مملكة سبأ .. بين النصوص الدينية والروايات التاريخية (1)

مملكة سبأ .. بين النصوص الدينية والروايات التاريخية (1)

مها عبيد

كانت سبأ مملكة تقع في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن حالياً) والتي ازدهرت في الفترة الواقعة بين القرن الثامن قبل الميلاد وعام 275م حيث أفل نجمها عندما احتلها الحميريون.

هذه هي الفترة المتفق عليها لاستمرار مملكة سبأ، بينما يرجح بعض العلماء على أنها وجدت لفترات أطول أو أقصر.

سبأ في الكتب المقدسة:

قد تكون مملكة سبأ مشهورة اليوم بسبب سردها في الكتاب المقدس في سفر الملوك 10 : 1 – 13 وسفر أخبار الأيام الثاني 9 : 1 -12 عن زيارة ملكة سبأ للملك سليمان، وقد رويت نفس القصة مع وجود اختلافات ملحوظة في الترجوم الثاني،  وفي القرآن الكريم (سورة النمل)، وفي كتاب مجد الملوك الأثيوبي (يضع الكتاب الأخير سبأ في أثيوبيا وليس في جنوب شبه الجزيرة العربية).

كما أن ملكة سبأ مذكورة في العهد الجديد المسيحي في إنجيل متى (12: 42) وإنجيل لوقا (11:31)، وظهرت سبأ في أسفار العهد القديم (من بينها : سفر أيوب 1: 13 – 15 ، سفر إشعياء 45: 14 ، سفر يوئيل 3: 4-8)، وكذلك ذكرت في القرآن الكريم في سورة سبأ.

مملكة سبأ الثرية:

ومع ذلك؛ فقد عُرفت سبأ في الأصل بأنها مملكة ثرية وقد نمت ثرواتها بفضل التجارة عبر طريق البخور الممتد بين جنوب شبه الجزيرة العربية وميناء غزة على البحر المتوسط.

تشير معظم المصادر التراثية الإسلامية والإنجيلية – ومن ضمنها قصة الملكة الشهيرة بلقيس – إلى أن ثروة سبأ تعود إلى نجاحها في التجارة.

قبل القرن الثامن قبل الميلاد؛ كانت التجارة في المنطقة تحت سيطرة مملكة معين، ولكن بحلول عام 950 ق.م؛ سيطرت مملكة سبأ على المنطقة، وفرضت الضرائب على بضائع جيرانها في الجنوب مثل حضرموت، ومملكة قتبان، وميناء قنا.

تراجعت تجارة السبئيين في أثناء الدولة البطلمية في مصر (323–30 ق.م) عندما شجع البطالمة التجارة عبر الطرق البحرية على حساب السفر البري، ما أدى إلى تراجع هيبة مملكة سبأ حتى تم احتلالها من قبل دولة الحميريين المجاورة لها.

ملكة سبأ في الكتب المقدسة:

كانت سبأ هي موطن الملكة التي سافرت إلى القدس لتختبر حكمة الملك سليمان (حوالي 965 – 931 ق.م)، في الرواية الموجودة في الكتاب المقدس أنها جلبت له هدايا كثيرة من الذهب من ضمن هدايا أخرى (سفر الملوك الأول 10 : 10).

كانت الهدايا متوافقة مع الثراء المعروف عن مملكة سبأ، والتي لا يوجد دليل آخر على وجودها سوى روايات الكتب المقدسة.

أما القصة المذكورة في الترجوم الثاني، وهو الترجمة الآرامية لسفر أستير مع التفسير فإنه يقدم نسخة منمقة عن زيارتها، ونفس القصة مع بعض الاختلافات مذكورة في القرآن الكريم.

ظهرت نفس القصة بعد ذلك في الكتاب الأثيوبي “مجد الملوك”، وقد أضاف هذا الكتاب أن الملكة حملت بإبن الملك سليمان، وقام هذا الابن بعد ذلك بنقل تابوت العهد من القدس إلى أثيوبيا.

أدى هذا الربط بين الملكة ومملكة سبأ بأن يستنتج البعض أنها كانت ملكة أثيوبية من وسط أفريقيا، حيث أن أفريقيا بها منطقة تُدعى سبأ والتي يبدو أنها مرتبطة لغوياً أو ثقافياً بمملكة سبأ الموجودة في شبه الجزيرة العربية.

لكن الأمر المرجح بشكل أكبر أن الملكة هي من مملكة سبأ الواقعة في شبه الجزيرة العربية، حيث اشتهرت تلك المنطقة بثرائها في تلك الفترة نتيجة لسيطرتها على طريق البخور الذي كانت تمر منه القوافل التجارية.

نشير هنا إلى أن نقلنا لما ورد في العهدين القديم والجديد؛ لا يعبر عن وجهة نظرنا، لكن الأمر لا يزيد عن كونه ترجمة لما يطرحه الإعلام الغربي حول أسطورة هذه المملكة الغابرة.

طريق البخور وسبأ:

كانت طرق البخور التي عُرِفت أيضاً بطرق التوابل (حيث كانت القوافل العابرة محملة بالبخور والتوابل) هي الطرق التي سلكها التجار المسافرون من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى ميناء غزة على البحر المتوسط.

وكانت هذه الطرق هي الأكثر جنياً للأرباح بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وكذلك وصولاً إلى القرن الثاني قبل الميلاد ولكنها كانت موجودة من قبل ذلك وبقيت قيد الاستخدام لوقت لاحق.

غطت طرق البخور مساحة 1200 ميل (حوالي 1931 كيلومتر) وكانت تستغرق 65 يوماً للسفر في اتجاه واحد.

كانت القوافل تتوقف في مدينة مختلفة في نهاية كل يوم وتقوم بمبادلة البضائع وإراحة الجمال، ثم تستأنف السير في الصباح التالي.

وعلى الرغم من مرور العديد من البضائع عبر تلك الطرق، فإن البضائع الأعلى قيمة كانت شحنات اللبان والمر.

كانت سواحل جنوب شبه الجزيرة العربية تقوم بزراعة الأشجار التي تفرز تلك المواد الراتنجية، ولكن يبدو أنها كانت تحصل على المزيد من الهند عبر ميناء قنا (يُعرف اليوم ببئر علي في شرق اليمن).

كانت البضائع تُنقل من الممالك الساحلية شمالاً إلى معين، ومن هناك إلى غزة.

التجار الأنباط أكثر نجاحا في التجارة:

كان التجار الأكثر نجاحاً على هذه الطرق هم الأنباط (وهم معروفون اليوم بعاصمتهم مدينة البتراء في جنوبي الأردن) والذين كانوا قادرين على التفوق على منافسيهم عبر التحكم في منابع المياه.

حفر الأنباط الآبار التي كانت تمتلئ بمياه الأمطار ثم قاموا بإخفائها حتى لا يعرف مكانها ولا يستخدمها أحد سواهم، مما مكنهم من السفر بسرعة أكبر وتكلفة أقل، حيث لم يكونوا مضطرين للتوقف في المدن أو البلاد للمقايضة للحصول على الماء.

وفي ذلك الوقت أصبح الأنباط أثرياء للغاية لدرجة أنهم أصبحوا قادرين على التحكم في مدن مهمة على طول الطريق مثل: عبدة، و الخلصة، وممشيت وشبطا والتي أصبحت جميعها مراكز تجارية مزدهرة.

لم يكن بإمكان الأنباط وغيرهم الربح من الطرق بدون وجود مركز توزيع مركزي، وفيما يبدو أن هذا المركز كان مملكة معين، ومنه تحكَّم المعينيون في تجارة البخور.

كان السبئيون في نفس المنطقة، وفي عام 950 ق.م بدأت مملكة سبأ بفرض سيطرتها على التجارة، وبحلول القرن الثامن قبل الميلاد أحكمت المملكة تلك السيطرة.

صعود نجم سبأ:

تمكن السبئيون من التفوق على المعينيين في التحكم في التجارة، وسرعان ما أصبحت سبأ المملكة الأكثر ثراءً في شبه الجزيرة العربية.

كانت البضائع تُرسل من سبأ إلى بابل وأوروك في بلاد ما بين النهرين، وإلى ممفيس في مصر، وإلى جبيل و صيدا وصور في المشرق، ومن ميناء غزة إلى أبعد من ذلك.

قواعد اللعبة مع بلاد الرافدين ومصر:

وفي عهد الملك الآشوري سرجون الثاني (722 – 705 ق.م)؛ تطلب العبور في تلك الطرق التجارية الحصول على إذنه للمرور عبر الأراضي الآشورية.

كان المصريون يتبادلون التجارة مع أراضي بنط (حالياً: ولاية أرض البنط الصومالية) منذ دولتهم الخامسة (حوالي 2498 – 2345 قبل الميلاد)، وكذلك مع جيرانهم النوبيين في الجنوب، ولكنهم بدأوا بعد ذلك في التجارة مع جنوب شبه الجزيرة العربية.

كان الذهب يسافر من النوبة شمالاً حتى العاصمة المصرية ممفيس ومنها إلى الشرق ثم إلى سبأ في الجنوب.

ارتقى الملوك السبئيون المعروفون بالمكاربة إلى السلطة وقاموا بتمويل مشاريع لإنشاء مبانٍ عظيمة من عاصمتهم في مأرب (صنعاء الحالية في اليمن).

من أشهر هذه المشاريع سد مأرب، أقدم سد معروف في العالم.

كانت الأودية الجبلية تفيض بالماء أثناء مواسم الأمطار لذلك بُني السد ليتحكم في الماء ويحوله إلى المزارع المنخفضة في الوديان.

أرض اليمن السعيد:

كانت عملية ري الأراضي ناجحة للغاية لدرجة أن المؤرخين القدامى أطلقوا على سبأ اسم “البلد الخضراء”، من أمثلة هؤلاء المؤرخين بلينيوس الأكبر (23–79م) والذي أطلق على المنطقة اسم Arabia Eudaemon أي “بلاد العرب السعيدة”، وهو المصطلح الذي استخدمه الرومان فيما بعد بإسم (Arabia Felix) .

اعتُبر السد واحد من أعظم الأعمال الهندسية في العالم القديم.

اعتمد الاقتصاد في مملكة سبأ على التجارة عبر طرق البخور، وكذلك اعتمد على الزراعة.

زراعة وفيرة:

وفَّر سد مأرب المياه اللازمة لري الحقول، وكانت المحاصيل وفيرة وكانت تُحصد مرتين سنوياً.

تكونت المحاصيل من التمور و الدخن و العنب و القمح والفواكه المتنوعة، وكذلك كانوا يقومون بتقطير الخمر من العنب ثم يتم تصديره أو استهلاكه محلياً.

ومع ذلك؛ فقد كان المحصول الأكثر أهمية هو الأشجار التي تزودهم الصمغ الخاص بها باللبان والمر وهو ما جعل المملكة شديدة الثراء، كتب المؤرخ سترابو من القرن الأول الميلادي:

"أصبحت كل من سبأ وجرعا بما لهما من نصيب في تجارة الطيوب أغنى القبائل عامة، وامتلكت كميات كبيرة من القطع المصنوعة من الذهب والفضة مثل الأرائك والأحواض وأواني الشرب، بالإضافة إلى منازلهم الرائعة ذات الأبواب والأسطح والجدران المزخرفة بالعاج المطعم والذهب والفضة والأحجار الكريمة"(الجغرافيا – الكتاب السادس عشر).

وعلى الرغم من أن المؤرخ سترابو كان يكتب في وقت لاحق، فيبدو أن سبأ كانت تمتع بمستوى عالٍ من الثراء منذ القرن السابع قبل الميلاد على الأقل.

من أين يأتي الذهب؟

تميزت أجزاء من الجزيرة العربية بتوافر مورد الذهب الذي عزز من قدرة مملكة سبأ ونظيراتها على تعزيز ثرواتها المادية والتي تحولت إلى ثروة حضارية فيما بعد.

وقد تعرَّض المؤرخ العراقي الشهير جواد علي، إلى بعض المواضع التي كان يستخرج منها الذهب في أرجاء مختلفة من الجزيرة العربية، وذلك في كتابه المرجعي “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، مستعرضاً إياها كما يلي:

  • بيشة أو بيش (عسير)، وقد كان الناس يجمعون التبر منه، ويستخلصون منه الذهب.
  • ضنكان وقد تميز هذا الموضع بمعدن غزير من التبر.
  • المنطقة الواقعة بين القنفذة ومرسي حلج.
  • المنطقة الواقعة بين القنفذة وعتود التي كانت تصدِّر الذهب.
  • وادي تثليث على مقربة من حمضة القريبة نسبياً على نجران.
  • ديار بني سليم التي أصبحت تسمى “مهد الذهب”.
  • أرض مدين وما والاها من الأرضين في شمال وادي الحمض.

المعابد:

صعدت المدن العظيمة إلى المشهد ونُصبت المعابد الحجرية داخل تلك المدن وخارج أسوارها أيضاً.

كانت المعابد الموجودة خارج المدن تُستخدم من قبل التجار والقبائل الرحالة، أما المعابد الموجودة داخل المدينة فقد كانت مخصصة لخدمة ساكني المدينة فقط.

كذلك من الواضح أن الملك كان له سلطة كهنوتية كبيرة وكان يترأس المهرجانات الدينية ويشرف على العمليات في المعبد.

المصدر: موقع تاريخ كوم

التعليقات (0)