعاً، وجاء في الحديث: حتى كأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دَهَّان”.

أما ابن معصوم، فيقول إنه “أحد ثلاثة كانوا لا يَردون مواسِمَ العربِ إلا مقنَّعين، يسترون وجوهَهَم حَذَراً على أنفسهم من النساء وخوفاً من العين، وهم أبو زيد الطائي، والمقنَّع الكندي، ووضَّاح اليمن”.

مروءته وسؤدده في عشيرته:

كان المقنع الكندي له محل وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته، وكان كريماً في العطاء، سمحاً بالمال، لا يرد سائلاً عن شيء حتى أتلف كل ما خلفه أبوه من مال، فاستعلاه بنو عمه عمرو ابن أبي شمر بأموالهم وجاههم، وهوى بنت عمه عمرو، فخطبها إلى إخوتها، فردوه وعيروه بكثرة عطائه وفقره وما عليه من الدَّين.

فقال الشاعر المقنع الكندي في قصيدة دين الكريم الشهيرة، والتي مطلعها ( يعاتبني في الدين قومي وإنما )، وفيها يشكو عتاب بنو عمه، الذين ظلوا ينافسونه على المجد والرئاسة، وفي حين أنه كان يحمل لهم المحبة والخير، كانوا يضمرون له النكران والجحود، وفي حين يسعى هو إلى نصرهم ومؤازرتهم فإنهم يتخلون عنه، كما وضح المقنع الكندي لهم فيها أنه لم يهدر ماله عبثاً، إنما بنى به مجداً لقومه، وصنع ما يكسبهم المحامد، حيث سد ما أهملوه وضيعوه، فكيف لهم بعد ذلك أن يوجهوا له اللوم ؟ وكيف لهم أن يستعلوا عليه بأموالهم ويعيّروه بفقره ؟

يُعاتِبُنـي في الديـنِ قَــومـي وَإِنَّمـا .. دُيونـيَ في أَشـياءَ تُكـسِبُهُم حَمدا

أَلَـم يَـرَ قَـومــي كَـيفَ أوسِــرَ مَـرَّة .. وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا

فَـمـا زادَنـي الإِقــتــارُ مِـنهُـم تَقَــرُّبـاً .. وَلا زادَني فَضلُ الغِنى مِنهُم بُعدا

قال الهيثم بن عدي عن رياسة أسرة المقنَّع في القبيلة في سياق حديثه عن المقنع الكندي: ” كان عُمير جده سيد كِندة، وكان عمُّه عمرو بن أبي شمر، ينازع أباه الرياسة ويساجله فيها، فيقصُر عنه”.

عموماً، فقد كان المقنع الكندي مثالاً للشهامة والنُبل والأريحية العربية، إلى درجة أنه لا يردُّ سائلاً عن عطاياه، حتى أتلَفَ جميعَ أموالهِ وركِبته الديون.

شعر المقنع الكندي:

المقنع الكندي شاعر مجيد له الشعر الرائق، عاش في صدر الإسلام، اشتهر في العصر الأموي، وكان قد مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأنشد فيه:

إِنَّ عَــليّــــاً ســـادَ بِالتَّــكــــــرُّم .. وَالحُلــــمِ عِـندَ غايَةُ التَّحلُّـمِ

هَــداهُ رَبّـي لِلصِّـــراطِ الأَقــــوَمِ .. يَأخُــذُهُ الحِلَّ وَتَرك المحرمِ

كَاللَّيثِ بَين الكَبـــواتِ الضَّيغَـم .. يُرضِـعنَ أَشـبالاً وَلَمَّا تُفطَمِ

ونجد في قصيدة المقنع الكندي دين الكريم أنه لا يحمل الحقد القديم ولا الجديد على قومه، وأنهم إن اجتمعوا ليلقوه في البئر؛ فإنه سيخرج للبحث عن مكرمة جديدة يرفع بها اسم قومه، ومن هنا نرى عظم نفس الشاعر، الذي اختار العتاب والشكوى على الهجاء والشتيمة، وختم قصيدته بأبيات من المدح والطيب وحسن الظن وعظيم الاعتذار لبني عمه:

وَإِن بادَهـوني بِالعَـداوَةِ لَم أَكُن .. أَبـادُهُــــم إِلّا بِمــا يَنعَـــت الــرُشـــدا

وَإِن قَطَعـوا مِنّي الأَواصِـر ضَـلَّةً .. وَصَلــتُ لَهُــم مُنّــي المَحَــبَّةِ وَالــوُدّا

وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم .. وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا

أغراضه الشعرية:

النُصح والإرشاد: خصوصاً في نهاية حياته، حيث ارتدى الشاعر المقنع الكندي عباءة الحكمة واتشحَ لباس الزُهد، مُذكِّراً نفسه ومُحيطه بأنَّ كل شيء في النهاية إلى زوال.

المديح: وكان يرمي في مديحه إلى التغنّي بفضائل الرجال، وامتداح مزاياهم تخليداً لصنيعهم وتحفيزاً لسواهم على اقتفاء أثر أصحاب الفضائل.

الوصف: حيث وَصَفَ الخط العربي وجودته ومِداده وأنواع أقلامه.

الهجاء: وقد قَصَد عبر هذا النوع من الشعر؛ هؤلاء الذين يناقضون طبعه، ويخالفون سجيته، خصوصاً أولئك الذين يشتهرون بالبخل.

الفخر: فهو يفخر بشعره ويتغنى بقوة قصيدته وشخصيته وسُمو نفسه وترفُّعها عن الدنايا، إلى جانب فخره بسُمو منزلة قومه.

الغَزَل: كان الشاعر المقنع الكندي عُذرياً في أسلوبه وتصويره، فقد ظلَّ متعلقاً بابنة عمه التي أحبها ورفَضَ أهلها تزويجه إيَّاها، بعدما عَيَّروه بتخرُّقه وفقره.

العتاب والشكوى: بسبب تقلُّب الدنيا عليه، فهو الكريم الذي كان يجود بكل ما لديه، لكن إسرافه أفضى به إلى مهاوي الفقر والاستدانة.

وفاة المقنع الكندي:

عاش الشاعر المقنع الكندي ( محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر الكندي ) إلى عهد الوليد بن يزيد الذي توفي سنة 126 هجرية، والدليل على ذلك مديحه له بقوله: “وله الخلافة بعد موت هشامه”، من قصيدة قَّدمها له في صدر خلافته سنة 125 هجرية، بحسب ما أورده الأصفهاني، لكن خير الدين الزركلي يرى أن وفاته كانت عام 70 هجري.

المصدر: موقع تاريخ كوم

التعليقات (0)