لمحات عن تاريخ أستراليا (3)

لمحات عن تاريخ أستراليا

(الجزء الثالث)

كذلك تولي الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية اهتماماً خاصاً بالتعليم التقني والمهني ولاسيما في مجال الزراعة، ولكل ولاية منهاجها في ميدان التدريب المهني. وتبذل جهود كبيرة لرفع مستويات التعليم التقني والصناعي، وتسهم المؤسسات الصناعية والمهنية في هذا المجهود. كذلك يحصل الطلاب الراغبون في شغل مناصب دينية على إعداد خاص في كليات متخصصة. وتولي كل ولاية من ولايات الاتحاد الأسترالي رعاية خاصة لتعليم الكبار تطوعاً في صفوف ليس لها طابع مهني، وتعتمد برامج تعليم الكبار أساساً على نشاط «المنتدى الثقافي العمالي» وهو حركة ثقافية مقتبسة عن إنكلترة، وتعد مؤسسةً تعليمية في المستوى الجامعي وتربطها بالجامعات روابط وثيقة، وقد اتسعت مهماتها فشملت نشاطات أخرى كالمسرح والموسيقى، وامتد نشاطها إلى المناطق الريفية والنائية بإقامة المدارس الصيفية وتنظيم الفرق الجوالة والمعارض وغير ذلك.

العلوم والمخترعات: كان الاهتمام بالعلم والتقنية في أسترالية قبل الحرب العالمية الأولى مقتصراً على الجامعات، وكانت الصناعات القليلة تقنع بالحصول على المعارف العلمية الضرورية لها من وراء البحار، وفي الوقت نفسه كانت الصناعات الزراعية تستعين بالمصادر العلمية المحلية على ضآلتها فتلجأ إليها عند الحاجة. وكانت بعض المخترعات الأسترالية الصرفة قد بدأت تظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وساعدت تلك المخترعات على إنتاج أجهزة أسهمت في تطوير الصناعات الزراعية والرعوية الناشئة، وفي التغلب على نقص اليد العاملة والبعد عن السوق العالمية. ومن تلك الأجهزة حصادة ابتكرها جون رادلي عام 1843، وآلة لجز صوف الغنم، وطريقة للتبريد التجاري بتبخير الأمونيا تم تسجيلها عام 1867، وأصبح في وسع تجار اللحوم الأسترالية بفضلها شحن ذبائح البقر والغنم إلى بريطانية مثلجة. وفي نهاية القرن التاسع عشر توصلت أسترالية بفضل بحوث وليم جيمس فيرر (1854- 1906) إلى تحسين أنواع الحبوب المناسبة للبيئة الأسترالية عن طريق التهجين والاصطفاء، وأمكن بالتالي التوسع في زراعة الحبوب وتصنيعها. كذلك توصلت أسترالية في الوقت نفسه إلى تطوير أسلوب فصل المعادن في مكامن الفضة والرصاص والزنك بطريقة الغمر. وكان لهذا الابتكار أثره الفعال في العمليات التعدينية المنجمية في العالم أجمع.

مؤسسات البحث العلمي: تعد المنظمة الاتحادية للبحوث العلمية والصناعية (سيرو) Commonwealth Scientific and Industrial Research Organization (SCIRO) أهم مؤسسة علمية أُسترالّية، وقد تم تأسيسها عام 1926 تحت اسم «منظمة البحث الوطنية»، ثم صار اسمها «مجلس البحوث العلمية والصناعية». وهي تعرف باسمها الحالي منذ عام 1949. وقد ترك لهذه المنظمة منذ تأسيسها حرية اختيار مناهج البحث في ضوء المشاكل التي تعترض الصناعات الأساسية والثانوية، ومنحت صلاحيات واسعة تخولها القيام بالبحوث الأساسية وتقدم المنح لتدريب العلماء الشباب في داخل البلاد ووراء البحار، وكان أول رئيس لها جورج ألفرد جوليوس (1873- 1946) G.A.Julius وهو مهندس استشاري متميز ومخترع حاسب أتماتي totalizator. وفي خمسينات القرن العشرين تحولت هذه المنظمة إلى أكبر هيئة بحث في أسترالية، وتضم ما يزيد على 1200 عالم يعملون في ثلاثين قسماً وفرعاً ويتناول نشاطهم جميع فروع الصناعة الأساسية والثانوية ومجالات كثيرة في العلوم البحتة والأساسية. كذلك تنوعت مصادر البحث العلمي في الجامعات القديمة وتشعبت وانصب الاهتمام على الكليات العلمية في الجامعات الجديدة. وهناك أيضاً ثلاث وكالات حكومية اتحادية تهتم بالبحث العلمي هي «مكتب المصادر المعدنية والجيولوجية والجيوفيزيائية»، و«لجنة الطاقة الذرية»، و«خدمات العلوم الدفاعية»، وهذه الوكالة الأخيرة مسؤولة عن إسهام أسترالية في برامج مشتركة مع المملكة المتحدة لتطوير الأسلحة البعيدة المدى. وفي خمسينات القرن العشرين أسست عدة شركات صناعية مختبرات للبحث الصناعي وأسهمت في أعمال مركز بحوث الطاقة النووية التابع لجامعة سيدني، كما أسهم المعنيون بصناعة الحبوب والتبغ وصناعة الصوف في تمويل صندوق البحث الوطني لدراسة المشاكل التي تتعلق بصناعاتهم. وفي عام 1953 تم تأسيس أكاديمية (مجمع) العلوم الأسترالية. وقد أثمرت جهود البحث العلمي في أسترالية عن إنجازات باهرة في ميادين الزراعة والبيطرة وعلم الأمراض والفطريات والحشرات، وقد توصلت المنظمة الاتحادية للبحوث العلمية والصناعية بالتعاون مع جامعة أسترالية الغربية إلى الكشف عن أهمية الكوبالت في تغذية الحيوان، كما تبين لها أن من أسباب عدم خصوبة التربة في مساحة نحو 800000 هكتار من الأراضي الصحراوية في جنوبي أسترالية هو فقدان مقادير ضئيلة من الزنك والنحاس تعد ضرورية لنمو النبات ولاسيما البرسيم والبقول. وبينت الدراسات اللاحقة أن الموليبدنيوم مادة أساسية في استقلاب البقول وأن استخدامه مع السوبر فوسفات يمكن من إخصاب التربة وزراعة الأعشاب والبرسيم في مساحات واسعة من الأراضي غير الصالحة.

ومن المنجزات العلمية في أسترالية تطوير صناعة الورق من الخشب القاسي ولاسيما شجر الكينا (الأوكاليبتوس الأسترالي). كذلك حقق البحث العلمي في أسترالية سبقاً عالمياً في مجال إحداث المطر الصنعي وزرع الغيوم وخفض نسبة التبخر في خزانات المياه والسدود بتكاليف بسيطة. وحقق الأطباء الأستراليون منجزات كبيرة في مجال علم الفيروس في معهد «والتر وإليزا هول» للبحث الطبي في ملبورن وحصل مدير المعهد فرانك ماشغارلان بورنيت (1899- ؟) على جائزة نوبل عام 1960 مناصفة مع بيترماور البريطاني لانجازاتهما في مجال المناعة وعلم جينات الفيروس، كما حصل أستاذ التشريح وعلم الأعصاب جون كارو إيكلس (Eccles ( ?-1903 على جائزة نوبل في الطب لعام 1963 مشاركة مع آلن لويد هودكن وأندرو هكسلي لبحوثهم في مجال انتقال الومضان عبر الألياف العصبية. وكان نورمان ماك أليستر غريغ (1892-1966) قد توصل إلى كشف العلاقة بين الإصابة بالسدادة البصرية والعمى وغيرها من التشوهات الخلقية قبل الولادة وبين الحصبة الألمانية التي تصيب الحوامل في أشهر الحمل الأولى. كذلك توصل العالم الأسترالي المولد هوارد ولتر فلوري (1898-1968) بالتعاون مع إرنست بورسي تشين في أثناء الحرب العالمية الثانية في إنكلترة إلى عزل البنسلين وتنقيته. وكان ألكسندر فلمنغ قد اكتشفه في عام 1928. وقد تقاسم الثلاثة جائزة نوبل للطب عام 1945. أدى الاهتمام بالبحث العلمي في أسترالية إلى التوسع في بحوث العلوم الأساسية، وتملك الجامعة الأسترالية مرصداً في مونت ستروملو عالي القدرة لا يتوافر مثيل له في أي مكان آخر من نصف الكرة الجنوبي. وتوصلت مجموعة البحث في علم الفلك الراديوي بإشراف إدوارد جون براون (1911) إلى شغل مكانة رائدة في هذا المجال، وطورت معدات تم تبنيها على نطاق واسع في بلدان أخرى. وكان برنارد بارنتون ميلز (1920) قد صمم تلسكوباً راديوياً متصالباً حمل اسمه، وأثمرت الجهود الأسترالية في مجال الفلك الراديوي عن قيام تعاون وثيق بين جامعتي كورنِل (الولايات المتحدة) وسيدني (أسترالية) لإحداث وكالة لبحوث الفلك الراديوي والأشعة الكونية. (الموسوعة العربية).

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

التعليقات (0)