تاريخ آسيا (1)

تاريخ آسيا

(الجزء الأول)

(من قبل التاريخ حتى عام 1350م):

جنوب غربي آسيا: دلت التنقيبات الأثرية على أن البشر استوطنوا آسيا منذ العصر الحجري. ويؤكد أكثر العلماء أن أول الحضارات التي عرفها الإنسان ولدت وازدهرت في المنطقة بين بحر الخزر (قزوين) والبحر الأسود والخليج العربي والمناطق الشرقية من البحر المتوسط. ولعل أقدم الحضارات هي التي نشأت في المناطق الواقعة بين نهري دجلة والفرات (بلاد الرافدين) وفي شمالي سورية وقد عاش الإنسان الذي قطن هذه المناطق في العصر الحجري (منذ نحو 10000 سنة) على الصيد وجمع الثمار، وشرع بالاستقرار في تجمعات سكنية على ضفاف الأنهار وعلى امتداد الأودية الخصبة ولاسيما وديان أنهر الفرات ودجلة والعاصي والليطاني والأردن. ومع بداية العصر الحجري الحديث (الألف الثامن ق.م) بدأ الإنسان يستقر في هذه المناطق وبلاد الشام في قرى زراعية رعوية بدأت معها صناعة الفخار والآجر، ونحت التماثيل الطينية، وتدجين بعض الحيوانات. وتؤكد الدراسات وجود صلة وثيقة بين سكان المجتمعات الزراعية والمدنية الأولى في المشرق العربي القديم كله، وتحتل بلاد الرافدين بينها موقعاً مرموقاً ومتصلاً في تاريخ الحضارة. فمنذ الألف الرابع ق.م ظهرت في هذه المنطقة أولى الجماعات المتحضرة، وهي التي يطلق عليها اسم حضارة تل العُبيد في جنوبي العراق، وقد ترك ذلك المجتمع بصماته بما خلّفه من مفردات كثيرة دخلت اللغة السومرية مع جهل الباحثين اسم ذلك الشعب ولغته. وإلى الألف الرابع أيضاً تعود بعض الابتكارات المهمة التي كان لها أثرها في تطور الحضارات الإنسانية كافة مثل دولاب الخزاف وقالب اللبن وصهر المعادن. كما شجع تقدم الزراعة على تشييد الأهْراء للغلال، وأدى تكاثف السكان وانتشار الصناعات إلى ظهور المدن الدول، أقدمها مدينة سومر التي ينسب إليها السومريون في جنوبي العراق (نحو سنة 3500ق.م)، في حين عرفت المناطق الوسطى من العراق باسم «أكد» ثم باسم بابل بعد ذلك.

مارس سكان هذه المدن وما حولها أقدم نشاط زراعي عرفه العالم وبوسائل بدائية بسيطة، وكانت لهم دراية بتصريف المياه وشق الأقنية، ولهم لغة مكتوبة وحكومة مركزية. وعند بداية الألف الثالث خضعت مدن سومر لأول أسرة حاكمة عرفها التاريخ، وحاضرتها مدينة أور، وكان الملك يلقب «لوغال» lugal (العظيم)، ويعد لوغال زاغيزي Zagezzi أول حاكم فعلي، لأكبر امبراطورية معاصرة. ولم يطل  الأمد بهذه الامبراطورية أكثر من ربع قرن، تمكن بعدها ملك أكد الأموري شَروكين (صرغون) من بسط نفوذه على كامل أراضي الدولة وصبغها بالصبغة الأكدية ثقافة ولغة. وغدت الأكدية لغة هذا التجمع مثلما غدت الإبلوية (لغة إبلا) لغة المجتمع الذي عاصره في شمالي سورية. واستخدم كلا المجتمعين الكتابة المسمارية السومرية.

وبعد قرن حافل بالأحداث ظهرت على مسرح التاريخ سلالة جديدة في أور (نحو سنة 2111-1950ق.م) أسسها أورنامو (2111-2094ق.م) الذي بسط نفوذه على كامل المنطقة، واشتهر بتشريعه ولكن مملكة أور هذه لم تصمد بعد نحو قرن أمام ضغط الأموريين الذين أقاموا مملكة بابل (1894-1595ق.م) التي بلغت ذروة مجدها في عهد حمورابي (1792-1750ق.م). وقد دام حكم هذه الأسرة نحو ثلاثة قرون إلى أن تغلب عليها الكاشيون القادمون من شمالي الهضبة الإيرانية، في حين اختفى السومريون القدامى من صفحات التاريخ وظلت إنجازاتهم ميراثاً مهماً للحضارات المتأخرة.

ثمة شعوب أو دول أخرى أسهمت في تطور ثقافات جنوب غربي آسيا، فالحثيون الذين ظهروا في أواسط الأناضول، أقاموا امبراطورية شاسعة عاصمتها «حاتوشا» (نحو 2000-1200ق.م)، وسيطروا على شمالي سورية، وغزوا بابل نحو سنة 1530ق.م، وبلغوا أوج توسعهم في عهد شوبيلوليوما (1382-1341)، ثم انقسموا إلى ممالك حثية سورية صغيرة ذابت في خاتمة المطاف في الامبراطورية الآشورية.

ينتسب الآشوريون إلى مدينة آشور (قرب الموصل) التي عاصرت مملكة أور السومرية. وكان ظهورها مملكة قوية في القرن التاسع عشر ق.م على يد مؤسسها الأكدي إيلوشوما (2104-2088ق.م). وقد زاحمت آشور بابل وأكد أكثر من مرة، إلى أن استولت على السلطة فيها في القرن 18ق.م أسرة أمورية أسسها شمشي أدد المعاصر لحمورابي. إلا أن التوسع الآشوري الكبير بدأ في عهد تغلات بلصر الأول (1112-1074ق.م) وبلغ أوجه في القرن الثامن ق.م. وقد عاصر الآشوريين في هذه الحقبة الفلسطيون الذين استقروا في المناطق الجنوبية الغربية من سورية الطبيعية فصارت تعرف باسمهم، (فلسطين)، كما عاصرهم الكنعانيون (الفينيقيون) مبتكرو الأبجدية الذين تركزت ممالكهم على امتداد الساحل السوري، وأقاموا امبراطورية تجارية شملت أكثر بلدان حوض البحر المتوسط، وكان الآراميون في هذه الأثناء يستوطنون سورية الداخلية ويمارسون التجارة البرية مع أكثر مناطق الشرق العربي القديم، ونبغ فيهم كتّاب كبار.

مع اقتراب القرن الثامن ق.م من نهايته انفرد الآشوريون بالسلطة في المنطقة كلها فاكتسحوا الأقسام الشمالية من بلاد الرافدين، واحتلوا سورية (732ق.م) واستولوا على بابل (689ق.م). فكانت امبراطوريتهم  واحدة من أكبر الامبراطوريات التي عرفتها  منطقة جنوب غربي آسيا حتى ذلك الحين. وبعد وفاة آشور بانيبال (668-631 ق.م) بدأت الامبراطورية تنهار تحت ضربات الدولة البابلية الجديدة بزعامة نبو بلصر الكلداني، والدولة الميدية الناشئة بزعامة كيخسرو (633-584ق.م) الذي استولى على مدينة آشور ثم نينوى واتخذ من هذه الأخيرة عاصمة لمملكته سنة 612ق.م. وفي سنة 609ق.م استولى البابليون على حران وأزالوا مملكة آشور من خريطة العالم القديم بعد أن شغلت تاريخ المنطقة عدة قرون.

في القرن السادس ق.م سيطر الملك الفارسي قورش (559-529ق.م) على أملاك الميديين واحتل ابنه قمبيز الثاني مصر سنة 525ق.م، وبلغت مملكة فارس أوج ازدهارها الحضاري في عهد ملكها داريوس الأول (522-486ق.م). وفي عام 331ق.م اكتسح الاسكندر المقدوني أراضي الامبراطورية الفارسية وتقاسم قادته امبراطوريته من بعده، فكان القسم الآسيوي منها من نصيب السلوقيين (312-64ق.م). ولم يلبث أن ظهر الفرثيون (أو البارثيون وهم فرع من القبائل الإيرانية البدوية) على مسرح التاريخ بزعامة أحد رؤساء قبائلهم، ويدعى أرشاق، فتمكنوا من تأسيس مملكة لهم في دارا (نحو 250ق.م) ظلت خاضعة للسلوقيين أول أمرها إلى أن سنحت الفرصة للملك الفرثي ميتريداتس الأول (171-138 ق.م) فتغلب على جيوش السلوقيين وأقام الامبراطورية الفارسية الثانية في الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين. ودخلت هذه الامبراطورية في نزاع قاري مع الامبراطورية الرومانية بعد أن بسطت هيمنتها على مابقي من أملاك السلوقيين. سقطت الأسرة الفرثية نحو سنة 226م على يد الساسانيين، الذين أقاموا الامبراطورية الفارسية الثالثة، إلا أن النزاع استمر مع رومة ثم مع بيزنطة، بعد انقسام الامبراطورية الرومانية إلى شرقية وغربية عام 395م، حتى قضى الفتح العربي الإسلامي على الدولة الساسانية وحرر بلاد الشام من البيزنطيين.

كان ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية بداية عصر جديد في تاريخ منطقة جنوب غربي آسيا. وبعد هجرة الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة سنة 622م ظهرت إلى الوجود دولة من طراز جديد لم يعرف من قبل، واستطاعت هذه الدولة أن تخضع كل أجزاء شبه الجزيرة العربية في أقل من عشر سنوات، وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) عصفت بهذه الدولة فتنة الردة التي كادت تودي بها لولا أن تداركها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق بالحكمة والشدة، والتفت بعدها إلى نشر الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية، فوجه جيوش المسلمين إلى العراق والشام. وتابع الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب ما بدأه سلفه فأكمل بناء الدولة العربية الإسلامية الموحدة التي شملت جنوب غربي آسيا كله وقضت على الدولة الساسانية وحلت محلها، في حين ظلت بيزنطة قابعة في الأناضول بعد أن تقلصت حدودها وضعفت هيمنتها البحرية على شرقي البحر المتوسط. وفي العصر الأموي (41-132هـ /661-750م) امتدت الخلافة الإسلامية حتى حدود الصين ونهر السند، وانكفأت حدود بيزنطة في آسيا الصغرى إلى الأقسام الشمالية منها، وبسط المسلمون سيطرتهم على شمالي إفريقية وأكثر أراضي إسبانية (الأندلس) واقتحموا جبال البرانس، واكتسحوا جنوبي فرنسة ومناطقها الوسطى في غزوات متكررة وغدا البحر المتوسط تحت سيطرتهم. وفي عام 132هـ/ 750م انتقلت الخلافة في بلاد الإسلام (باستثناء الأندلس) إلى الأسرة العباسية التي نقلت حاضرة الخلافة من دمشق إلى بغداد. ومع أن العباسيين ظلوا على كرسي الخلافة حتى عام 656هـ/ 1258م فقد تسببت الثورات والفتن وتمرد بعض الأسر الحاكمة المحلية في تفكك أراضي الخلافة الإسلامية منذ القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، وأدى تسلط البويهيين والسلاجقة تباعاً على بغداد إلى تقسيم البلاد إلى إقطاعات ودويلات شبه مستقلة. وفي سنة 463هـ/ 1071م غزا السلاجقة أرمينية وأسروا الامبراطور البيزنطي رومانوس الرابع في معركة مناذكرد (ملاذكرد) واستولى بعض قادتهم على آسيا الصغرى وأقاموا لأنفسهم ممالك مستقلة فيها، وكانت خشية الأوربيين من هذه الفتوحات من أسباب الحروب الصليبية[ر] (484-691هـ/ 1091-1291م)، أما الإمارات السلجوقية في آسيا الصغرى والشام والعراق وفارس فقد أنهكت بالنزاع على السلطة فيما بينها كما أنهكها النزاع مع الفاطميين في مصر فلم تول الحركة الصليبية الاهتمام الذي تستحق، وسرعان ما أقام عدد من قادة الفرنج ممالك لهم أو إمارات لهم في إديسة (الرها) وأنطاكية وطرابلس ثم في القدس التي احتلوها عام 1099م. وفي عام 1144 استرد عماد الدين زنكي الرها، وبعد ذلك بنحو قرن استرد صلاح الدين بيت المقدس وكثيراً من المدن التي كان يحتلها الصليبيون، ولكن القضاء على الوجود الصليبي كلية لم يتيسر إلا بعد قرن من ذلك التاريخ عندما اختفت آخر مملكة للفرنج في سورية على يد سلاطين المماليك عام 1291م.

 وفي عام 1220م اكتسحت جيوش المغول بقيادة جنكيز خان وكبار قادته بلاد ماوراء النهر وآسيا الوسطى وفارس وتغلب خلفاؤه في عام 1243م على سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، وقضى جيش مغولي  بقيادة هولاكو في عام 656هـ/ 1258م على الخلافة العباسية في بغداد. وفي عام 1380م قاد تيمورلنك موجة جديدة من الغزو المغولي التتري فاكتسح بلاد فارس والعراق والأناضول وسورية فنكبها واستباح حرماتها ونهب خيراتها، ثم ارتد إلى عاصمة سلطنته وهو يسوق أمامه الآلاف من مهرة الصناع والعلماء من البلاد المغلوبة.

جنوبي آسيا: كان وادي نهر السند الذي يعرف اليوم باسم باكستان موطن أقدم حضارة عرفتها مناطق جنوبي آسيا، وهي حضارة موقع كلّي Kulli في بلوجستان التي تطورت عن حضارة العصر الحجري القديم، وكان لها فيما يعتقد، علاقات تجارية مع بلاد سومر وأكد. ثم ظهرت بعدها حضارة الهرابّا Harappa في البنجاب وحضارة موهنجودارو Mohenjo- daro في السند التي ازدهرت فيما بين الألف الثاني والألف الأول قبل الميلاد وشملت مساحات شاسعة من مناطق جنوبي آسيا. وتشهد آثار هذه الحضارة على وجود حكومة منظمة ومدن مخططة وإنجازات مهمة.

يرى المؤرخون أن تاريخ شبه جزيرة الدكن وشمالي الهند والباكستان في مفهوم اليوم يبدأ في المدة بين 1500 و1200ق.م عندما غزتها قبائل نصف بدوية من الجنس الآري وامتزجت بشعوبها القديمة كالدرافيديين وغيرهم. وتعد أشعار «الفيدا» الأولى التي صاغها كهنة هذه القبائل مصدراً مهماً  لتاريخ هذه الحقبة. كما غدت أشعار الفيدا الثلاث الأخرى والبراهمانا والأوبانيشاد والبورانا والرامايانا والمهابْهَراتا وغيرها من الآداب الدينية من التراث الهندي. وتعد قبيلة البهاراتا التي اشتق اسم الهند الحديثة منها من القبائل الآرية التي استوطنت منطقة براهمافارتا بين نهري يامونا وستلج. وأدى توسعها شرقاً في داخل الهند في هذه الحقبة إلى إقامة ممالك كوسالا (أود اليوم) وكاسي (فراناسي) وفيدها (شمال بيهار) وأفانتي (ملوي) ومغادها Magadha (جنوب بيهار). وترقت بها الحضارة تدريجياً مع العودة إلى إقامة علاقات وطيدة مع بلاد الرافدين.

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)

التعليقات (0)