تاريخ مدينة فاس وأبوابها

تاريخ مدينة فاس وأبوابها


لا مراء في أن مدينة فاس تتبوأ مكانة رفيعة، ليس فحسب ضمن كوكبة الحواضر الإسلامية، بل أيضًا في سجل المدائن العالمية ذات البعد التاريخي، وهذا ما جعل منظمة اليونسكو تعتبرها تراثاً إنسانياً لابد من صيانته والحفاظ عليه، حتى تظل مدينة متكاملة الذاكرة، سليمة المآثر، ودرساً حضارياً للأجيال المقبلة.
لكن كيف كانت نشأة هذه الحاضرة العريقة؟ وضمن أية تربة تاريخية وعوامل بشرية نمت واكتسبت إشعاعها الفريد؟


قبل اثني عشر قرناً:
حسب الكتابات التاريخية الوسيطية فقد شرع إدريس الثاني، ابن مؤسس دولة الأدارسة في المغرب، في سنة 808م في أول الأشغال التي أرست النواة الهندسية لـ مدينة فاس، وهي ثاني حاضرة إسلامية قام بتشييدها المغاربة، وكانت أولاها هي مدينة القيروان التونسية التي باشر عقبة بن نافع بناءها حوالي سنة 650 ميلادية (50 هجرية).
ولم يتأت للإمام إدريس تحديد موقع بناء فاس إلا بعد مقاربات استكشافية عديدة، للبقاء المتاخمة لها، وكان الماء عاملا أساسيا في اختياره، لأن وفرة المياه تعني خصوبة الأراضي وقد وجد ضالته في ضفتي واد الجواهر، الواقع ضمن منطقة نفوذ قبيلتي زواغة ويازغة المتفرعتين عن زناتة الأمازيغية، وفي هذا الموقع تم حفر الأساسات الأولى لعاصمة مملكته.
ولا شك في أن نهر سبو، القريب جدا من ذلك المكان، كان حافزا كبيرا للإطمئنان على المستقبل المائي والملاحي للمدينة، كما أن وجود غابات الأطلس المتوسط، في الجنوب غير البعيد عن فاس، وفر مخزوناً خشبياً غنياً كانت المدينة الناشئة في أمس الحاجة إليه، سواء لإنجاز أشغال البناء أو لإستخدامه في السقوف ومصاريع الأبواب وتجارة الأثاث والزخرفة.
وقد شاءت الظرفية الجغرافية والتاريخية للتأسيس أن تتكون مدينة فاس في البدء من (مدينتين)! أو من عدوتين هما عدوة القرويين وعدوة الأندلس، وكان يحيط بكل واحدة سور منيع، ويفصل بينهما واد فاس (المسمى أيضا واد الجواهر) الذي كانت تتخلله قناطر عديدة لتأمين العبور بين العدوتين.
وشهدت كلتا الضفتين في عهد الأدارسة توسعا عمرانيا ونموا ديمغرافيا وحركة تجارية دائبة، وبين سنتي 857 و 859م قامت سيدتان، هما فاطمة أم البنين وشقيقتها مريم – وهما ابنتا ثري قيرواني قدم للإستقرار بفاس اسمه محمد بن عبد الله الفهري – ببادرة هامة في مجال المعمار الديني لفاس، حيث بنت الأولى جامع القرويين فيما شيدت الثانية جامع الأندلس.
وحتى في خضم الاضطرابات والقلاقل التي طبعت نهاية حكم السلالة الإدريسية، ابتداء من سنة 926 م (314 هـ)، ظل التوسع العمراني والاجتماعي متواصلا في العدوتين، وكانت أهمية فاس الحرفية والتجارية قد بدأت تتأكد ليس فقط جهويا، بل على صعيد المغرب، ومنطقة شمال افريقيا.
وفي عهد الأمير الزناتي دوناس المغراوي صارت فاس مدينة كبيرة كثرت بها الأسواق والمساجد، والحمامات العمومية، والقناطر الرابطة بين عدوتيها، والأسوار المحيطة بمشارفها، ولم يتمكن ولداه فتوح وعجيسة، اللذان خلفاه، الأول على عدوة الأندلس، والثاني على عدوة القرويين، من الحفاظ على استقرار المدينة، إذ سرعان ما أوقد تنافسهما نيران الحرب بين الضفتين.
ولا يزال «باب فتوح» و «باب عجيسة» (المعروف حاليا بباب الكَيسة) أثرين شاهدين حتى اليوم على أبعاد الصراع الذي اتخذ من المعمار، بعد قوة السلاح، واجهة أساسية للتعبير عن السلطة ورسم مداخلها ومخارجها، وفي هذا المنحى تعتبر فاس مدينة الأبواب بامتياز.


ذاكرة مدينة فاس (الأبواب الإدريسية).
في الكتاب التذكاري المخصص لفاس، الذي صدر عن منشورات «نوفو ميديا» سنة 1993م، ضمن سلسلة «مواقع ومدائن» تحت إشراف العربي الصقلي، نجد رصدا للأبواب التي شيدت في الحقبة الإدريسية، والتي بلغ عددها وقتئذ 12 بابًا، ستة منها تخللت السور الشامخ المحيط بعدوة القرويين، والستة الأخرى توزعت عبر سور عدوة الأندلس.
 

باب بوجلود بـ مدينة فاس


وهذه الأبواب الاثنا عشر هي:
1.   باب إفريقية، أول باب شيده الإمام إدريس، ويعرف أيضا باسم باب أزليتن، وهذا الاسم موجود إلى اليوم.
2.   باب حصن سعدون الذي صار، في القرن الحادي عشر الميلادي، يحمل اسم باب السياج.
3.   باب الفرس الذي كان قرب حي فندق اليهودي الحالي.
4.   باب الفرج الذي سرعان ما تحول اسمه إلى باب السلسلة الذي لا يزال يعرف به إلى الآن.
5.   باب الحديد، بناه إدريس الثاني بعد باب الفرج.
6.   باب الفوارة، ولا يزال هذا الاسم معروفا حاليا براس الزاوية في حي المخفية.
7.   باب شيبوبة.
8.   باب الفاصل (المعروف حاليا باسم باب النقبة).
9.   باب أبي سفيان، وسمي لاحقا باب بني المسفر، ثم باب سيدي بوجيدة.
10. باب الكنيسة، وقد دمر في عهد الموحدين الذين أعادوا بناءه لاحقا سنة 1204م، وصار يحمل اسم باب الخوخة.
11. باب فتوح.
12. باب عجيسة، وقد أشرنا آنفا إلى أن هذا الباب، والباب المذكور قبله مباشرة، بنيا في فترة احتضار الدولة الإدريسية.


الأسوار والسلالات الملكية
شهدت سنة 1070م حدثا رمزي الأبعاد، تمثل في قيام الملك المرابطي يوسف بن تاشفين، إثر دخوله مدينة فاس، بإصدار أمره بهدم الأسوار الفاصلة بين العدوتين. وبذلك صارت مدينة موحدة.، ورغم انتقال مقر العاصمة إلى مراكش، حظيت فاس بعناية معمارية ملحوظة من طرف المرابطين.
ولم تعد الأسوار تحيط بفاس إلا في عهد يعقوب المنصور الموحدي، الذي جعل منها حاضرة كبيرة بعد مراكش العاصمة، وفي سنة 1200م، في ظل السلالة الموحدية، تم بناء باب الشريعة الذي اشتهر لاحقا بباب المحروق، وخلال نفس الحقبة نشأت أحياء جديدة لاتزال إلى اليوم، مثل الشرابليين وسويقة بن صافي والطالعة.


فاس الجديد
بعد توطد دعائم الدولة المرينية، كانت فاس قد ضاقت بما رحبت لكثرة ساكنيها، فتحتم على السلطان أبي يوسف بناء مدينة أخرى خارجها حتى تستوعب جنده وأهل قبيلته ورجال إدراته، فكان أن شيد، سنة 1276م، «المدينة البيضاء» التي سرعان ما صارت تعرف بـ « فاس الجديد » مقابل « فاس البالي » الذي ينسحب على المدينة القديمة، وقد جهزها بالأسواق والحمامات العمومية والقنوات المائية والنواعير، فضلا عن الحدائق والمنازل الفسيحة الفخمة لإقامة رجال الدولة، قرب القصر الملكي الذي بناه لنفسه.


قبلة المفكرين والفقهاء
لم يمنح تاريخ المغرب صفة العاصمة العلمية لفاس مجاملة أو إعتباطاً، فقد مثلت جامعة القرويين – التي تعتبر أقدم جامعة في العالم – بؤرة إشعاع ثقافي وديني ما انفك دورها يتعاظم على امتداد الحقب، وشهدت رحابها إرساء تقليد الحلقات الدراسية التي كان يشرف عليها صفوة نحاة العالم الإسلامي وفقهائه وشراحه، ويتردد عليها الطلبة من المغرب والأصقاع العربية والإسلامية وغيرها، ولا تزال نفائس المخطوطات وأمهات الكتب محفوظة بخزانتها الشهيرة إلى اليوم، ويتوافد عليها الباحثون من مختلف جهات المعمور.
وبفضل المرينيين خصوصاً، توسع الفضاء الثقافي للمدينة، واغتني بإنشاء العديد من المدارس التي كانت، إلى جانب دورها العلمي والديني والاجتماعي، منجزات فنية رائعة أبدعها أمهر صناع الجبس والخشب والزليج والزخرفة المغاربة.
وتميزت من بين هذه المنشآت المعرفية المدارس التالية:
•  مدرسة الصفارين: أسسها أبو يوسف المريني بين سنتي 1271م و 1272م، وأوقف على طلبتها مجموعات هامة من كتب الحديث وعلم الكلام والنحو والأدب.
•  مدرسة فاس الجديد: أسسها أبو سعيد سنة 1321م، وكانت مختصة في البداية في العلوم الدينية، وفي أواسط القرن التاسع عشر شرعت في تقديم دروس في المعارف العلمية.
•  مدرسة العطارين: أنشأها أبو سعيد كذلك سنة 1321م، واشتهرت بتناسق هندستها وجمال زخارفها.
•  مدرسة الصهريج: بناها الأمير أبو الحسن المريني بين سنتي 1321م و 1323م، وأقام قربها نافورة ماء وفندقا لإيواء الطلبة.
•  المدرسة المصباحية: التي سميت أيضا مدرسة الرخام، نسبة إلى فسقيتها الرخامية. ويذكر المؤرخون أنها كانت تضم مئة وسبع عشرة حجرة، كان يقطنها في أوائل القرن العشرين الطلبة الوافدون من الشاوية، ودكالة وجبالة.
•  المدرسة البوعنانية: وهي آخر المدارس التي شيدها المرينيون بـ مدينة فاس، وبناها أبو عنان المريني بين سنتي 1351م و 1356م.
 

مدرسة النجارين مدينة فاس -المغرب-


ومن نوابغ الأسماء التي ولدت بفاس أو عاشت فيها وألقت الدروس بمدارسها نذكر المتصوف ابن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر، والرحالة ابن بطوطة، وابن البناء، والحسن اليوسي، ولسان الدين بن الخطيب، وابن الأحمر، وأحمد المقري، وابن باجة، وابن خلدون وغيرهم الكثير..


الحاضرة الاقتصادية
منذ العهد المريني، ومرورا بالحقبتين الوطاسية والسعدية، وصولا إلى العلويين، تنامي الدور الاقتصادي لفاس باتساق مع وضعيتها السياسية وإشعاعها العلمي وتوسعها العمراني والديمغرافي.
ولاشك أن موقعها في ملتقى الطرق الرابط بين شمال البلاد وجنوبها، وشرقها وغربها، وكذا تنوع النسيج الاجتماعي وما رافقه من تطور النشاطات التجارية والصناعية والحرفية، فضلا عن الإمكانات الفلاحية لنواحيها والجهات المتاخمة لها، كل ذلك هيأها لأداء اقتصادي كبير المردودية.
وضمن هذه الدورة الاقتصادية الحيوية، احتلت الصناعة التقليدية الفاسية مكانا أساسيا، واتسمت منذ القديم برهافة الأسلوب، ودقة التنفيذ، وروح الابتكار المتجذرة في أعماق الحضارة المغربية الإسلامية.
وحتى بعد تعاظم الدار البيضاء لاحقا، واستقطابها لدور المحرك الرئيسي للاقتصاد المغربي، ظلت لفاس خصوصياتها التاريخية في مجال صناعات النسيج والجلود والأواني النحاسية والزرابي..


المدينة المرأة
إذا كانت العاصمة السياسية والإدارية للمغرب قد انتقلت إلى الرباط، فيما استأثرت الدار البيضاء بالجانب الأعظم من القوة الاقتصادية، فإن الوزن الرمزي لفاس، الضارب في أعماق التاريخ، قد استمر يمارس تأثيره العميق كاملا غير منقوص.
لقد اجتذبت فاس وأوقعت في سحرها الآسر عددا لا يحصى من الفنانين التشكيليين والسينمائيين والأدباء المغاربة والعرب والأجانب، فاقتربوا منها وأقاموا في كنفها كما لو كانت سيدة حتمية لايمكن الفكاك من ندائها، ولم تنحصر بؤرة جاذبيتها في مأثرها المعمارية وحدها، ولا في شموخ أسوارها المحروسة بالخطاطيف، ومآذنها الساهرة فوق السطوح المتجاورة، وحماماتها القديمة، وما تبقى من عرصاتها المبهورة بالحبق والسوسن، وتداخل الأزمنة في ساحاتها وأبوابها، بل تغلغلت في مجمل هندستها الروحانية والكيمياء الوجدانية المتضوعة حتى من حجارة دروبها.
في كتابه “فاس مقام العابرين” (الصادر عن منشورات افريقيا الشرق، بترجمة محمد الشركي)، يتوقف الشاعر المغربي محمد العلوي البلغيثي، عند الكيفية التي عبر بها بعض الكتاب الغربيين مدينة فاس محولين إقاماتهم القصيرة فيها إلى تجارب كتابية متباينة التضاريس والمستويات.
وإذا كان العديد منهم قد اقتربوا من فاس بذاكرة مترعة باستيهامات «ألف ليلة وليلة»، وبالخيال الغرائبي الذي تبلور حول المدينة السلطانية، فقد تميزت الكاتبة « أناييس نين »، صديقة أرطو وميلر وجويس، التي زارت فاس إبان سفر خاطف في شهر أبريل 1936م، ببوح باطني أكثر إنباء بما تفجره فاس في أعماق المبدعين. فهي ترى هذه المدينة « مثل مدن الروح » مؤكدة أنها « بنيت تمامًا مثل حياتي الشخصية، بدروبها المتعرجة، وأشكال صمتها، ومتاهاتها ووجوهها الملثمة...
فاس وإرهاقات الحاضر.
إذا كان التقسيم الإداري لسنة 1991م، قد قام برفع فاس إلى مستوى ولاية، فإنها طبقا للتقسيم الإداري الجديد تضم عمالات فاس، الجماعة الحضرية للمشور فاس الجديد، وإقليم مولاي يعقوب، والتشخيص العام لحالة المدينة ككل كشف منذ عدة عقود عن العلل التي تنخر الجسم التاريخي والبيئي لفاس، والمتمثلة أساسا في تداعي المنشآت التاريخية المفتقدة للترميم والصيانة، والتلوث المتفاحش، والاكتظاظ السكاني، والهجرة القروية.
ووعيا منها بخطورة الحالة، تبنت منظمة اليونسكو نداء موجها للعالم قاطبة، اعتبرت فيه فاس تراثا إنسانيا ودعت إلى إنقاذ هذه المدينة وإعادة الاعتبار إليها.
لقد تبين أنه تم عزل المدينة القديمة، التي هي المركز التاريخي لفاس، عن النسيج الحضري العام لمدة طويلة جدا، وأظهرت المعاينات الميدانية، والفحوص التقنية أن الوضعية المقلقة للمدارس العتيقة والفنادق التقليدية والدور والمآثر تتطلب تدخلا متوازنا يتعامل مع كل منشاة وفق هيكلها المعماري الأصلي وبنيتها الجمالية الخصوصية.
ويسعى مخطط الإنقاذ، الذي دخل حيز التنفيذ منذ عدة سنوات، إلى حماية مدينة فاس ليس فحسب من عوادي الزمن بل أيضا من مخاطر الحداثة.


(المصدر: موقع التاريخ المغربي).


التعليقات (0)