خصوصية العلاقة بين الأمراء الحاتميين والدولة الرسولية في عهد الملك المظفر يوسف بن عمر (647 - 694هـ) (5)

خصوصية العلاقة بين الأمراء الحاتميين

والدولة الرسولية في عهد الملك المظفر

يوسف بن عمر (647 ـ 694هـ)

(الجزء الخامس)

وكمندوبين للملك المظفر يثق بهم ويعلم صدقهم، أرسل الملك المظفر، الأمير علي بن حاتم إلى كافة الأمراء الحمزيين يدعوهم "للفرحة"([1])، والنزول للأبواب السلطانية، وطلب منه أن يكون هو الرفاقة لمن أراد منهم النزول([2])، وفي مهمة أخرى تختلف في جوهرها عن مهمة الأمير علي بن حاتم، تم انتداب الأمير سالم بن حاتم لقتال من ظل من الأشراف مخالفًا للملك المظفر([3]).

إننا حين نتحدث عن خصوصية العلاقة بين الأمراء الحاتميين والدولة الرسولية في عهد الملك المظفر، فإنما نتحدث عن علاقة قَدَّمَ فيها الأمراء الحاتميون الغالي والنفيس في خدمة هذه الدولة، وهي علاقة لن تتكرر في خصوصيتها مع أي ملك رسولي أخر، وإذا كانت همدان كافة قد انحازت إلى صف الدولة الرسولية، فإن الأمراء الحاتميين هم من وقع عليهم العبء الأكبر، كونهم من تصدره وضربوا من أجله أروع الأمثلة.

لم يقتصر دور الأمراء الحاتميين على ما سبق الإشارة إليه، بل إنهم كانوا يقومون مقام الملك المظفر في بعض الأحوال، ومن ذلك ما رواه الأمير بدر الدين حين قال([4]): "وفي خلالها (انقطاع الطرق) تعسر وصول الخزائن، فتقدم الأمير السيف بن حاتم بخزانة جيدة إلى (حصن) الزاهر([5])، وأوصلها صعدة".

كما أنهم لم يدخروا جهدًا في خدمة الدولة الرسولية بكل السبل، فإليهم يرجع الفضل الأول في تفكيك الجبهة الزيدية بعد مقتل الإمام المهدي، إذ كانوا يستغلون بعض الخلافات التي تحدث بين الأشراف الزيديين لاستمالة بعضهم إلى صف الدولة الرسولية، ومن ذلك ما فعله الأمير الفهد بن حاتم حين سعى في التقريب بين الأمير نجم الدين موسى بن أحمد الحمزي والسلطان الملك المظفر، وكذلك فعل الأمير بدر الدين محمد بن حاتم مع الأمير علم الدين سليمان بن محمد، حين أصلح بينه وبين الملك المظفر، بل أرسل ولده رفاقة للأمير علم الدين حتى يصل إلى الأبواب السلطانية([6]).

وبوصفه الممثل الشخصي للملك المظفر فيما يخص العلاقات الزيدية ـ الرسولية، وضامنًا له فيما يُتفق عليه، ووسيطًا يثق به هؤلاء الأشراف ويعلمون صدقه ونزاهته، لم يكن بالإمكان إيجاد بديل عن الأمير بدر الدين محمد بن حاتم للقيام بهذه المهام التي وصلت مداها حين أصبح عضوًا في لجنة التحكيم([7]) التي تنظر في الخروقات التي قد يرتكبها أي طرف في أثناء مدة الهدنة أو الصلح بين الجانبين. وهذا دليل واضح على المكانة التي كانت للأمير بدر الدين في نفوس الأشراف الزيديين والملك المظفر على حد سواء، والتي ما كان له أن ينالها إلا بوجود صفات لا تتوافر في الكثير من الناس، ومن تلك الصفات: الصدق والوفاء والوضوح، والتفريق بين الممكن والمستحيل، وإنزال الناس منازلهم مهما كانت درجة الخلاف معهم، ولعلنا نتلمس بعض هذه الصفات مما رواه الأمير بدر الدين عن نفسه حين قال([8]): "ثم أني اتفقت مع الأمير جمال الدين وأبلجت خاطره، ثم عزمت عليه إلى المحطة، وقلت له: تكون لنا ضيفًا هذه الليلة... فساعد إلى ذلك... وكانت ليلة من أحسن الليالي وأعجبها، واتفق من الإسعاف أن الأمير علم الدين (الشعبي) طلع له من منزله بصنعاء أشياء أنيقة من أصناف الأطعمة والحلاوات... لم تكن تطلع له من قبل ولا من بعد، فأمسى الأمير جمال الدين عندنا تلك الليلة على الكرامات الطائلة".

وفي توافق قدري عجيب، يعكس صورة أخرى من صور الخصوصية في العلاقة بين الأمراء الحاتميين والدولة الرسولية في عهد الملك المظفر، تزامن انهدام القصر بصنعـاء مع وجود هؤلاء الأمراء مع الأمير علم الدين الشعبي([9])، مع أن القصر قبل لحظات من انهدامه كان يعج بالزوار عربًا وعجمًا، فلما قضوا حوائجهم، خرجوا وتفرقوا، ولم يبق في المجلس مع الأمير علم الدين إلا الأمراء الحاتميون وبعض غلمانه، فانهدم القصر عليهم جميعًا، ومات نتيجة لذلك كل من الأمير علم الدين الشعبي والأمير علي بن حاتم، ونجا من الموت بأعجوبة الأمير بدر الدين محمد بن حاتم، بعد أن أُخرِج من تحت الأنقاض في آخر لحظة.

وفي السنوات الأخيرة من عهد الملك المظفر ضعفت قوته ولم يعد يتحمل مشقة السفر صوب مناطق اليمن الأعلى، وكان عليه في الوقت نفسه أن يجد من يحل محل الأمير علم الدين الشعبي بعد وفاته، ولكنه على ما يبدو، لم يجد الشخص المناسب الذي يقوم مقامه من الأمراء الرسوليين، فأسند ولاية صنعاء لابنه الملك الواثق([10])، ولكنه عجز عن احتواء تمردات القبائل في اليمن الأعلى، ثم جعلها في ابنه الأشرف([11])، وكان أكثرهم شبهًا بوالده من حيث الحنكة والكياسة وحسن التصرف وصفات القيادة وتدبير الأمور([12])، وهذا ما انعكس على العلاقة بين الملك الأشرف والأمراء الحاتميين([13])، الذين رأوا فيه امتداد لعهد والده، فقال شاعرهم([14]):

ألا مرحبًا يا ابن المظفرِ قابلتْ * طلوعَك فينا أنجمُ اليُمْن طُلَّعا

 وأهلًا بها من أوبةٍ أشرفيةٍ * يروقُ جميعَ الناسِ مرأى ومَسْمَعا

وفي محاولة من الملك المظفر لإرضاء بقية أولاده من جهة، وللمحافظة على حياة الملك الأشرف كولي للعهد، أسند ولاية صنعاء لابنه الثالث الملك المؤيد داود بن يوسف([15]). ومن خلال قراءة الأحداث، وجدنا أن الملك المؤيد لم يكن بحنكة أبيه المظفر وأخيه الأشرف وكياستهما. فخلال الفترة التي قضاها في ولاية صنعاء (687 ـ 693هـ)، انتهج أسلوب القوة والبطش كخيار وحيد في التعامل مع القبائل اليمنية والأشراف الزيديين على حد سواء، وهذا يعني أنه استغنى عن أي دور للأمراء الحاتميين كوسطاء بين الدولة الرسولية وتلك الأطراف، وبذلك أخفق في احتواء الوضع في مناطق اليمن الأعلى، واضطربت البلاد عليه([16]) من نقيل صيد([17]) إلى صعدة، ولم يتمكن مع ما استخدم من قوة مفرطة من إخمادها، وهنا تبرز بوضوح أهمية الدور الذي كان الأمراء الحاتميون يقومون به في توطيد حكم الدولة الرسولية في تلك الجهات.

ولإدراك الملك المظفر لهذه الحقيقة، استدعى كل من الملك المؤيد والأمير بدر الدين محمد بن حاتم إلى الأبواب السلطانية في تعز، حتى روى الأمير بدر الدين هذا الأمر بقوله([18]): " وكنت إذ ذاك منقبضًا عن (الملك) المؤيد في (حصن) العروس، فنزلت الأبواب السلطانية، فتلقاني (الملك المظفر) بالبر والكرامة التي هي من عوائده الجميلة إلينا، ووصلني ومن معي من الصدقات العميمة بما لا أقوم بشكره، ووقفت على بابه الكريمة أيامًا، ثم أمرني بالطلوع صحبة الملك المؤيد، بعد أن أكد الوصية عليه فيًّ، وأوصاني بخدمته".

لكن الملك المؤيد ـ على ما يبدو ـ لم يستوعب رسالة والده فيما يخص هؤلاء الأمراء، واستمر في تكبره وغيِّه، مما اضطر الملك المظفر إلى عزله عن ولاية صنعاء، وإسنادها إلى الملك الأشرف مرة أخرى، لعله يصلح بعض ما أفسده المؤيد مع الأمراء الحاتميين ومع غيرهم من القبائل والأشراف الزيديين، حتى وصف الأمير بدر الدين محمد بن حاتم هذا الأمر بقوله([19]): "فاقتضت الآراء طلوع من لا يأفل الخطب إلا بطلوع غرته، ولا تخمد الحرب إلا بوقود نار همته وعزمه، مولانا السلطان الأعظم الملك الأشرف". فطلع إلى صنعاء في سنة 693هـ([20])، قبل أشهر قليلة من وفاة والده المظفر في سنة 694هـ([21]).

الخاتمـة:

مما لا شك فيه، أنه لولا تلك الخصوصية في العلاقة بين الأمراء الحاتميين ـ وعلى رأسهم في ذلك الحين الأمير بدر الدين محمد بن حاتم ـ والدولة الرسولية في عهد الملك المظفر يوسف بن عمر، لما تمكن هذا الملك من بسط نفوذ دولته على مناطق اليمـن وصولًا إلى صعدة في أقصى الشمال.

كما كان للصفات الشخصية التي توافرت في كل من الملك المظفر والأمير بدر الدين دور كبير وكلمة الفصل في تلك الخصوصية، إذ شكلا ثنائيًّا فريدًا لم يتكرر في تاريخ العلاقات بين الطرفين على امتداد تاريخ الدولة الرسولية (626 ـ 858هـ)، ولم يكن له مثيل في تاريخ اليمن في عهد الدول المستقلـة، إلا ما شهدته الدولة الطاهرية من الخصوصية في العلاقة مع قبيلة همدان (الإسماعيلية) في عهد الملك الظافر عامر بن طاهر (858 -870هـ).

ولذلك رأينا كيف تزعزعت أوضاع الدولة الرسولية في أواخر عهد الملك المظفر، حين ولى صنعاء وما حولها لولديه الواثق والمؤيد، اللذين جهلا أهمية هذه الخصوصية في العلاقة مع الأمراء الحاتميين بالنسبة للاستقرار السياسي في الدولة الرسولية، وبالتالي فشلا في إدارة تلك المناطق بمعزل عن هؤلاء الأمراء، بينما كان أخوهما الأشرف سر أبيه، فأدرك بفطنته أهمية تلك الخصوصية، فكان عهده امتدادًا لعهد أبيه لولا الأجل الذي وافاه باكرًا.

وبالمقابل أخلص الأمراء الحاتميون للدولة الرسولية في عهد الملك المظفر، وبذلوا في خدمتها الغالي والنفيس حين رأوا ما لهم من المكانة عند هذا الملك، وأحجموا عن ولديه الواثق والمؤيد حين رأوا الغلظة في التعامل معهم، واستبشروا خيرًا حين آلت ولاية العهد في الدولة الرسولية للملك الأشرف.

(الجزء الاول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


المصادر والمراجع

أولًا- المصادر:

ابن الأنف، عماد الدين إدريس بن الحسين (ت: 872هـ)

1 ـ نزهة الأفكار وروضة الأخبار في ذكر من قام في اليمـن من الملـوك الكبـار والدعاة الأخيار، مخطوط مصور، دار الكتب المصرية، القاهـرة، برقـم (1253) (تاريخ).

البكري، عبد الله بن عبد العزيز (ت: 487هـ)

2 ـ معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تح: مصطفى السقا، ط3، عالـم الكتب، بيروت، 1983م.

الثقفي، سليمان بن يحيى (ت: بعد سنة 327هـ)

3 ـ سيرة الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (532 ـ 566هـ)، تح: عبدالغني محمود عبدالعاطي، ط1، الرياض، 2000م.

ابن حاتم، الأمير بدر الدين محمد بن حاتم (ت: بعد سنة 702هـ)

4 ـ السمط الغالي الثمن في أخبار الملوك من الغز باليمن , تح: ركس سميث , كمبردج , 1974م.

ابن الحسين، يحيى (ت: 1100هـ)

5 ـ أنباء الزمن في تاريخ اليمـن، مخطوط مصور، دار الإمام زيد بن علي، صنعاء، برقم (3) (تاريخ).

6 ـ غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، ج1، تح: سعيد عبد الفتاح عاشور، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1388هـ/1968م.

الحمزي، عماد الدين إدريس بن علي (ت: 744هـ)

ثانيًا- المراجع:

الأكـوع، إسماعيل بن علي

1ـ البلدان اليمانية عند ياقوت الحموي، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408هـ/ 1988م.

2ـ هجر العلم ومعاقله في اليمن، ج2، ج3، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشـق، 1416هـ/1995 م.

البستاني، بطرس

3 ـ محيط المحيط، قاموس مطول للغة العربية، مكتبة لبنان، بيروت، 1977م.

جار الله، عبد الرحمن حسن

4 ـ ثُلا إحدى حواضر اليمن في العصر الإسلامي (تاريخها وآثارها)، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 1425هـ/2004م.

الحجري، محمد بن أحمد

5 ـ مجموع بلدان اليمن وقبائلها، تح: إسماعيل بن علي الأكوع، ط2، دار الحكمة، صنعاء، 1416هـ/1996م.

دهمان، محمد أحمد

6 ـ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشـق، 1410هـ/1990م.

السروري، محمد عبده محمد

 


[1])) الفرحة أو الفرجة في بعض المصادر: عادة اجتماعية، يحتفل فيها الملوك الرسوليين، عند قدوم مولود جديد من أبنائهم أو أبناء أبنائهم أو عند ختانهم أو عند الشفاء من آثار الختان. فيدعون فيها الخاصة والعامة، ويقدمون فيها، ما لذ وطاب من الأطعمة والمشروبات والحلاوات خلال أيام معدودة. ابن حاتم، السمط، ص534. للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، انظر: هُديل، طه حسين، الحياة الاجتماعية في اليمن في عصر الدولة الرسولية (626 ـ 858هـ) ط1، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن، 2010م، ص231 232.

[2])) ابن حاتم، السمط، ص534.

[3])) ابن حاتم، السمط، ص543.

[4])) المصدر نفسه، ص545.

[5])) الزَاْهِـر: حصن وقريـة مشهـورة فـي بلاد الجـوف. المقحفـي، معجـم البلدان، ص295.

[6])) ابن حاتم، السمط، ص546، 551.

[7])) المصدر نفسه، ص548.

[8])) السمط، ص502.

[9])) ابن الحسين، غاية الأماني، 1/467 ـ 468.

[10])) الخزرجي، العقود اللؤلؤية، 1/235.

[11])) ابن الحسين، غاية الأماني، 1/470.

[12])) ولا أدل على ذلك، من قول الإمام المهدي إبراهيم بن تاج الدين وهو في أسر الملك المظفر، واصفًا حاله بعد معركة أفق:

وبعد ذلك جاءوا بـي إلـى ملكٍ * لـه المفاخـر والعليـاء مكتسـبُ

 أبو الهزبر نقيُّ العرض من دنسٍ * وباذل المـال لا زور ولا كـذبُ

 فكان منه من الإحسان ما شهـدت * بفضله فيه عجم الناس والعـربُ

 فمن يبلِّغ عني كل مـن سكنـت * قلبـي محبتـه أو بيننـا نسـبُ

 فليشكروه فإنـي اليـوم شاكـره * سرًا وجهرًا وهذا دون ما يجـبُ.

 انظر: ابن فند، مآثر الأبرار، 2/907 ـ 908.

[13])) كان الأشرف ابن الملك المظفر، ملكًا نبيلًا عارفًا، ذكيًا، فطنًا، حازمًا، حسن السيرة والسياسة، ولهذا كانت الأوضاع تهدأ، وتقل الفوضى، وتصل إليه القبائل عارضة الطاعة، ويتم الصلح مع الأشراف الزيديين فور وصوله إلى اليمن الأعلى، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تقديره للجميع، وتقديرهم له، وذلك ما لم يكن عند أخويه الواثق والمؤيد، توفي في الثالث والعشرين من شهر محرم من سنة 696هـ، للمزيد من التفاصيل حول هذا الملك، انظر: الخزرجي، العقود اللؤلؤية، 1/297 ـ 298.

[14])) ابن حاتم، السمط، ص553.

[15])) ابن الحسين، غاية الأماني، 1/471.

[16])) الشاوش، نادر حسن محمد، الدولة الرسولية في عهد السلطان المؤيد (696 ـ 721هـ)، رسالة دكتوراه، (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة عدن، عدن، 1435هـ/2013م، ص15.

[17])) نقيل صَيْد: وهو ما يعرف اليوم بنقيل سمـارة، الذي يقع بين يـريم والمخـادر، ويمر به طريق تعـز ـ ذمار. المقحفي، معجم البلدان، ص 400.

[18])) السمط، ص558.

[19])) المصدر نفسه، ص561.

[20])) ابن الحسين، غاية الأماني، 1/474.

[21])) الخزرجي، العقود اللؤلؤية، 1/275. 

التعليقات (0)