الأيوبيّون في اليمن تاريخهم السّياسي من (1174م – 1226م) – 2

الأيوبيّون في اليمن تاريخهم السّياسي من (1174م – 1226م) – 2

د. محمود ياسين التكريتي

أما موقف السلطة الأيوبية المركزية في مصر والشام من أحداث اليمن هذه فلم تقدم لنا المصادر التاريخية معلومات عدا توفر نص تاريخي بيننا يشير إلى كتاب أرسل من المختص والي البر بحماة إلى الملك المنصور صاحب حماة، وكان المختص قد حج سنة 598هـ/ 1201م يخبره بمقتل الملك المعز باليمن ويكشف لنا هذا أن السلطة الأيوبية في الشام كانت على صلة مع أخبار وحوادث الحكم الأيوبي في اليمن ومما يفصح عن هذا أكثر هو أن الشخص الذي تولى الكتابة إلى الشام الأمير شهاب الدين الجزري صاحب صنعاء إذ أرسل كتاباً إلى الملك العادل الأيوبي صاحب مصر والشام يذكر فيه جملاً من الحوادث في اليمن منها مقتل المعز بن طغتكين وذكره لإمامه الإمام المنصور، ومن المحتمل أن الكتاب نفسه الذي أرسله المختص والي البر في حماة إلى الملك المنصور وربما أوصله الملك المنصور بعد ذلك إلى الملك العادل ملك الأيوبيين وسلطانهم.

أما علاقة الحكم الأيوبي مع الأمراء الموجودين باليمن فكانت تقوم على المهادنة والمصانعة تارة وعلى نقض العهود والمواثيق تارة أخرى، ووفق ما تمليه الظروف المرحلية التي يمر بها الحكم الأيوبي هناك، ففي صنعاء كان يحكم الأمير شهاب الدين الجزري ولا يزال يدين بالولاء والتبعية إلى الحكم الأيوبي وأنه نائبهم في صنعاء، أما الأمير وردسار ففي هذه الفترة أظهر الطاعة للإمام المنصور وعلى أثر وفاة الملك المعز، فما كان على الامام المنصور إلا أن يكرمه ويقدمه على جيشه الذي سار إلى صنعاء وبصحبته الأمير محمد بن إبراهيم، بعد أن أعطاه حصاناً وخلع عليه الجند ووعده بولاية صنعاء فيما إذا انتصر على من فيها، وما أن تجهز الأمير وردسار حتى وصله كتاب من الغز (الأيوبيين) بصنعاء يستدعونه للسير إليهم ففعل، وما أن دخل المدينة اجتمع بالأمير شهاب الدين الجزري وعرفه بما يريده من موالاة الإمام المنصور: هو تحقيق هدف مرحلي يتجسد في تمرير الحوادث الجسام التي تسيطر على اليمن وذلك عن طريق الاعتصام بطاعته وفعلاً تمت المراسلة بين الأمير الجزري والامام انتهت بمبايعته للإمام واعلان الطاعة له وبهذا يكون قد وقف علمياً إلى جانب وردسار وأعطى صوته بالتأييد ظاهرياً لسلطة الإمام المنصور.

أما موقف الأمير سيف الدين سنقر فقد وافاه رسول الإمام في الجند، يدعوه إلى الطاعة والولاء وطالبه بالجواب، فقال له لا يكون الجواب إلا بعد الاجتماع بوردسار، وعلى الرغم من ذلك لم يظهر الأمير سنقر أي ميل إلى تأييد الإمام بل ماطل رسوله بالوعود حتى انصرف عنه، فإذا كان هذا أمر زبيد، وصنعاء فتهامة لا تختلف عنهما بشيء إذ كانت هي الأخرى خاضعة إلى حكم بني أيوب، وكتب الإمام المنصور بالله إلى أمير نصبه بنو أيوب يعرف بشيبرياك يدعوه بالدخول في طاعته وما أن وصل الرسول وأبلغه الأمير الانقياد إلى الإمام ألقى بكتابه إلى الأرض ورد رسوله، وتم هذا كله في عام 598هـ/ 1201م وأثبت لرسول الإمام أنه قادر على صيانة البلاد واستقلالها من الغزو الخارجي خاصة وقد وجده على حالة كبيرة، وعنده من الخيل والمماليك مثلما كان عند المعز بن طغتكين.

أضف إلى هذا فقد سجلت عساكر الأيوبيين عدة انتصارات وعلى مدى خمس سنوات من حكم الأمير سنقر شملت تحرير الكثير من الأراضي الواقعة ما بين زبيد وصنعاء كان آخرها قهر بالسيف لبراقش واستمرت الحرب بين الطرفين إلى سنة 608هـ/ 1211م حيث تمت المراسلة بين الأمير سنقر والإمام المنصور انتهت بتوقيع الصلح بينهما لمدة سنتين، وبهذا الصلح انتهى الخلاف مع أقوى شخصية باليمن آنذاك تمثل المعارضة للأيوبيين في اليمن.

كانت الخطوة التالية هو إلقاء القبض على الأمير شهاب الدين الجزري من قبل سنقر فأودعه السجن في قلعة تعكر، منها توجه إلى تعز فأدركته الوفاة فيها سنة 608هـ/ 1211م، مما أتاح الفرصة أمام الملك الناصر أيوب أن يستقل بحكم اليمن على الرغم من حداثة سنه وأسند أمر دولته إلى الأمير علم الدين وردسار الذي استطاع أن ينقذ موقف الحكم الأيوبي من التداعي والانهيار خاصة وأن الإمام المنصور عبدالله بن حمزة عاد إلى قتال العساكر الأيوبية، وبقي الأمير وردسار في الحكم إلى سنة 609هـ/ 1212م، حيث مات في هذا العام، ثم توفي بعده الملك الناصر أيوب وذلك في أوائل سنة 611هـ/ 1214م تاركاً حكم اليمن إلى وزيره بدر الدين غازي.

استطاع الوزير بدر الدين غازي أن يضطلع بمهمة الملك، فخالف العسكر وأجتمع بالأكابر من الأمراء وفرق عليهم الأموال واستخلفهم على حكمه ووضعهم على إمارة المدن ودخل صنعاء وخطب له على منابرها، ثم خرج منها إلى اليمن الأسفل وفي الطريق وثب عليه مماليك الناصر فقتلوه في منطقة السحول وذلك سنة 611هـ وقيل أن أم الملك الناصر حرضتهم على قتله انتقاماً وثأراً لدم ابنها الملك الناصر لأن الأمير غازي اتهم بقتل ولدها.

بقي الحكم الأيوبي بدون رجل يدير أموره واستطاعت أم الناصر التغلب على زبيد والاستيلاء على الأموال، وانتظرت وصول رجل من بني أيوب تسلمه إدارة البلاد وبعثت إلى مكة بعض غلمانها يكشف لها عن أخبار مصر والشام حيث انقطعت صلة اليمن بهما على ما يبدو وما أن وصل الرسول إلى مكة حتى التقى مع الملك سليمان بن شاهنشاه بن أيوب الذي قدم إلى مكة حاجاً، فعرفه بأحوال اليمن، فسار معه حتى وصل اليمن وحضر عند الملكة أم الناصر أيوب وخلعت عليه وتزوجته وملكته اليمن وذلك في ربيع سنة 611هـ/ 1214م.

أساء الملك سليمان بن شاهنشاه بن عمر التصرف بالملك وتنكر لحقوق الملكة زوجته، وانشغل بالملذات، وعرف حكمه بالجور والظلم، وهذا من العوامل التي أدت إلى ضعف حكمه وانهياره، إلى جانب هذا أساء التصرف مع السلطان العادلالملك الأيوبي – حيث أرسل إليه كتاباً جعل في أوله ((أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم))، مما جعل الملك العادل يحكم على سوء تصرفه فضلاً عما بلغ الملك العادل من أخبار تفصح عن اضطراب الحالة السياسية منها مقتل المعز وسم أخيه الناصر وما جرى من تآمر على الحكم من قبل الوزراء.. كل هذه الأمور جعلته يرى ضرورة أن يولي أمر اليمن ملكاً قوياً حازماً يدير سياستها.

إن ما سبق ليمثل بلا شك مرحلة ضعف وانحطاط للحكم الأيوبي ويكشف ذلك خروج بعض البلاد من سيطرتهم كصنعاء التي دخلها الإمام المنصور عبدالله بن حمزة الحسين على أثر وفاة الملك الناصر، ودانت له بعض الوقت كما حاصر ذمار واستولى على كوكبان وساد البلاد حالة من الفوضى والخراب بسبب حرب الإمام للأيوبيين مستغلاً ضعف سلطتهم إلى جانب تعدد مراكز القوى والتي كان من نتائجها انقسام البلاد إلى أقاليم إدارية يحكم في كل اقليم أمير من أمرائهم، كما أن الحكم الأيوبي في اليمن بقي في صلة مع الحكم المركزي بمصر وبلاد الشام على الرغم من فتور تلك العلاقة أحياناً ويعود الأمر إلى انشغال ذلك الحكم في الفرنج الذين استفحل أمرهم هناك بالإضافة إلى انشغال الملك العادل في تثبيت حكمه بالأقاليم الشرقية من دولته في بلاد الشام والجزيرة إذ لا يزال الملك الظاهر بن أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يحمل لواء المعارضة بالمنطقة إلى أن انتهى الأمر معه بتوقيع الصلح سنة 608هـ/ 1211م وأخيراً رحل الملك العادل إلى مصر واستقر بدار الوزارة، في وقت كان قد رتب أولاده في حكم أقاليم البلاد.

فكانت مصر من حصة ابنه الملك الكامل الذي يرجع إليه أمر تجهيز ولده المسعود صلاح الدين يوسف المعروف باطسيس (اطسز) إلى اليمن لإنقاذ الحكم الأيوبي من الضياع وما آلت إليه البلاد من تمزق بسبب ضعف السياسة التي سلكها الملك سليمان بن سعد الدين شاهنشاه بن تقي الدين بن عمر باليمن، إلى جانب هذا فقد وصل كتاب ابن النساخ المطرفي إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله أبو العباس أحمد المستضيء الذي يشكو فيه ما حل باليمن فأمر عندها الخليفة صاحب مصر الملك العادل بالتوجه إلى اليمن فوقع الاختيار على ارسال حفيده المسعود إلى اليمن، فرحل من مصر يوم الاثنين 17 رمضان سنة 611هـ/ 1214م بألف من الجند وخمسمائة من الرماة وأمده بالأموال، وكتب إلى الأمير شمس الدين علي بن رسول وإلى سائر الأمراء المصريين باليمن يأمرهم بحسن صحبته وخدمته وكان المسعود حديث السن في حد البلوغ، وجعل أتابكه ومدبر ملكه جمال الدين فليت، فوصل مكة ودخلها في ثالث ذي الحجة سنة 711هـ/ 1214م واستقبله قتادة بن إدريس وحج المسعود وخطب له بمكة، فما كان على المسعود إلا أن يكرم قتادة فخلع عليه وحمل إليه ألف دينار وقماشاً بألف أخرى، وذكر بأنه أقام بمكة ستة أشهر، رحل منها إلى اليمن، فوصلها ودخل زبيداً يوم السبت الثاني من المحرم سنة 712هـ/ 1215م، وأول عمل قام به هو مراسلة الملك سليمان بن تقي الدين يسأله الصلح على أن تكون الجبال لسليمان والتهائم له، فلما سمع بذلك الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول سار إلى الملك المسعود وحثه بالتوجه إلى تعز لحرب سليمان والعدول عن فكرة الصلح وقال له ((إنك لا تجد في الجبال من يصدك عنها والرأي أن تكتب إلى المماليك بتسليم سليمان إليك)) فكتب إليهم فعلاً كما سار بنفسه إلى تعز لمواجهة خصمه وراسل الجند الموجودين في داخل الحصن وأمر بإلقاء القبض على سليمان فظفروا به، وبعثه المسعود تحت الحفظ إلى مصر، ودخل المسعود حصن تعز يوم الأحد عاشر صفر من سنة 612هـ/1215م، وبهذا التاريخ يبدأ حكم المسعود لليمن، حيث شرعت عساكره في إعادة المناطق التي خرجت عن حكم بني أيوب كذمار وصنعاء وبيت انعم وشبام، ثم نهض إلى البلاد الحميرية والمصانع، وأجبرها على الاعتراف بسلطته، وكان لأتابكة جمال المدين فليت الأثر الكبير في هذه الانتصارات حيث كان يقود جيشه في المعارك وفتح هذه المناطق.

وأخيراً أجبر الإمام المنصور بالله على مراسلته، فتمت بينهما وكان من نتائجها توقيع الصلح في أواخر سنة 617هـ/ 1215م على يد الأمير محمد بن حاتم ولمدة ستة عشر شهراً، وعلى ما يبدو أن الصلح استمر بين الطرفين إلى سنة 614هـ/ 1219م وهي السنة التي مات فيها الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، ثم قام ولده عز الدين محمد محتسباً، وقام بالإمامة بعد أبيه وتلقب بالناصر لدين الله.

إن علاقة الملك المسعود بالأمير عز الدين محمد بن عبدالله قد ساءت من جديد، ففي سنة 617هـ/ 1220م تقدم الملك مسعود إلى صنعاء ومنها سار إلى بكرة فحاصرها ثمانية أشهر، إلى أن وقع الصلح بينه وبين أهل بكر وتم بموجبه شراء الملك المسعود للحصن منهم بعشرة آلاف دينار مصرية وذلك سنة 618هـ/ 1221م.

إن أبرز التاريخ السياسي للحكم الأيوبي باليمن خلال هذه الفترة هو انشغال الملك المسعود في الوقائع والحروب ويعكس هذا عدم استقرار حكمهم السياسي في المناطق التي سيطروا عليها وبدليل ما واجهه ذلك الحكم من مقاومة اتسمت بتحرك عساكر الأمير عز الدين محمد بن الإمام المنصور وعساكر الأشراف ضدهم حيث استمرت الوقائع والحروب بين الطرفين إلى سنة 619هـ/ 1222م لم يتحقق خلالها للحكم الأيوبي السيطرة التامة على بلاد اليمن، إلا أن هذا لم يمنع المسعود من تنظيم إدارتها وكان لبني رسول دور في تحمل مسؤولية تلك الإدارة وتثبيت السيطرة الأيوبية باليمن خاصة وأن رجال أسرتهم كانوا بصحبة الملك المسعود في أيام دخوله اليمن، وظلوا مقيمين معه باليمن فوثق بهم وولاهم الولايات، وأعجبته طاعتهم وشدة بسالتهم فولى أمر صنعاء إلى بدر الدين بن علي بن رسول وجعلها أقطاعاً له وولى أخاه الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول الحصون الوصابية، ثم ولاه بعدها مكة المشرفة وبقي فيها مدة إلى سنة 619هـ/ 1222م ولما عزله عن ولايتها جعله أتابكاً لابنه الملك المظفر يوسف بن عمر وعليه كان لهم دور في مساندة الملك المسعود وإدارة الحكم حتى استقرت الأحوال وهدأت الحروب والفتن وضبط اليمن، ورافقت مسيرة الحكم الأيوبي في اليمن عدة أحداث سياسية أثرت بصورة غير مباشرة على مكانته السياسية خلال هذه الفترة منها:

1- انضمام مكة إلى الحكم الأيوبي باليمن: ففي سنة 719هـ/ 1222م غادر الملك المسعود اليمن إلى مكة حاجاً فلما كان يوم عرفة، تقدمت أعلام الخليفة العباسي الناصر لدين الله لترفع على الجبل إلا أن الملك المسعود أمر بمنعها بتقديم أعلام أبيه الملك الكامل الواردة من مصر، ولم يستطع أصحاب الخليفة منعه من ذلك فلما سمع الخليفة بذلك عظم الأمر عليه فراسلَ الملك الكامل لإنكار ذلك، فما كان على الملك إلا أن يعلن اعتذاره للخليفة وأن ذلك لم يكن عن أمره فقبل الخليفة العذر.

وربما أثر تصرف الملك المسعود على علاقته مع السلطة الأيوبية بمصر والشام – بدليل أن والده سر بموته عندما أخبره بذلك خزنداره – إن لم نقل على العلاقة بين بني أيوب والخلافة العباسية.

أقام الملك المسعود باليمن بعد عودته من الحج وبعد مدة يسيرة حدثته نفسه بالخروج إلى مكة لانتزاعها من حاكمها الأمير حسن بن قتادة الحسني فسار إليها ودخلها في رابع شهر ربيع الآخر من سنة 620هـ/ 1223م وقاتل صاحبها الحسن وهزمه واستولى عليها ثم عاد إلى اليمن بعد أن عين عليها الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول والياً من قبله وجعله نائباً نيابة عامة عنه، وباستيلائه على مكة اتسعت دائرة نفوذه وحكمه فشملت مكة والحجاز واتسعت معها مملكة أبيه الملك الكامل حتى قال ابن خلكان معلقاً على هذا الأمر (ولقد حكى لي من حضر الخطبة يوم الجمعة بمكة شرفها الله تعالى أنه لما وصل الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال: مالك مكة وعبيدها واليمن وزبيدها ومصر وصعيدها والشام وصناديدها والجزيرة ووليدها سلطان القبلتين ورب العلامتين).

وأخيراً يمكن القول إن موقف المعارضة للدولة الأيوبية في اليمن تغير موقفها السياسي تجاهها على الرغم من التغيير الذي حصل في الخارطة الجغرافية لسيطرتها.

2- مغادرة الملك المسعود لليمن في شهر رمضان من سنة 620هـ/ 1223م تاركاً نيابة البلاد إلى الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول في حين ترك ولاية صنعاء إلى الأمير بدر الدين حسن بن علي بن رسول، وعلى الرغم مما أثبته آل الرسول من حسن إدارة البلاد تجسد في الحفاظ على الحكم الأيوبي إلا إن جملة من الأحداث غيرت مواقع الحكم الأيوبي باليمن حيث تعرضت البلاد إلى ثورة قادها رجل في الحقل وبلاد زبيد اسمه مرغم الصوفي وزعم أنه داع الإمام حق وأنه منصور حميد الذي سيخرج كنوزهم ويناصر المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، فتبعه الكثير من الناس وقوي أمره بهم، فما كان على الأمير نور الدين بن رسول إلا أن يقاتله فسار إليه وبصحبته راشد بن مظفر بن الهرش فوقع القتال بين الطرفين قتل فيه راشد بن مظفر وذلك سنة 622هـ/ 1225م فلما كثر القتل سلب حاله وضعف مركزه بين أتباعه، وظهر للناس كذبه وفساد مذهبه فخرج هارباً من بلد إلى بلد وهكذا تخلص الناس من فساد رأيه وفتنته باليمن، كما تعرضت عساكر بني أيوب إلى وقعة أخرى خاض غمارها ضدهم هذه المرة الشريف عز الدين محمد بن الامام المنصور عبدالله بن حمزة الذي خرج قاصداً صنعاء إلا أن العساكر الأيوبية بقيادة الأمير نور الدين عمر بن علي وأخيه الحسن بن علي استطاعا أن يوقعا الهزيمة بعسكر الأشراف وسميت هذه الوقعة بوقعة عصر وذلك في شهر رجب من سنة 623هـ/ 1226م.

كان من نتائج انتصار العساكر الأيوبية باليمن في المعركة السابقة أن تسربت أخبارها إلى مصر فلما علم بها الملك المسعود اشتد خوفه على حكم اليمن من بني رسول وذلك لما شاهده فيهم من الشجاعة والهمة، وبعد الصيت وحسن السياسة وتمام مكارم الأخلاق...... الخ، فخرج من مصر قاصداً اليمن فوصل تعز ودخل حصنها يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر من سنة 624هـ/ 1226م ثم تقدم إلى الجند فقبض على بني رسول وهم بدر الدين حسن بن علي وفخر الدين أبا بكر بن علي وشرف الدين موسى وأرسلهم إلى مصر في حين نجا أخوهم الأمير نور الدين عمر لأنه كان يميل إليه ويستأنس في رأيه دون إخوته، فتقدم عنده حتى استنابه على اليمن جميعها سنة 625هـ/ 1227م.

إن التنكيل بأمراء بني رسول أثر على حكم الملك المسعود إذ اكسب الأمير نور الدين تجربة سياسية جعلته بأن لا يستبق الأحداث أو يستعجلها فتراه حينما يستمع بموت الملك المعز سنة 626هـ/ 1228م يقوم بأمر الملك الأيوبي خير قيام ويضمر الاستقلال عن السلطة الأيوبية فلم يغير سكة ولا خطبة لهم وأرسل إلى السلطان الأيوبي الكامل الهدايا، وقال له: ((أنا نائب السلطان على البلاد)) مما كان له الأثر في أن يصرف نظر السلطان عنه ويثبته في ولايته كما ولى على المدن والحصون يثق به، ويعزل من يخشاه، ويأسر أو ينقل من يظهر العصيان.

إن مغادرة الملك المسعود لليمن سنة 625هـ/ 1227م أثرت بشكل مباشر على مكانة ووجود الحكم الأيوبي فيها كما فسحت المجال أمام الأمير نور الدين عمر بن رسول بالتمكن في حكم البلاد كلها حتى ذكر أنه استدعاه عندما عزم السير إلى مصر وقال له ((قد عزمت السفر وقد جعلتك نائبي في اليمن فإن مت فأنت أولى بملك اليمن من إخوتي)).. ويمضي إلى أن يقول:((وإياك أن تترك أحداً يدخل اليمن من أهلي ولو جاءك الملك الكامل والدي.. الخ)).

إن هذه الثقة التي أودعها المسعود في الأمير نور الدين جعلت الأخير بأن يتصرف في البلاد، وأن انفراده في حكم اليمن دون أمراء بني أيوب من المصريين هو الآخر جعله بأن يفكر في الاستقلال عن حكم الأيوبيين بمصر والشام، بالإضافة إلى هذا فمجرد تعرفنا على بقية الحديث الذي جرى بين الملك المسعود وبينه جعله أن يتلمس وجود خلاف بين بني أيوب يمكن استغلاله في سبيل الاحتفاظ بملك اليمن.

وهذا يتفق مع صحة ما ذكر عن مرض الملك المسعود عندما غادر اليمن إلى مكة متوجهاً إلى مصر حيث علق نور الدين عمر آماله على احتمال وفاة الملك المسعود وهذا ما يمكنه من الاستمرار في الحكم، خاصة إذا علمنا أن الملك المسعود لم يترك سوى ولداً صغيراً يعيش بكفالة جده الملك الكامل بمصر أضف إلى هذا ما اتصف به الأمير نور الدين من صلاح السريرة ومحبة الناس له وانقيادهم لأمره طوعاً وكرهاً وكان صاحب حلم ودهاء، بالإضافة إلى سرعة تحركه لحسن الموقف مع المعارضة السياسية للحكم الأيوبي والتي تتكون من الأشراف خاصة الأمير يحيى بن حمزة وسلاطين بنو حاتم، ففي سنة 628هـ/ 1230م وقع الصلح معهم في حصن ذمرمر وقالوا له: ((يا مولانا نور الدين تسلطن باليمن ونحن نخدمك ونبايعك على أن بني أيوب لا يدخلون اليمن)) فتبايعوا على ذلك وأقرهم على البلاد.

نهاية الحكم الأيوبي باليمن:

وكل العوامل السابقة كانت قد عجلت من انهيار الحكم الأيوبي وسقوطه، وآخرها وفاة الملك المسعود سنة 626هـ/ 1228م تاركاً الحكم إلى نائبه نور الدين عمر بن رسول إذ تمكن بعدها من إعلان الحكم الرسولي، وإزالة الحكم الأيوبي، وما أن حل عام 628هـ/ 1230م حتى أعلن الاستقلال باليمن وقيام الدولة الرسولية فيها فتلقب بالملك المنصور، ومن أجل اسدال الشرعية على حكمه كاتب خليفة بغداد العباسي المستنصر بالله أبو جعفر المنصور ابن الظاهر محمد فأقره على اليمن وجعل له النيابة عليها.

وما أن حل عام 629هـ/ 1231م حتى جهز نور الدين بن رسول جيشه إلى مكة لانتزاعها من الحكم الأيوبي، فلما وصلها حاصر أميرها طغتكين فأضطره الهرب إلى ينبع.

فكاتب الملك الكامل بالأمر كله: مما اضطره إلى أن يجهز جيشاً من مصر بقيادة فخر الدين شيخ الشيوخ، فلما وصل مكة حاصر الجيش نور الدين وأجلاهم عنها واستمر النزاع حول مكة والسيطرة عليها بين الطرفين إلى سنة 633هـ/ 1239م حيث استطاع أخيراً السلطان نور الدين أن يوقع الهزيمة بعساكر الملك الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب التي كانت تحت قيادة الأمير شيحة بن قاسم، حيث هرب الأمير شيحة إلى الديار المصرية ولم يستقر الحال فيها إلى أن دخلها السلطان نور الدين سنة 639هـ/ 1251م إذ استطاع أن يخضعها إلى نفوذه وهكذا قضى على آخر ما تبقى من المدن الخاضعة إلى نفوذ بني أيوب في اليمن والحجاز.

إن أهم ما يمكن ملاحظته على التاريخ السياسي للأيوبيين في اليمن هو عدم استقرار حكمهم فيه على الرغم من امتداده لفترة زادت على الخمسين عاماً تعاقب في حكم البلاد خلالها ستة ملوك واتسمت معظمها بطابع الحروب كما اعتمدت سياسة دولتهم على القوة العسكرية في حكم البلاد.

وهذا يعود بلا شك إلى عدة عوامل منها تعدد مراكز القوى السياسية الموجودة في اليمن وفي الأراضي المجاورة لها إلى جانب فقدان التجانس الفكري الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسلوب الحكم ونظامه، ومن بين تلك القوى الاشراف، وبنو حاتم إلى جانب انتشار النزعة القبلية بين غالبية سكان اليمن من العرب الذين أخذوا ينظرون إلى الأيوبيين وسلطتهم نظرة الرجل الغريب عنهم وعن بلادهم بدليل ما كانوا يطلقون على بني أيوب من الأسماء كالغز والأكراد، والاطماع الفردية كانت تلعب دورها الواضح في تحديد هوية الحكم باليمن، ومن خلال هذا المنطلق فإن المستقرئ للتاريخ السياسي الأيوبي في اليمن يلاحظ أن حالة من عدم الاستقرار والفوضى السياسية والعسكرية كانت تسيطران على الوضع السياسي في اليمن ليس فحسب على العهد الأيوبي وإنما على العهدين السابق واللاحق له.

وأن ما انقاد إليهم من البلاد كان بلا شك بدافع القوة والسيف حتى تركت آثارها الواضحة لما بعد عهدهم فيها حتى قيل أصبح معه أن صاحب اليمن يهادي صاحب مصر ويداريه وذلك للإمكانية التي تحتلها جغرافية مصر العربية إذ كان بالإمكان تسلطها على اليمن من البحر والبر الحجازي بالإضافة إلى ارتباطها التجاري والبشري مع مصر وبلاد الشام حيث كانت ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف أرباب الصناعات لقلة وجودهم باليمن وأخيراً فإن الأهمية السياسية لليمن تبقى غير واضحة المعالم في هذه الفترة من خلال مساهمتنا العملية من أجل خدمة المبادئ والأهداف قياساً إلى ما كانت تلعبه مصر والشام وبلاد الجزيرة من دور بارز في مقاومة الصليبيين وعساكرهم، وقد يعود الأمر إلى طبيعة الحكم المحلي باليمن إلى جانب حاجة ذلك الحكم إلى مزيد من القوة العسكرية التي يمكن توظيفها واستخدامها بالرد على المعارضة والمقاومة العسكرية لحكمهم على الرغم من توفر وحدة المبادئ والأهداف التي تجمع بين اليمن ومصر والشام وبلاد الجزيرة إلا أن درجة الوفاء لتلك المبادئ والقيم من قبل أنظمة الحكم السياسية تختلف من قطر لآخر، وبصورة عامة فإن الحكم الأيوبي في اليمن لم يحقق أي هدف استراتيجي على مدى فترة وجوده باليمن، وعليه يتمكن القول أن مردوده السلبي كان أكثر مما سنتظر أن يحقق إيجابياً لأن بقاء العساكر الأيوبية مرابطة في اليمن معناه إبعادها عن مهمة التحرير التي كان يخوضها الجيش الأيوبي المركزي في بلاد الشام ومصر ضد الغزاة الصليبيين..

المصدر: موقع الألوكة

التعليقات (0)