مملكة سبأ .. بين النصوص الدينية والروايات التاريخية (2)

مملكة سبأ .. بين النصوص الدينية والروايات التاريخية (2)

مها عبيد

ديانة سبأ:

كان الدين في مملكة سبأ مشابهاً للاعتقاد السائد في بلاد ما بين النهرين إلى حد كبير.

كان يُعتقد أن الآلهة خلقت العالم والناس ومنحتهم العطايا الجيدة.

كان “المقه” إله القمر السبئي هو ملك الآلهة وهو مشابه في كثير من الأوجه لإله القمر في بلاد ما وراء النهرين الإله نانا (كما يُعرف أيضاً بننار وسن) وهو واحد من أقدم الآلهة في بلاد ما بين النهرين.

أما في مملكة حضرموت المجاورة؛ فقد كان المقه يُعرف بالإسم الموجود في بلاد ما بين النهرين (سن).

أُهدي المعبد الأعظم في سبأ – المعروف بإسم محرم بلقيس ، وهو موجود بالقرب من العاصمة مأرب – إلى المقه، وقد استمر االناس في اعتباره موقعاً مقدساً حتى بعد رحيل المملكة نفسها.

كانت شمس هي إبنة المقه وإلهة الشمس في سبأ وهي تتشارك في كثير من الصفات مع أوتو - شمش إله الشمس عند بلاد ما بين النهرين، وهو إله آخر من بين أقدم الآلهة في بلاد ما بين النهرين يعود تاريخه إلى عام 3500ق.م -.

لا توجد الكثير من المعلومات المتوفرة عن الآلهة الأخرى في سبأ، وكأي آلهة أخرى في العالم القديم ، فإن لكل إله من الآلهة تخصص مختلف، ويجب أن تُقدم لهم القرابين التي قد تكون بخور أو ثروة حيوانية أو مساحات من الأرض ، ومن الممكن أن تكون هذه الممارسات كما هو الحال في مصر قد نتج عنها طبقة كهنوتية ثرية للغاية.

صناعة الكهنوت:

ليس من المعروف كيف كان الكهنة يؤدون واجباتهم أو ما إذا كانت هناك فئة كهنوتية أم لا بالرغم من أنه من المرجح وجودها.

وإذا صدق هذا الافتراض؛ فإن ذلك يعني أنهم اتبعوا نفس النموذج الموجود في بلاد ما بين النهرين ومصر، وفيه كان الكهنة والكاهنات يقدمون الرعاية للآلهة في معابدهم .

وكما هو الحال في الحضارات الأخرى؛ فقد اعتقد السبئيون أن الآلهة هم رفاقهم في الحياة الدنيا وفي عالم ما بعد الموت.

كان الناس يحافظون على عباداتهم فقط عن طريق الاشتراك في المهرجانات الدينية، وكانوا يؤمنون بالتبصر وأن الآلهة وأرواح الموتى يمكنهم إرسال الرسائل إلى الأحياء.

كان الموتى يُحنطون ويُدفنون في المقابر بعد أن تُدهن أجسادهم بالمر ثم يُحرق البخور في المعابد، وهذه هي الممارسات الدينية القليلة المعروفة عند السبئيين.

التراث المكتوب عند سبأ:

على الرغم من أن السبئيين كانوا يعرفون القراءة والكتابة؛ غير أنهم تركوا القليل جداً من التاريخ المكتوب. يُعلق العالم كينيث كيتشن على ذلك قائلاً:

عندما بدأ ملوك سبأ ومعين وغيرها من المناطق في بناء المباني المعمارية الضخمة –  وبالأساس المعابد الحجرية – سرعان ما بدأوا بتزيينها بالنصوص المناسبة التي كانت تُكتب عادة بالخط المُسند. ولكن بعكس مصر وآشور يبدو أن المشاهد والنقوش البارزة قد لعبت دوراً ضئيلاً للغاية ويبدو أنها اختفت بعد بداية القرن الثامن قبل الميلاد تاركة النصوص فقط”.

ومع ذلك فإن هذه النصوص عبارة عن إهداءات للمعبد، والمراسيم الملكية، وقرارات المحكمة ، ولذلك لا تعبر عن التاريخ.

فهي لا تلقي الضوء على الممارسات والمعتقدات الدينية، أو حياة وإنجازات الملوك، أو ميلاد وأنشطة الآلهة، أو كيفية تعامل الآلهة مع عالم البشر.

يلاحظ كيتشن أنه لو كانت تلك النصوص مصحوبة بالرسوم الموجودة على النقوش البارزة لتمكنت من إيصال المعنى بشكل أكبر.

ومع ذلك؛ فإنها توضح العهد الأساسي للملوك والحملات العسكرية التي وسعت من نفوذ السبئيين في آخر القرن السادس.

الفتوحات والدبلوماسية العسكرية:

كان هناك 31 من المكاربة بين فترة حكم يثع أمر وتر الأول والرجل الذي اعتُبِر أعظم الملوك السبئيين “كرب إيل وتر” (القرن السابع – القرن السادس قبل الميلاد)، كان كرب أيل وتر هو أول من يطلق عليه لقب الملك بدلاً من المكرب الذي كان يُستخدم في السابق، وقد تابع الملوك اللاحقين نفس التسمية.

مُنح كرب أيل لقب “مُدمر المباني” نتيجة لحملاته العسكرية على مملكة أوسان ، كما عُرف أيضاً بـإسم “منفذ إرادة أيل” بعد أن قام بذبح القبائل البدوية ووضع الحدود لسبأ.

كرب إيل وتر:

يعود لقب “أيل” للإله المقه، وطبقاً لتعليمات المقه قام الملك كرب أيل بذبح الآلاف في أوسن ثم قام بغزو معين حيث ذبح أيضاً الآلاف من المعينيين ثم فرض عليهم الجزية والتي زادت من ثراء المعبد العظيم القريب من عاصمته.

يُقال: إن ملك سبأ كان هو كذلك كبير كهنة الإله، وإن صح ذلك فهذا يعني أن الملك كرب أيل وتر كان غنياً بشكل لا يصدق، وبالرغم من أن الملك قد استفاد بشكل شخصي فإنه لا يوجد شك بأن مملكة سبأ قد استفادت أيضاً بشكل كبير من هذه الحروب، حيث عرفت دائماً بثروتها الضخمة.

كان على القوافل القادمة من جنوب قتبان وحضرموت والتي تتوقف في سبأ أثناء رحلتها إلى الشمال أن تدفع الضرائب الإضافية إلى المقه كما يظهر في شكاوي التجار.

الضعف والسقوط:

استمرت سبأ في الازدهار حتى بدأت الأسرة البطلمية في مصر تفضيل الطرق البحرية للتجارة على الطرق البرية.

لم تكن الرحلات البحرية والنهرية شيئاً جديداً، وكانت في الواقع مُفضلة بالنسبة للقدماء نظراً لتمكنهم من السفر في البحر بشكل أسرع من البر.

كانت التجارة عبر النيل والبحر الأحمر معتادة في ذلك الوقت، ولكن ما شكل الفارق بالنسبة لمملكة سبأ؛ هو قرار مصر بمنع المرور عبر طريق البخور والتعامل مباشرة مع مدينة قنا الساحلية.

فبدلاً من مرور البضائع إلى داخل وخارج مصر عبر طريق الإسكندرية – غزة، أصبح بإمكان المراكب المصرية أن تبحر جنوباً في البحر الأحمر حول ساحل شبه الجزيرة العربية بين بنط في أفريقيا وقتبان في شبه الجزيرة العربية، لتصل إلى قنا لتمارس التجارة مباشرة مع التجار القادمين من الشرق الأقصى، وبذلك لم يعد لسبأ ضرورة في العملية التجارية.

وفي عهد بطليموس الثاني فلاديلفوس (285-246 ق.م)، تأسست المستعمرات المصرية على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر مما مكن مصر من التجارة بسهولة مع قتبان وحضرموت وقاني على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية.

ومع تضاؤل أهمية طريق البخور الذي كان السبب في ثراء مملكة سبأ؛ بدأت المملكة في الضعف والتراجع .

الغزو العسكري الحميري:

ومع ذلك فإن نهاية مملكة سبأ لم تحدث بسبب التراجع الاقتصادي ولكن بسبب الغزو العسكري.

بدأ الحميريون من المنطقة المحيطة بريدان في شبه الجزيرة العربية باكتساب القوة، ربما عن طريق التجارة، وحوالي عام 200م بدأت بغزو الممالك المجاورة لها مثل قتبان.

وبمجرد أن أرسوا حكمهم، تحولوا إلى سبأ التي سقطت في عام 275م ثم حضرموت التي استولوا عليها في عام 300م، كان يُطلق على الملوك من حمير لقب ”ملوك سبأ وريدان” وقد رفضوا الشرك بالله واعتنقوا اليهودية.

ومع قيام المبشرين المسيحيين بالانتشار والدعوة إلى اعتناق الديانة الجديدة، بدأ الملوك الحميريون على سياسة الاضطهاد وقاموا بذبح آلاف المسيحيين (ربما هي حادثة أهل الأخدود الواردة في القرآن الكريم).

وفي عام 525م؛ قامت مملكة أكسوم المسيحية في أفريقيا ”الحبشة” بغزو مملكة حمير وعملت على إرساء المسيحية.

انهيار سد مأرب “العرم”:

في عام 575م انهار سد مأرب وغرقت سبأ.

يروي القرآن الكريم هذه القصة في سورة سبأ ويحكي كيف كان عقاب الله لهم نتيجة عدم شكرهم لنعمة الله، يقول تعالى:

لقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) ” .

يُرجع العلماء العلمانيون في وقتنا الحاضر انهيار السد إلى تآكله بسبب القِدم ونقص الصيانة، كذلك من التفسيرات الأخرى العلمانية أن الفئران كانت تأكل دعائم السد مما تسبب في انهياره، وقد أدى غرق سبأ إلى رحيل سكانها إلى مناطق أخرى.

انتهت مملكة سبأ منذ وقت طويل، وتكفل الفيضان بمحو كل ما يتعلق بتاريخ هذه المملكة، وبدأت من جديد في جذب أنظار العلماء في القرن التاسع عشر.

ومع ذلك كانت سبأ في مجدها واحدة من أعظم الممالك في العصور القديمة، واعتبرها الكثيرون أنها تقع في أرض يباركها الله.

حديث ياقوت الحموي عن سبأ:

عرَّف الجغرافي والأديب الشهير ياقوت الحموي، مدينة سبأ بأنها أرض باليمن، مدينتها مأرب، قائلاً: إن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وقد سميت الأرض بهذا الاسم لأنها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وأضاف الحمويكان اسم سبأ عامراً، وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبى السَّبي، وكان يقال له من حُسنة عَب الشمس، مثل عبّ الشمس وبالتشديد”.

وقيل: للقوم إذا ذهبوا في طرق متفرقة، ذهبوا أيدي سبأ أي فرقتهم طُرُقهم التي سلكوها كما تفرَّق أهل سبأ في جهات متفرقة.

حديث الحموي عن مأرب:

هي بلاد الأزد باليمن، قال السُّهيلي: مأرب اسم قصر كان لهم، وقيل هو اسم لكل ملك كان يلي سبأ كما كان تُبّعاً اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت.

وقال المسعودي: وكان هذا السدُّ (مأرب) من بناء سبأ بن يشجب بن يعرب وكان سافله سبعين وادياً، ومات قبل أن يستتمه، فأتمته ملوك حير بعده، قال المسعودي: بناه لقمان بن عاد وجعله فرسخاً في فرسخ وجعل له ثلاثين مشعباً.

المصدر: موقع تاريخ كوم

التعليقات (0)