وزارة التنفيذ

وزارة التنفيذ

أما وزارة التنفيذ، فحكمها أضعف من وزارة التفويض وشروطها أقل، لأن النظر فها مقصور على رأي الإمام وتدبيره.

ووزير التنفيذ وسيط بين الإمام وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر وينفذ عنهم ما ذكر ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة، وتجهيز الجيوش والحماة ويعرض عليه ما ورد من مهم، وتجدد من حدث ملم، ليعمل فيه ما يؤمر به، فهو معين في تنفيذ الأمور، وليس بوال عليها ولا متقلدا لها، فإن شورك في الرأي كان باسم الوزارة أخص، وأن لم يشارك فيه كان باسم الوساطة والسفارة أشبه([1]).

ولا تفتقر وزارة التنفيذ إلى تقليد، وإنما يراعى فيها مجرد الإذن ومطلق الاسم، ولا يعتبر في المؤهل لها الحرية ولا العلم، لأنه ليس له أن ينفرد بولاية، ولا تقليد، فتعتبر فيه الحرية، ولا يجوز له أن يحكم، فيعتبر فيه العلم، وإنما هو مقصور النظر على أمرين:

أحدهما: أن يؤدي إلى الخليفة.

والثاني: أن يؤدي عنه.

ويراعى في وزير التنفيذ سبعة شروط:

أحدهما: الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن فيه، ولا يغش فيما قد استنصح فيه.

الثاني: صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه، ويعمل على قوله فيما ينهيه.

الثالث: قلة الطمع حتى لا يرتشي فيما بل ولا ينخدع فيتساهل.

الرابع: أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، لأن العداوة تصد عن التنافس وتمنع التعاطف.

الخامس: أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الخليفة وعنه، لأنه شاهد له وعليه.

السادس: الذكاء والفطنة حتى لا تدلس عليه الأمور فتشتبه، ولا تموه عليه فتلتبس، ولا يصح مع اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم.

والسابع: أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى عن الحق إلى الباطل، ويتدلس عليه المحق من المبطل، فإن الهوى خادع الألباب، وصارف عن الصواب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حبك الشيء يعمي ويصم).

وقد يحتاج الوزير إلى وصف ثامن: وهو الحنكة والتجربة التي تؤديه إلى صحة الرأي وصواب التدبير، فإن في التجارب خبرة بعواقب الأمور([2]). ويجوز لوزير التنفيذ أن يكون من (أهل الذمة) ولكن لا يجوز أن يكون وزير تفويض منهم. وروي عن أحمد بن حنبل ما يدل على المنع لأنه قال في رواية أبي طالب، وقد سئل نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج فقال: (لا يستعان بهم في شيء)، مستندا في ذلك على قوله تعالى: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) وقوله تعالى أيضًا (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) وقوله عليه السلام (لا تأمنوهم إذ خونهم الله)([3]).

وذهب الإمام أبو الحسن البصري إلى جوازه، وذهب أبو المعالي الجويني إلى منعه([4]).

ولم يجوز الماوردي وأبو يعلى اتخاذ المرأة لمنصب الوزارة، وإن كان خبرها مقبولا، لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء لقول النبي: (ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)([5]) ولأن فيها (الوزارة) من طلب الرأي، وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور([6]).


(المصدر: الوزارة: نشأتها وتطورها في الدولة العباسية/ توفيق سلطان اليوزبكي).

([1]) الماوردي ص25، أبو يعلى ص15، السهروردي ورقة 24ظ.

([2]) الماوردي ص27، أبو يعلى ص15.

([3]) أبو يعلى ص16.

([4]) أبو سالم العقد الفريد للملك السعيد ص144.

([5]) رواه أحمد بن حنبل والبخاري والترمذي والنسائي.

([6]) الماوردي ص25- 27، أبو يعلى ص14- 16.

التعليقات (0)