لمحات عن تاريخ أستراليا (1)

لمحات عن تاريخ أستراليا

(الجزء الأول)

أستراليا قبل الاستعمار الأوربي: تشير الدراسات والتنقيبات الأثرية إلى أن إعمار القارة الأسترالية بدأ منذ نحو 25000 عام. وهناك ثلاث نظريات حول أصول سكان أسترالية الأصليين. الأولى أنهم يتحدرون من عرق قفقاسي قديم، أي إنهم من الأوربيين البدائيين. الثانية إنهم هجين مكون من ثلاثة عروق: زنوج تسمانيين، وقفقاسيين موراويين (نسبة إلى وادي موراي) وكاربنتاريين (نسبة إلى خليج كربنتارية Carpentaria). وقد يكون الأستراليون الحقيقيون من الأقرباء الحميمين لهنود سيلان والهند الجنوبية.

ويرى الباحثون أن هذه الأرومات الثلاث وصلت إلى أسترالية على موجات في مدى العصر الجليدي الرابع. غير أن تحليل الفصائل الدموية والمعطيات المورفولوجية والأنتروبولوجية ـ الفيزيائية لا تؤيد هاتين النظريتين. والثالثة فتقول بأن الأستراليين الأصليين تمايزوا في منطقة أسترالية ـ ماليزية. ويحتمل أنهم انتشروا فيما بعد شمالاً وشرقاً في شبه جزيرة ماليزية، والهند الجنوبية وسيلان ومالينيزية ثم في أسترالية، ولربما احتفظوا بشخصيتهم بسبب عزلتهم في الأراضي الأسترالية. ولا يمكن الجزم فيما إذا كانوا قد وصلوا أسترالية في مرحلة واحدة أم على مراحل. أو أنهم جاؤوها عن طريق بري ـ بحري فوق الرصيف القاري ساهول Sahul Shelf الذي كان مستوى البحر منخفضاً عنده، أم أنهم استخدموا القوارب والمراكب البدائية في رحلاتهم.

كان السكان الأصليون عند قدوم الأوربيين إلى أسترالية عام 1788 يعيشون حياة بدائية جداً في مجموعات صغيرة على سواحل القارة الشمالية والشرقية، ويعتمدون في معاشهم على جني الثمار والصيد. ولم يكن عددهم يزيد على 000ر300 نسمة وينقسمون إلى 500 قبيلة لكل منها موطن ولغة أو لهجة. وبعد مدة وجيزة من وصول الأوربيين إلى القارة شن هؤلاء حملة إبادة جماعية على السكان الأصليين. استخدموا فيها جميع الوسائل بدءاً من القتل المنظم حتى العزل في الغابة وتسميم المواد الغذائية فيها. وقد تم القضاء على كل السكان الأصليين في جزيرة تسمانية تقريباً، ولم يبق منهم في القارة الأسترالية بكاملها في عام 1966 سوى 45.000 نسمة.

الكشوف الجغرافية وبداية الاستعمار الأوربي:

اعتقد الجغرافيون القدماء بوجود أرض جنوبية مجهولة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لأن وجودها ضروري للحفاظ على توازن الكتل القارية المعروفة للعالم القديم. وتشير المصادر إلى وجود اتصال آسيوي مع أسترالية قبل أن يوثق تاريخها إذ يذكر الفلكيون الصينيون أنهم قاموا بأرصاد لهم في «أرض الجنوب» في القرن السادس ق.م. وثمة دليل لاريب فيه يؤكد أن الصينيين نزلوا سواحل أسترالية قرب ما يعرف اليوم بمدينة داروين سنة 1432. كذلك فإن توغل الإسلام في جنوب شرقي آسيا إلى مناطق لا تبعد أكثر من 480كم عن أسترالية لا بد وأن يكون قد دفع بعض المغامرين إلى ركوب البحر تلك المسافة، أو أن تكون الرياح أو التيارات قد دفعتهم إليها. وتتحدث المصادر العربية والصينية عن «أرض الجنوب» من دون تحديد دقيق يوضح ماهيتها وموقعها. كذلك توجد على بعض خرائط الأوربيين التي تعود إلى القرن السادس عشر أرض جنوبية دعيت «جاو العظمى» Jave la Grande. والثابت لدى الأوربيين أن البحارة البوغيين (جنوبي أندونيسية) كانوا يصطادون السمك عند «آرنهم لند» Arnhem Land شمالي أسترالية منذ القرن الثامن عشر، وربما كانوا يرتادون هذه البحار منذ أجيال. وقد تكون المقاومة العنيدة التي واجه بها سكان أسترالية الأصليون البحارة البوغيين هي التي حفظت أسترالية للاستعمار الأوربي. وقد يكون البحث عن الثروة وعن الأرض الجنوبية المجهولة من الأسباب التي اجتذبت البرتغاليين إلى شواطئ أسترالية ويؤكد ذلك أن جزيرة ملفيل بالقرب من الساحل الشمالي كانت تمد البرتغال بالعبيد، إلا أنه لا يوجد دليل قاطع على اتصالهم بأسترالية. و قام الإسبان من مستعمراتهم في جنوبي أمريكة برحلات استكشافية عثروا فيها على جزر سليمان وجزر الهبريد الجديدة ومضيق تورِس.

ومع بداية القرن السابع عشر شرع الهولنديون بالبحث عن القارة المجهولة، وبدأت عمليات الاستكشاف تأخذ طابعاً منهجياً. فعثر الهولنديون على خليج كاربنتارية (1606) واستكشفوا السواحل الشمالية والغربية للقارة (1616- 1629) وأطلقوا عليها اسم هولندة الجديدة. لكن هذه الرحلات خيبت آمال المستكشفين ومموليهم لعدم عثورهم على التوابل والذهب. وفي عام 1642 جهز الهولندي آبل ج. تسمان Tasman حملة جديدة بتكليف من الحاكم العام لجزر الهند الشرقية الهولندية أنتوني فان ديمن لمعرفة مدى إمكان استغلال أراضي الجنوب الجديدة. فقام بالدوران حول القارة (1642- 1643) واكتشف الجزيرة التي أصبحت تحمل اسمه (جزيرة تسمانية)، كما استطلع نيوزيلندة في طريق عودته، ثم قام بحملة أخرى عام 1644 فنزل على الساحل الشمالي من الأرض الجديدة التي دعيت هولندة الجديدة. ولم يجد الهولنديون في هذه الأرض ما كانوا يسعون إليه فتخلوا عن محاولة استكشافها. وقد عزز هذا العزوف عن متابعة استكشاف القارة رحلتان قام بهما القرصان الإنكليزي وليم دامبيير (1688-1689) Dampier الذي لم يجد هناك إلا أرضاً حفرة نفرة كثيرة الغبار، وظل هذا الانطباع سائداً في أوربة حتى القرن الثامن عشر، عندما عاد العلماء الجغرافيون إلى إثارة موضوع القارة الجنوبية من جديد وكان للتنافس الاستعماري بين فرنسة وإنكلترة أثره في متابعة البحث في بحار الجنوب عن مستعمرات جديدة، اكتشف الرحالة الإنكليزي صموئيل واليس S.Wallis جزر تاهيتي عام 1767، واكتشف الفرنسي لويس أنطوان دي بوغنفيل de Bougainville الحيد المرجاني الكبير في المحيط الهادئ واجتاز مضيق تورس وجانب الساحل الشمالي  للقارة الأسترالية (1768)، فكان أول بحار فرنسي يجوب بحار أسترالية، وخشيت إنكلترة أن تسبقها فرنسة إلى احتلال أراض غنية تعوضها عن فقد كندا فجهزت بعثة علمية استكشافية بقيادة القبطان جيمس كوك عام 1769 جابت الساحل الشرقي لأسترالية ووصلت إلى رأس يورك الحالي، ثم نزلت في خليج بوتاني (1770)، واستولت باسم ملك إنكلترة على جزء من ذلك الساحل فكانت تلك أول مستعمرة إنكليزية في المحيط الهادئ وأطلق عليها اسم نيوساوث ويلز.

لم تفكر لندن في البداية بادعاء ملكية القارة أو عدّها مستعمرة ذات شأن، واكتفت بنفي بعض المعارضين الإيرلنديين إليها. وبعد ثورة المستعمرات الإنكليزية في أمريكة الشمالية (1783) واستقلال الولايات المتحدة، اضطرت إنكلترة إلى نقل سجنائها المحكومين بالأشغال الشاقة والنفي من فرجينية في الولايات المتحدة إلى هذه المستعمرة الجديدة. وفي 26 كانون الثاني سنة 1788 ألقى الكابتن آرثر فيليب مراسيه عند مرفإ جاكسون (سيدني اليوم) وكان يرافقه أكثر من ألف إنسان (منهم 717 محكوماً بالنفي وفيهم 188 امرأة) وكان في جملة حمولته كذلك عدد من الأبقار والأغنام وحيوانات أهلية أخرى. فأقام آرثر في المستعمرة الجديدة ينظم شؤونها وأنشأ فيها نواةً لسلطة تولت إدارتها، وسرعان ما بدأت الحياة تنتظم تدريجياً بعد أن نجحت المستعمرة بالعيش من إنتاج 800 هكتار من الأرض المتاخمة لها ومن نتاج الحيوانات التي جاءت مع الحملة. وقد أضاف إليها الكابتن جون ماك آرثر عدداً آخر من أغنام المورينوس (1797) وبلغ عدد سكان المستعمرة في آخر القرن الثامن عشر 5217 نسمة.

أسترالية في القرن التاسع عشر:

بعد عودة آرثر فيليب إلى بريطانية عام 1792 تولى ضباط المستعمرة السلطة فيها. واستولوا على مساحات شاسعة من الأراضي وأداروها لحسابهم الخاص، ولم يستطع الحكام البريطانيون الذين تعاقبوا على المستعمرة الحد من تسلط هؤلاء الضباط إلى أن جاءها الحاكم لاكلان ماكويري في كانون الأول 1808 على رأس قوة خاصة، فأعاد الأمور إلى نصابها وحكم المستعمرة بيد من حديد، وعمل على شق الطرق وتشييد المباني العامة فيها. وفي عهده ازدهرت تربية الأغنام وتقدمت على زراعة الحبوب، وأصبح الصوف المصدر الأول للاقتصاد في أسترالية. وفي عهده كذلك استؤنفت الاستكشافات في داخل القارة. فتم اجتياز الجبال الزرقاء (غرب سيدني) عام 1813، وأضيف إلى أملاك المستعمرة سهول جديدة ملائمة لتربية المواشي وللاستثمار الزراعي، وتسابق المهاجرون إلى الاستيلاء على الأراضي الجديدة، فتأسست مدينة باثورست (1815) Bathurst وأصبحت أول مدينة قارية داخلية في مستعمرة نيوساوث ويلز، واتسعت الإقطاعات بوضع اليد على حساب إقطاعات المستوطنين. وشجع ماكويري السجناء المحررين على أن يصبحوا مزارعين فأثار بعمله هذا عداء كبار الإقطاعيين، فقاوموه ونجحوا في عزله (1821).

وفي عام 1823 أصبحت مستعمرة نيوساوث ويلز تابعة للتاج البريطاني، لها حاكمها ومجلسها التشريعي من دون تمثيل المستوطنين في هذا المجلس. وفي المدة بين عامي 1820 و1835 أنشئت في أسترالية خمس مستعمرات أخرى مستقلة. لكل منها حاكمها هي: تسمانية، وأسترالية الغربية، وجنوبي أسترالية، وفيكتورية، وكوينزلند. ووزعت الأراضي على المهاجرين لتشجيع الهجرة إلى القارة واستغلالها وشهدت هذه المرحلة تأسيس مدينتي ملبورن (1835) وأديلايد (1836). وفي عام 1840 ألْغت لندن إجراءات نفي السجناء إلى مستعمرة نيوساوث ويلز، ثم أصدرت «قانون حكومة المستعمرات الأسترالية» (1850) Australian Colonies Government Act. الذي حصلت بموجبه أربع مستعمرات، هي نيوساوث ويلز وفيكتورية وجنوبي أسترالية وتسمانية، على حق إقامة مجالس تشريعية منتخبة جزئياً. ومُنح دافعو الضرائب فيها حق الاقتراع. ومنذئذ لم يعد هناك ما يحول دون حصول المستعمرات على الحكم الذاتي، فاكتشاف الذهب (1851) وما تبعه من ازدهار اقتصادي حفز حكومة لندن إلى أن تقترح على المستعمرات تحرير دساتيرها بنفسها. ونصت دساتير المستعمرات على أن يكون لكل منها مجلسان على النمط الإنكليزي. وأصبح لكل مستعمرة حكومة مسؤولة أمام البرلمان، وحاكم يمثل سلطة العاصمة الإنكليزية لندن.

اكتشاف الذهب ونتائجه:

اكتشف الذهب بكميات اقتصادية في حقل «أوفير» في مقاطعة «أورانج» (نيوساوث ويلز) في شهر نيسان سنة 1851، فكان ذلك بدء حمى البحث عن الذهب في المستعمرة، وتسابق آلاف المستوطنين إلى التنقيب عنه في مناطق عدة. وقد عثر فعلاً على مناجم ذهب أخرى في «أورانج» وفي مستعمرتي «كوينزلند» (1867) و«أسترالية الغربية» (1883).

وفي عام 1852 بلغ إنتاج الذهب نحو 87 مليون غرام. ولم يقل الإنتاج السنوي من الذهب حتى عام 1920 عن 31 مليون غرام وبلغ الإنتاج ذروته (1040 مليون غرام ذهب) في العقد الأول من القرن العشرين. وكان لاكتشاف الذهب في أسترالية نتائج مهمة جداً. إذ بلغت قيمة الذهب المنتج في مدى عشرين عاماً 190 مليون جنيه، وتضاعف عدد سكان القارة أكثر من أربع مرات فارتفع عددهم من 405.000 نسمة عام 1850 إلى ما يزيد على 2.225.000 نسمة عام 1881 وإلى 4.455.000 نسمة عام 1911.

وكان من نتائج ذلك أيضاً تأسيس أولى النقابات العمالية عام 1874 (اتحاد عمال المناجم) وتبعتها نقابات أخرى أخذ نفوذها يتزايد باستمرار. واستطاعت في مدى ستين عاماً تحقيق الكثير من المكاسب العمالية، كتحديد الراتب الأدنى الحيوي، وتخفيض عدد ساعات العمل، وفرض الإجازات السنوية، وتوفير الخدمات الاجتماعية ومنحها الصلاحيات الواسعة، ومنح المرأة حق التصويت وغير ذلك.

ومن النتائج الأخرى لاكتشاف الذهب نشوء عدد من المدن في مواقع الباحثين عن الذهب (بالارات وبنديغو) وشق الطرق، ومد السكك الحديدية، ونمو التجارة في تلك المناطق، واتساع مجال السوق الداخلية فنشطت الزراعة (ولاسيما القمح) وانتعشت الصناعة ولاسيما الصناعات الغذائية والتعدينية ونشأت طبقة عاملة معظم أفرادها من عمال المناجم.

الازدهار الاقتصادي ونشأة الاتحاد:

شهدت أسترالية في أواخر القرن التاسع عشر عهداً من الازدهار الاقتصادي تخللته بعض الأزمات. إلا أنها أدت إلى زيادة عبء أسترالية من الديون الخارجية. وقد أثارت المشاريع الاستعمارية الفرنسية (كاليِدونية الجديدة) والألمانية (غينية الجديدة) في المحيط الهادئ خوف الأستراليين من تسلط هاتين الدولتين وحفزتهم إلى العمل متحدين. وكان للعمال الأستراليين دور مهم في إذكاء النزعة الاتحادية في القارة، فعقد في عام 1891 أول مؤتمر اتحادي انتهى إلى تأليف لجنة مهمتها وضع مشروع دستور اتحادي، إلا أن الأزمة الاقتصادية التي هزت أسترالية بين عامي 1892- 1896 طغت على الاهتمامات الاتحادية فيها. وقد أدى استقرار الوضع تدريجاً من عام 1895، والشعور المتبادل بالعزلة الذي عانت منه المستعمرات الأسترالية في هذه الأزمة وتفاقم الطموحات اليابانية والألمانية في المحيط الهادئ إلى تنامي الشعور بالحاجة إلى الاتحاد، فعادت الجمعية التأسيسية الاتحادية إلى الاجتماع من جديد في عام 1897، ووافق الأستراليون على دستور الاتحاد الفدرالي (استفتاء عام 1899). وصدق البرلمان البريطاني على إقامة الكومنولث الأسترالي (قانون 9 تموز عام 1900)، وأعلن قيام الاتحاد رسمياً في الأول من كانون الثاني عام 1901. واختيرت مدينة كانبرة عاصمة للاتحاد، وصيغ الدستور وسطاً بين النظامين البريطاني والأمريكي وتحتفظ كل ولاية بموجبه باستقلالها الداخلي، وتختص الحكومة الاتحادية بشؤون الدفاع والخارجية والتجارة الخارجية والجمارك والبريد والبرق والاستيطان.

وقد ضم الكومنولث الأسترالي المستعمرات الست السابقة التي غدت ولايات، وبقي الشمال القليل السكان مقاطعة ملحقة بولاية جنوبي أسترالية في أول الأمر، ثم ألحق بالحكومة الاتحادية بعد ذلك. وهذه الولايات هي: نيوساوث ويلز وعاصمتها سيدني، جنوبي أسترالية وعاصمتها أديلايد، أسترالية الغربية وعاصمتها بيرث، أسترالية الشمالية وعاصمتها داروين، كوينزلند وعاصمتها بِرْسْبان، فكتورية وعاصمتها ملبورن، تسمانية وعاصمتها هوبارت. ويتبع الاتحاد الأسترالي كذلك عدد من الأقاليم والجزر هي جزر نورفولك (2181 نسمة) وجزر بحر المرجان (كورال) وجزر آشمور وكارتيْير، و كوكو (670 نسمة) وجزر الميلاد (كريسماس 1275 نسمة) وإقليم القطب الجنوبي (80 نسمة).

أسترالية في القرن العشرين:

هيأ إنشاء الكومنولث الأسترالي والتقارب بين ولاياته الشروط الملائمة لازدهار الحياة الاقتصادية في القارة ودخلت الحياة السياسية مرحلة جديدة بعد ظهور حزب العمال الإصلاحي الذي تسيطر عليه الأوساط النقابية العمالية، وأدى نشاط هذا الحزب إلى تسلمه السلطة من الليبراليين والمحافظين سنة 1904، فقوي الاتحاد داخلياً، وتبنى سياسة الحماية الاقتصادية والحد من الهجرة. وظل الحزب على رأس السلطة الفدرالية حتى عام 1920 باستثناء بعض المدد القصيرة، وقد حقق حزب العمال في هذه الحقبة إنجازات كثيرة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، فغدا مستوى المعيشة في أسترالية من أكثر المستويات ارتفاعاً في العالم. إلا أن الكومنولث الأسترالي ظل في مجال السياسة الخارجية مرتبطاً بلندن بروابط اقتصادية واستراتيجية، وقدم الدعم لها في مناسبات عدة، ولاسيما في السودان (1895)، وفي حرب البوير في إفريقية الجنوبية (1900)، وشاركت أسترالية بزعامة حكومة حزب العمال في الحرب العالمية الأولى [ر] (1914- 1918)، وبلغ عدد الأستراليين المشاركين فيها 330 ألف متطوع، قتل منهم 60 ألفاً وجرح 150 ألفاً، كذلك تنبه الأستراليون إلى أهمية موقعهم في البحار الجنوبية فعدوا أنفسهم حراساً لها، وقد تجلت قناعتهم هذه في مؤتمر السلام (1919) الذي عقد في باريس، وعارض فيه رئيس الوزراء الأسترالي هوغ Hugues أفكار الرئيس ويلسون فيما يتعلق بدور اليابان في المحيط الهادئ، وحصل من عصبة الأمم على حق الانتداب على الممتلكات الألمانية جنوب خط الاستواء (باستثناء جزر ساموا)، فكان ذلك بداية سياسة أسترالية دولية أصيلة.

عانت أسترالية مع نهاية الحرب أزمة تحويل الإنتاج الحربي إلى إنتاج سلمي. ولم تسترد ازدهارها الاقتصادي الحقيقي إلا بدءاً من عام 1921. وقد تجلى هذا الازدهار في الريف الأسترالي أكثر من المدن، وأدت سياسة الحماية الاقتصادية الصارمة إلى تطوير صناعة التعدين والصناعات النسيجية وصناعة السيارات وتوظيفها في السوق الوطنية.

وأدى العجز المتزايد في الميزان التجاري بسبب ارتفاع مستوى المعيشة منذ عام 1926 إلى مضاعفة القروض فازدادت تبعية أسترالية للسوق المالية البريطانية. ولم تحظ الجهود التي بذلت لاجتذاب المهاجرين الإنكليز بين عامي 1921 و 1929 للتغلب على مشكلة قلة السكان إلا بقليل من النجاح (300 ألف مهاجر جديد أغلبهم من العاطلين عن العمل والفقراء).

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

التعليقات (0)