عن التاريخ وصُوره

عن التاريخ وصُوره

أ.د أحمد علي حيدر السري

التاريخ علم مهمته الأساس فهم الماضي فهما واقعيا قدر المُستطاع، وهذا الفهم الواقعي المؤمّل ليس سهلا، وغير متيسر لكل العقول، لأن عوامل عدة منظورة وكامنة تسهم في تشكيل الحدث التاريخي أولا وفي تدوينه ثانيا. 

وهذه أمور يعرفها المختصون، ولذلك يتم الحديث دوما عن "منهج أو مناهج فهم التاريخ" لتستخرج له صورة واقعية من بين ركام الروايات المختلفة واستبعاد الأسطوري والمزيف بل واستخلاص الحدث التاريخي من عجينة التأويلات المُسقطة عليه، والتي تتشابك مع الحدث وتختلط فيه فتبدو كأنها الحدث،  وهي مجرد وجهة نظر في التفسير والتأويل.

ورغم أن التاريخ علم اجتماعي له مناهجه، لكنه علم يدخل  إليه السياسي والمثقف العام بل خطيب الجمعة ورؤساء الجماعات المذهبية الخاصة، وناس من أهل الفضول المعرفي بمستوياتهم المختلفة، وكل يزعم معرفة بالحدث الذي هو بصدده وما سوى فهمه زورٌ وبهتان.  وهذه إشكالية فكرية عامة  " إشكالية الوعي التاريخي وصوره في العقول"، يدركها المؤرخ المحترف.

ومع ذلك فلا أرى جواز مصادرة حق  أحد في المعرفه والفهم في علم التاريخ وفي غيره، إذا عُرض الفَهم بمعرفة واسعة وبمنهج مقبول ومسؤولية وتم التوصل لخلاصات (صور) تبرز فهما واقعيا ومعقولا، فالمصادر متاحة للجميع  ولا احتكار للمعرفة .

ومثلما لا تجوز مصادرة حق أحد في الفهم، لا تجوز كذلك مصادرة التاريخ واحتكاره من أحد أو جماعة وتقديم رؤية مؤدلجة (غَرَضية) له باعتبارها (التاريخ الحق) وما سواه مزيف ومرذول. أحداث الماضي ليست ملك أحد بل مِلك الأمة كلها وتستعصي على التملك وتتمرد على الأدلجة والاحتكار.

ثم إن احتكار  الماضي ومصادرته لصالح فئة أو جماعة أو تصور مخصوص، وتشكيله حسب الغرض السياسي لا يقود إلى فهم علمي وواقعي للتاريخ بل ينتج علاقة نرجسية مَرَضِيّة مع الماضي تشوش الحاضر وتشوه المستقبل. 

يدرك العاقل البصير بالدنيا والناس أن محاولات مصادرة التاريخ واحتكار تصنيع صورة خاصة منه وتسويقها باعتبارها التاريخ لا تنجح وإن بدا للمتوهِم أنها انطلت أو ستنطلي على العقول، وهي لا تنجح بحكم اعتساف الحوادث والتكلف المكشوف في فرض تأويلات فاسدة عليها وتغشيتها بتفسيرات نفعية خاصة، ثم لأنها تستفز المجتمع العلمي والمهتم بالتاريخ لمجافاتها شروط العلم ونزاهته، ولا تبقى دون نقد كاشف للمزيف والغرضي منها.

سنن التدافع تقضي بذلك وتقيض عقولاً تقاوم مصادرة التاريخ واحتكار صوره وتكشف حيل التأويلات وزيفها ومراوغات المنطق الكامن فيها.

وبين طرفي هذا التدافع تبرز  للمتابع النابه التوجهات المتباينة، ليس باعتبارها صُورا نهائية للتاريخ المتنازع عليه وحسب، بل بكونها مشهدا معاصرا لصراع حول السلطة ومشروعيتها يشكل التاريخ أحد مداخلها المركزية، لتظهر في المحصلة استحالة مصادرة التاريخ أو احتكار انتاج صورة محددة له.

ولأن مثل هذا التدافع حول التاريخ مرتبط أصلا بصراع حول السلطة ومشروعيتها وأشكال الهيمنة الفكرية الأخرى، فإن الجدل حول التاريخ وصوره يحتد بحكم تباين قناعات أطراف الجدل؛ وهكذا لا يكون الجدل حول التاريخ عند أطراف النزاع علميا بل سجالي وسياسي بامتياز.

وما لم تتح للمؤرخ الجاد الحرية الضرورية والأمان اللازم لإنتاج فهم علمي محايد للتاريخ سيبقى مادة نزاع سياسي تخوض فيه أطراف النزاع بعيدا عن الحقل العلمي الذي يعاني اليتم والتهميش بمناهجه وآليات فهمه العلمية .

(أحمد السري)

التعليقات (0)