لمحات عن تاريخ أستراليا (2)

لمحات عن تاريخ أستراليا

(الجزء الثاني)

وكان وقع الأزمة الاقتصادية العالمية (1929- 1930) شديد الوطء على أسترالية لانهيار أسعار الصوف والقمح عالمياً واعتمادها اقتصادياً ومالياً على الخارج وتوافق بدء الأزمة مع وصول حزب العمال إلى الحكم (تشرين الأول 1929) بقيادة جيمس سكالّين Scullin الذي واجهت حكومته صعوبات جمة لافتقارها إلى دعم البرلمان الأعلى، وأدت انتخابات كانون الثاني 1931 إلى تأليف حكومة ائتلافية ضمت حزب الاتحاد الاشتراكي المكون من الحزب الوطني وأقلية من حزب العمال برئاسة ج.أ.ليونز Lyons، ومن بعده منزيس Menzies، واستمرت هذه الحكومة تدير شؤون أسترالية حتى الحرب العالمية الثانية. ومع أن الاقتصاد الأسترالي استرد عافيته شيئاً فشيئاً منذ عام 1933، فقد تركت الأزمة بصماتها، وشهدت الصناعة وتربية المواشي مرحلة جديدة من الازدهار، إلا أن زراعة القمح أصيبت بتدهور نسبي لعدم استقرار الأسعار العالمية. وطرحت معاهدات ويستمنستر (1930) وأوتاوة (1932) شكلاً جديداً للعلاقات بين لندن ومستعمراتها، فلم تعد مصالح الأستراليين تلتقي دوماً مع مصالح لندن، وعمدت الحكومة الفدرالية عام 1933 إلى تكثيف تسليحها ولاسيما الطيران، بعد حصولها على وضع الدومنيون. وأحدثت فيها وزارة للخارجية عام 1935، وافتتحت أول مصنع للطائرات عام 1936، ووضعت خطة للدفاع القومي عام 1939.

أسترالية في الحرب العالمية الثانية وما بعدها

 في أيلول 1939 أعلنت أسترالية الحرب على ألمانية. وفي غضون سنتين شارك 120 ألف جندي أسترالي في الحرب تطوعاً، وأخضع الإنتاج الصناعي الحربي لإدارة جديدة. وبعد أن تسلّم حزب العمال السلطة عام 1941 برئاسة ج.ج.كورتن Curtin احتل المجهود الحربي المرتبة الأولى. وتبنى الحزب سياسة اقتصادية موجهة لتنظيم هذا المجهود. وفي المدة بين كانون الأول 1941 ونيسان 1942 حقق اليابانيون انتصارات مذهلة في جنوب شرقي آسيا فاستولوا على سنغافورة (15 شباط 1941) ووقع في الأسر 15000 أسترالي. وحاق الخطر بأسترالية نفسها، ولم يرتفع هذا الخطر إلا بعد نزول الجنرال الأمريكي ماك آرثر فيها (18 آذار 1942) وانتصاره في معركة بحر المرجان التي استمرت نحو أسبوع (من 4 إلى 8 أيار) وانتهت بهزيمة الجيش الياباني. وبلغ عدد الأستراليين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية 750 ألفاً قتل منهم 30 ألفاً وأسر 20 ألفاً. وكانت مرحلة الحرب لأسترالية منعطفاً مهماً في المستويين الاقتصادي والسياسي إذ أصبحت أسترالية اقتصادياً تملك صناعة مهمة وحديثة. وتحولت إلى شريك سياسي للولايات المتحدة الأمريكية في شؤون جنوب شرقي آسيا.

ونظراً للجهود التي بذلتها أسترالية في الحرب. فقد واجهت بعد الحرب صعوبات شديدة وكان على حزب العمال أن يحل مشكلة التضخم المالي التي عرضت رفاه البلاد للخطر.

ولم يفلح تأميم البنوك في حل هذه المشكلة. فأدت الانتخابات العامة (كانون الأول 1949) إلى فوز مرشحي الائتلاف الوطني من الحزبين الليبرالي والمحافظ الذي غدا نصيراً للإصلاح الزراعي. وقد تولى هذا الائتلاف الحكم إلى عام 1972، واضطرت الحكومة الليبرالية في هذه المرحلة إلى تبني برنامج اقتصادي صارم مكن من السيطرة على التضخم المالي وتجنب الركود الاقتصادي، بل وإلى ازدهار اقتصادي بدأ بالظهور في عام 1963. إلا أن عدم اهتمام الحكومة بالمشكلات الاجتماعية، وتعاقب عدد من رؤساء الوزارة الليبراليين غير الفعّالين بعد استقالة ر.ج. منزيس (1966) حالا دون تمكن الحكومة الائتلافية من مواجهة المعارضة الشديدة لمشاركة أسترالية في الحرب الفييتنامية ولنظام التجنيد الإلزامي، إضافة إلى سوء الأوضاع الاجتماعية وأوضاع السكان الأصليين، فسقط الائتلاف وفاز العمال بزعامة أ.غ. وايتلام Whitlam في انتخابات كانون الثاني 1972.

وكان من أوائل الإجراءات التي اتخذها وايتلام بعد تسلمه سدة الحكم إلغاء التجنيد الإلزامي وتطبيق برنامج واسع للإصلاحات الاجتماعية والثقافية والتربوية. ومنح الأقليات الإثنية والمحلية وعوداً بتحسين أوضاعها. إلا أن التضخم المالي المتسارع وتفاقم البطالة، والتدابير التي اتخذت للحد من دخول رؤوس الأموال الأجنبية الاستثمارية أدى إلى عد الحكومة العمالية مسؤولة عن الجانب الأكبر من سوء الحالة الاقتصادية وإلى انتصار التحالف الليبرالي المحافظ من جديد بزعامة م.فريزر Fraser في انتخابات 1975 العامة. وتأكد هذا الانتصار في انتخابات 1977 و 1980، وفي الأشهر الأخيرة من عام 1982 شهدت البلاد تدهوراً سريعاً للحالة الاقتصادية فخسر الائتلاف في انتخابات 1983 وعاد العمال إلى السلطة الفدرالية.

أما على الصعيد الخارجي فقد تولدت لدى الأستراليين القناعة من حوادث الحرب العالمية الثانية أن أمنهم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقاتهم مع الولايات المتحدة، وتجسدت هذه العلاقات في الحرب الكورية بإقامة حلف للدفاع المشترك مع نيوزيلندة والولايات المتحدة (أنزوس ANSUS) أصبح الأساس الذي تستند إليه سياسة أسترالية الخارجية، كما اتجهت جهود أسترالية إلى مساعدة جيرانها من الآسيويين وأيدت باستمرار خطة كولومبو (1950) المتعلقة بمساعدة الدول الآسيوية الأعضاء في الكومنولث البريطاني. وأياً كانت السمة الإنسانية لهذه السياسة فإنها كانت تهدف بالأساس إلى إيقاف المد الشيوعي والخدمات المعادية للإمبريالية في القارة الآسيوية.

إلا أن عزلة أسترالية الجغرافية وقوتها العسكرية المتواضعة كانتا تحدان دوماً من أهميتها الدولية. وبعد نهاية الحرب الفييتنامية اتبعت أسترالية سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة فأقامت علاقات دبلوماسية مع الجمهوريات الديمقراطية الشعبية مثل الصين (1972)، وفييتنام (1976). وتعمل أسترالية ما بوسعها من أجل تحقيق استقرار دولي قائم على علاقات الصداقة مع البلدان الخمسة المشتركة في حلف جنوب شرق آسيا وهي ماليزية، والفيليبين، وتايلند، وإندونيسية، وسنغافورة، وهي عنصر فعّال كذلك في منطقة جنوبي المحيط الهادئ، وتسعى إلى تحسين قدراتها في مجال الرصد الساحلي والإقليمي في ذلك المحيط.

وأسترالية اليوم دولة اتحادية فدرالية برلمانية عضو في الكومنولث البريطاني منذ عام 1901، تسير على الدستور الذي وضع في تلك السنة. ولها بموجبه برلمان مؤلف من مجلسين، الأول للنواب عدد أعضائه 148 عضواً ينتخبون لمدة ثلاث سنوات، والثاني للشيوخ عدد أعضاءه 76 عضواً، لكل ولاية 12 عضواً ولكل مقاطعة عضوان ينتخبون لمدة ستة أعوام، مع إجراء انتخابات جديدة لنصف الأعضاء كل ثلاثة أعوام. ويتألف الاتحاد الأسترالي من ست ولايات ومقاطعتين إضافة إلى الأقاليم التي تخضع للسيادة الأسترالية مثل جزر الميلاد وكوكو ونورفولك. ويعد ملك (ملكة) بريطانية الرئيس الأعلى للاتحاد ممثلاً بحاكم عام محلي. ويشار إلى أن الاستقلال الفعلي لأسترالية تم في 1/1/1901، أما الاستقلال الاسمي ففي 11/12/1930 والعيد الوطني للبلاد هو يوم وصول أول المواطنين البيض إليها في 26/1/1788.

المظاهر الحضارية في أسترالية

المجتمع الأسترالي وأسلوب الحياة: المجتمع الأسترالي مجتمع لا طبقي، فليس ثمة فروق واضحة المعالم بين طبقاته. وقد حدّت الخدمات الاجتماعية المتطورة من حالات الفقر، وأدت ضرائب الدخل الباهظة إلى تقليص تراكم الثروات، وتمكنت اتحادات العمال المتنفذة من ضمان حقوق العمال، وساعد الوعي الاجتماعي في تحقيق العدالة ورفع الظلم. وأدى ذلك كله إلى نمو الشعور بالمشاركة والزمالة في البلاد، ومال الأفراد إلى التعاون فيما بينهم. ولا يوجد في أسترالية مجتمع «مترف» واضح المعالم ولا أسر ذات نفوذ دائم سياسياً أو اجتماعياً، وربما عُدَّ أصحاب المزارع الكبرى، الذين يطلق عليهم اسم سكواترز (واضعو اليد) مجموعة اجتماعية متميزة، إلا أن تأثيرهم في تقلد المسؤوليات الاجتماعية أو في تولي القيادة السياسية لا يزيد على ما لغيرهم من الفئات الأخرى، ولاسيما محترفي السياسة. وعلى اتساع أسترالية وتنوع أقاليمها الجغرافية فإن الفروق في العادات وأسلوب الحياة ضئيلة لا تذكر باستثناء بعض أنواع اللباس التي تفرضها الأحوال المدارية في الشمال. ويميل الأستراليون في السنوات الأخيرة إلى تقليد الأمريكيين في التخفف من قيود اللباس الرسمي، وينزع أكثر الرجال إلى ارتداء بنطال رمادي وقبعة رياضية والتخلي عن السترة (الجاكيت) في الصيف، إلا في عواصم الشمال حيث ما تزال التقاليد القديمة سائدة. أما النساء فيملن إلى ارتداء ثياب فضفاضة تناسب حياتهن في الشارع والمنزل. وموقف المجتمع الأسترالي من النساء يستحق التأمل، فقد فرض على المرأة أن تهتم بشؤون منزلها أولاً منذ أن شرع بإقامة المستوطنات في أسترالية، وظل هذا التقليد متوارثاً إلى اليوم، فلا دور يذكر للنساء في الحياة السياسية أو النقابية أو الاجتماعية كما يفترض في مجتمع يقوم على المساواة التامة بين المواطنين، مع ازدياد مشاركة النساء في الحياة العامة وفي شغل الوظائف والتجارة. وأول ما يلاحظه الزائر عند قدومه إلى أسترالية ذلك الفصل الواضح بين الجنسين، إذ ينفرد الرجال في الحفلات والمآدب ليتناقشوا في أمور العمل والرياضة، وتخلو النساء إلى أنفسهن للتداول في الشؤون المنزلية.

وللرياضة مكانها الرائد في حياة الأستراليين، يمارسونها كباراً وصغاراً ويبرِّز فيها كثيرون، ويساعدهم في ذلك توافر منشآتها ومعداتها وتشجيع الناس للرياضيين وتقديرهم لهم، ومع أن ساعات العمل في أسترالية لا تقل عما هي عليه في أوربة وأمريكة إلا أن الأستراليين يولون حياة الاستجمام والمتعة رعاية خاصة مع احترامهم الشديد للحرية الفردية. والأستراليون أكثر شعوب العالم أكلاً للحوم فهم يتناولون اللحم في وجباتهم اليومية الثلاث وكل أيام الأسبوع، وشرائح اللحم المقلي مع البيض هي الطبق المفضل، وهم أكثر شعوب العالم شرباً للجعة. وقد بدلت الهجرة الواسعة إلى أسترالية في العقود الأخيرة من عادات الأكل والشرب قليلاً وأغنت الحياة في البلاد وزادت في تنوعها، وتشير الإحصاءات إلى أن كل تاسع شخص في أسترالية هو من القادمين الجدد.

الدين: يضمن الدستور الأسترالي الحرية الدينية ولا ينص على كنيسة محددة أو قانون يمنع ممارسة أي شعائر، وليس ثمة شرط يحدد المذهب أو الدين عند التعيين في وظيفة حكومية في مستوى الاتحاد، وتدل الإحصاءات على أن نحو 85% من السكان هم من المسيحيين، والأستراليون الذين يتحدرون من أصل إنكليزي أو اسكتلندي هم في الغالب من أتباع المذهب الأنغليكاني، وتتبدل النسبة زيادة ونقصاناً بين المذاهب والديانات بسبب الهجرة المتصلة.

التربية والتعليم: تملك أسترالية شبكة واسعة من المنشآت التعليمية والثقافية على قلة سكانها، وقد أدخل التعليم الإلزامي الابتدائي في الولايات الأسترالية بين عامي 1872 و 1893، والأمية غير موجودة تقريباً، ومناهج التعليم وسنواته مماثلة للنموذج البريطاني، وتتبنى الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات الأسترالية طرائق رائدة في تعليم الأطفال في المناطق النائية، ويأتي في مقدمة هذه الطرائق التعليم بالمراسلة وعن طريق الإذاعة واللاسلكي وبالاتصال المباشر مع التلاميذ كل بمفرده على طريقة شبكة خدمات «الأطباء الطيارين».

أما التعليم الثانوي والعالي فأقل انتشاراً، وتقل نسبة من يتابع الدراسة بعد سن 14-15 سنة عنها في الولايات المتحدة وبريطانية، إلا أن مستويات التعليم والثقافة مرتفعة في أسترالية، ومساعدات التعليم العالي والتعليم التقني (المهني) متوافرة، وتلبي احتياجات الصناعة والمجتمع. وقد تُرِك التعليم العام للولايات الأسترالية الستة تديره محلياً ضمن أطر محددة، ويخضع التعليم في كل ولاية إلى وزير مسؤول وإطار علمي متخصص من الموظفين الحكوميين، وتتولى كل ولاية منها إعداد مدرسيها وتدريبهم إلا في حالات استثنائية، وتدار المنظومة التعليمية في كل ولاية مركزياً وتغطى نفقاتها من موازنتها العامة، مع دعم واسع من المجتمع بمختلف مؤسساته. ومع أن الحكومة الاتحادية غير مسؤولة دستورياً عن إقامة المدارس وإدارتها إلا أن إسهامها في هذه الأمور يزداد يوماً بعد يوم. وقد عمدت الحكومة الاتحادية عام 1943 إلى تأليف لجنة إشراف على الجامعات من أجل تنظيم التعليم الجامعي بعد الحرب وإعادة تأهيل الرجال والنساء الذين سرحوا من الخدمة العسكرية. ثم أصبحت هذه اللجنة دائمة سنة .1945 وتم إحداث مكتب اتحادي للتعليم غدا الهيئة المركزية لتنسيق التعليم.

وفي عام 1950 أدخل ابتكار جديد إلى منظومة التعليم بالمراسلة لأطفال المناطق النائية دعي مدرسة الجو اللاسلكية، وتستخدم هذه المدرسة أجهزة لاسلكية ذات اتجاهين، وفي أواخر الستينات من القرن العشرين كانت مدارس الجو اللاسلكية تعمل في كل المناطق الداخلية، وتم ربطها مع شبكة التسهيلات الإذاعية لخدمات «الأطباء الطيارين». كما زادت الحكومة الاتحادية إسهامها في ميدان التعليم بتقديم آلاف المنح إلى التلاميذ والطلاب وتقديم المساعدات المالية الإضافية إلى ولايات الاتحاد، وتضم المدارس الحكومية اليوم أكثر من 70% من التلاميذ والطلاب وتقدر نسبة التلاميذ والطلاب إلى المدرسين بنحو 29 طالباً للأستاذ الواحد.

أما التعليم الخاص أو غير الحكومي فقليل الفاعلية، وتسهم المدارس الكنسية الدينية التابعة لبعض الطوائف في التعليم بنسبة ضئيلة، وتخضع لإشراف مجالس مدرسية. والمدارس التي تشرف عليها الكنيسة الكاثوليكية الرومية أكثر تلك المدارس تقارباً والتصاقاً بالكنيسة. ينتقل التلاميذ في أسترالية من المدارس الثانوية العامة إلى الجامعة مباشرة. والجامعات الأسترالية مستقلة تمام الاستقلال، ويتم الانتساب إليها بعد امتحان قبول في مستوى الولاية التي تتبع لها، ولا توجد جامعات خاصة. والدراسة الجامعية مجانية باستثناء جامعة أسترالية الغربية، وتُوفَّر عائدات الجامعات من الضرائب والهبات والأوقاف ومن منح الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية. وأقدم جامعتين في أسترالية هما جامعة سيدني (1850م) وجامعة ملبورن (1853م)، وفي أسترالية اليوم أكثر من 12 جامعة إضافة إلى الجامعة الوطنية الأسترالية التي افتتحت أبوابها في كانبرة عام 1946، وتعد مركزاً للدراسات العليا والبحوث العلمية الاجتماعية والطبية والفيزيائية ودراسات المحيط الهادىء. وقد أدت الزيادة على طلب التعليم العالي منذ الخمسينات إلى حدوث أزمة تطلبت التوسع في الجامعات الموجودة وإحداث معاهد جديدة. وارتفع عدد الطلاب المسجلين في الجامعات إلى أكثر من 75000 طالب في أواخر الثمانينات من القرن العشرين بينهم 30% من الإناث. 

(الجزء الأول)

(الجزء الثالث)

التعليقات (0)