العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط (4)

العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط

من خلال كتاب " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية"

لعلي بن الحسن الخزرجي

(الجزء الرابع)

ثانيا- الذهنيات العامة:

نقصد بالذهنيات العامة مجموعة التصورات المعتمدة اجتماعيا حول الذات والبيئة المحيطة، وطرق التعامل مع الظواهر الاجتماعية باحتسابها انعكاسا لرؤى ومعتقدات شائعة، وهي من ثَم جزء أساس من ثقافة عامة تتجسد في الشروح المقدمة لبعض الأحداث والظواهر الاجتماعية غير المنضبطة بمنطق يقبله العقل المعاصر، والتي تدخل اليوم مدخل الخرافة، كما تتجسد في الموقف من عالم الغيب وعالم الأحلام والرؤى وعالم الجن والتبرك بالقبور والأشخاص، وقد اشتمل كتاب الخزرجي أخبارا ثَرَّةً تتعلق بالصورة الاجتماعية وبالذهنيات العامة، وهي أخبار ترد في سير مشاهير وأعيان العصر ومن اتصل بهم من بقية الناس (الرعية).

1 - إشارات وبشارات حول ملك الرسوليين لليمن:

وما دمنا في معية الدولة الرسولية، فلا بأس من افتتاح الحديث عن الذهنيات العامة بما ورد في عقود الخزرجي من بشارات وإشارات كاشفة لصفحة الغيب وما فيها من أقدار تهيئ للرسوليين مُلك اليمن حين قدموا أول مرة في معية المك المسعود الأيوبي عام 612هـ إلى زبيد، وقد ارتبطت تلك البشارات والإشارات بعمر بن علي بن رسول، أول سلاطين بني رسول في اليمن، ومنها أن شيخا من مشايخ الصالحين نظر إلى جموع العسكر فرآها تحف بعمر الرسولي دون الملك الأيوبي صاحب الأمر، فتنبأ له بالملك وببقائه في عقبه إلى آخر الدهر، وعزز هذا التنبؤ برواية أخرى تصف رجلا مجهولا كان يراقب موكب الملك الأيوبي القادم بعسكره وطبوله، فسمع الرجل هاتفا يهتف ببيت من الشعر فيه إن الملك المسعود ليس له من الملك في اليمن إلا هذا السفر، وقد قصد الرجل مصدر الصوت فلم ير أحدًا، فتيقن أن الصوت للجِن وأن مُلك الملك المسعود لسواه[1]. والوضع ظاهر في هذه الرواية، فهي إسقاط خُرافي على وقائع حية حدثت فعلا بعد ذلك باستثناء بقاء الملك إلى آخر الدهر، فقد خرج الملك المسعود من اليمن خروجه الأخير باتجاه الشام ومات في مكة عام 626هـ، بعد أن استناب على اليمن عمر بن علي بن رسول الذي أخذ يرتب الأمر لنفسه ويعقد التحالفات للاستقلال باليمن عن الأيوبيين[2]، لاسيما وقد اعتقل الملك المسعود إخوة عمر وأرسلهم إلى مصر عام 624هـ بعد شكه بنوايا الرسوليين الاستقلال باليمن[3]. لكنه أبقى على الأخ الأكبر عمر فتمكن من الاستقلال باليمن لنفسه، وهي وقائع تاريخية لا تحتاج إلى أي سند خرافي، لكن الخرافة باستنادها إلى الجن تشير إلى الوظيفة الاجتماعية المراد منها، فهي تبشر بقدوم دولة جديدة وتهيئ النفوس لذلك بالإحالة إلى حكم الأقدار التي عقدت للرسوليين حكم اليمن ليتم قبول ذلك والإذعان له شعبيا. وهكذا تسهم هذه الرواية في دعم شرعية الرسوليين في الحكم، فقد كانت أزمة الشرعية مما أقض مضاجع الرسوليين في أول أمرهم على الأقل. وفي هذا السياق تقع أيضا بشارة العفريت، فقد نقل عن السلطان الرسولي عمر، أول سلاطين بني رسول، أنه أرق ذات ليلة فسمع دويا في الهواء فرفع رأسه وإذا عفريت هارب من الشواظ يحط عنده وهو يلهث، فقام عمر وسقاه ماء وهدأ روعه ثم أبلغه العفريت البشارة شعرا:

أسْفِر وأبشر يا أبا الخطاب.. بالملك من عدن إلى عيذاب.[4].

وعندما تكون العفاريت هي الباحثة عن الأمان عند عمر بن علي بن رسول، والمبشرات بالإمارة بشعر عربي فصيح، فلنتصور وقع هذه الروايات على العامة الغارقة في بحر الخرافات، إنها تذعن فقط وتستسلم لما يجري من تحولات سياسية دون سؤال عن شؤون السياسة وتعقيداتها.

وبعد هذه الافتتاحية التي تربط بين نشأة دولة بني رسول وإشارات الغيب نود رصد الذهنيات العامة للقرن السابع الهجري باليمن، كما وردت في العقود تحت عناوين محددة، هي الرؤى والأحلام، الكرامات الخارقة والتبرك بالناس والقبور، الهواتف الصوتية وتغيير المصائر، المسح على الصدر والبصاق في الفم، الزَّوَاجر، العلاقة بالجن.

2 - الأحلام والرؤى:

لا نريد هنا الدخول في جدل حول مصادر الرؤى والأحلام وأن الأولى من الله والثانية من الشيطان، الغاية من استعراض ما ورد من رؤى وأحلام هو كشف مشاهد اجتماعية في زمن معين ليس إلا، فقد شكلت الأحلام والرؤى حيزا واسعا من محتوى الذهنيات العامة لهذا العصر، فتعامل معها الناس بوصفها إشارات من عالم الغيب واجبة الإتباع أو إفادات حاسمة في مسائل خلافية في الفكر الديني لذلك العصر، أو كرامة من الكرامات خاصة حين يكون موضوعها رؤيا يرى فيها الرائي النبي صلى الله عليه وسلم، كما كانت الأحلام أيضا بريدا سريعا وفوريا يتم عبرها التثبت من الأخبار التي ترد من بلاد بعيدة، أو معرفة مصائر الموتى أفي جنة هم أم في نار، إلى غير ذلك من الأمور التي تبين سلطة الحلم والرؤيا في حياة الناس، ففيها المعرفة وفيها الأمر وفيها الإخبار بالغيب وغير ذلك مما ستوضحه الأمثلة الآتية:

3 - الأحلام وتغيير المذهب:

ولنبدأ بعرض رؤيا قدمت سببا لتغيير مذهب بني رسول من الحنفي إلى الشافعي، فقد كان آل رسول في الأصل أحنافًا، وهو المذهب الذي قدموا به إلى اليمن، ثم نقل عن السلطان الرسولي عمر بن علي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بالتحول إلى المذهب الشافعي قائلا: " يا عمر صِرْ إلى المذهب الشافعي"[5]، فاستجاب للأمر وغير مذهبه، ولم تتحدث الرواية قط عن شيوع المذهب الشافعي في معظم اليمن، وأن السلطان الرسولي ربما قدّر بذكاء أن من غير اللائق أن يكون، وهو رأس القوم، بمذهب يخالف شعبه، وأن تحوله إلى مذهب الجمهور يقربه منهم ويجعله في غير خلاف معهم، فكان أمر النبي في المنام أفضل عذر يمكن تقديمه لتغيير المذهب. وبغض النظر عن حصول الرؤيا من عدمه، إلا أن إشاعة مثل هذه الرؤيا عذرا للتحول إلى المذهب الشافعي لا يعني فقط أنه عذر غير مردود بل يشير أيضا إلى درجة صلاح السلطان الرسولي، إذ لا تتأتى رؤية الرسول e في المنام إلا لمن كان على درجة من الصلاح والتقوى.

4 - الأحلام والتحقق من الأخبار:

ومن الأحلام ما كان يعمل عمل البرقيات للتحقق السريع من خبر ما، يرد ذلك متصلا بأخبار الفقيه علي بن أحمد الرُّميمة الموصوف بأنه صاحب: " مكاشفات وكرامات ظاهرة " وكان قد علم أن السلطان الرسولي بعث إلى صاحب مصر رسولين هما ابن عباس والأمير ابن الدَّاية، فجاءه رجل ذات يوم وأخبره بأن دار ابن عباس في تعز يملؤه البكاء، لورود أخبار من مصر تفيد بموته هناك، ثم إن الفقيه بعد سماع الخبر أغفى إغفاءة قصيرة قام بعدها ليبلغ الخبر اليقين، وأن الذي مات هو الأمير ابن الداية وليس ابن عباس، ثم أرسل الفقيه إلى دار ابن عباس الحزين من يخبرهم بجلية الأمر، ليرفعوا الحزن، وليبدأ البكاء في بيت ابن الداية، ثم تضيف الرواية أن الخبر كان بعدئذ كما أخبر الفقيه.[6]

واعتقد الفقهاء بالرؤى التي كانت تخبر عن مصائر الموتى، فهذه رواية عن الفقيه عمر بن صباح وأنه رأى والده في المنام وكان قد توفي في طريق الحج فسأله عن أحواله وأحوال غيره من الفقهاء المتوفين فأخبر أنهم في نعيم الجنة، وأنه في كل مرة كان يكرر "ويل للمتقشفين ويل للمتقشفين" ولم يتمكن الرائي من سماع تفسير شافٍ لهذا التكرار الذي يبدو أنه يُعَرِّض بالمتقشفين من أهل اليسار ليشير إلى ملمح اجتماعي لتلك الفترة[7]، وهناك منامٌ آخر يخبر عن مصائر موتى من عامة الناس ثم ما يحدث لهذه المصائر من تغير عندما يموت شخص جليل القدر كالفقيه الحنفي أبي بكر بن حنكاس، ولا تتصل الرؤيا هذه المرة بفقيه أو بشيخ صالح بل بشخص من عامة الناس أيضا نُقل عنه أنه رأى قريبا له في المنام، كان قد توفي قبل سنين، والمهم أن هذه الرؤيا تنقل عن الرجل بعد موت الفقيه ابن حنكاس، وفيها أنه سأل قريبه عما فعل الله به بعد موته فقال: " حُبست منذ مت مع جماعة فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاس شَفَع فينا فأطْلِقنا وغُفِر لجميع من في المقابر ببركة قدومه رحمه الله تعالى"[8]. وهكذا تنتقل إلى الآخرة صور الدنيا حيث الحبس والشفاعة والإطلاق.

وبما أن الأحلام قد منحت سلطة معرفية على النحو الذي مر وعُدَّت واسطة بين الأحياء والأموات، فكيف الحال إذا تعلق الأمر برؤيا يرى فيه الشخص الله سبحانه وتعالى ذاته، ويرى في ذلك نذير من الله بالابتلاء، والرواية تتعلق بمحمد ابن الخطاب، أحد الفقهاء المشهورين، وأنه كان قد حصّل من العلم الكثير وهو ما يزال يافعا فركبه غرور فدعا عليه شيخه قائلا:" شغله الله"، لكن أحوال الرجل لم تنقلب إلا حين بلغ الخامسة والعشرين، إذ استدعى ابن الخطاب أخاه أبا الخير بن الخطاب يوما وأخبره بأنه رأى ربه في المنام، وأن الله قال له "يا محمد أنا أحبك فقلت يا رب من أحببته ابتليته فقال لي استعد للبلاء وأنت يا أخي فكن على أهبة من أمري"، وخلاصة الابتلاء أن الرجل أصابته لوثة عقلية، جعلته يتقلب بين العقل والجنون، ولم يسترسل الخزرجي كثيرا في وصف أحواله لكنه ربط تبدل الأحوال بتلك الرؤيا التي رآها وهو ما يعنينا هنا لبيان السلطة المُعطاة للأحلام والإذعان لتنفيذ إشاراتها[9].

5 - الأحلام مبشرات بتغير الأحوال:

ومما يدل أيضا على الخضوع للأحلام ما رُوي عن الفقيه الصالح محمد بن معطن، وأنه كان يعاني صعوبة في فهم النحو، فرأى في المنام قائلا يخبره أن اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النحو. فلما أفاق استغرب الأمر لعلمه أن الفقيه الحضرمي لم يشتهر بالدراية الكافية في هذا الفن، لكنه مع ذلك استسلم لزائر الليل وذهب إلى الفقيه الحضرمي ولم يزد الأخير على أن رحب به وقال له: "قد أجزتك في جميع كتب النحو"، ثم عاد إلى بلده، وكان لا يطالع شيئا من كتب النحو إلا عرف مضمونه ببركة الفقيه الحضرمي كما قال.[10]

6 - الأحلام وحسم القضايا الخلافية:

ولا غرابة، والأمر على هذا النحو في العلاقة بالأحلام، أن تعد رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام من الكرامات الخاصة التي تعزز وضع صاحبها اجتماعيا، إذ لا تتهيأ هذه الكرامة إلا لمن يستحقها ولذلك أخبر الفقهاء عن رؤاهم واستحقت التدوين في هوامش كتبهم خاصة وأن منها ما قام بفعل الحسم في الخصومات الفكرية والمذهبية القائمة ومنها الموقف من خلق القرآن، وتارك الصلاة، وطلاق التنافي، وكل هذا يرد في رؤيا وجدها المؤرخ الجندي مدونة في بعض ورقات كتاب البيان، دونها الفقيه الصالح أبو عفان عبد الله بن أحمد الخطابي عن فقيه آخر أخبره بالرؤيا، هو، كما جاء في تعريفه، السيد الأجل الفاضل الكامل يحيى بن أحمد الهمداني وأنه في منتصف جمادي الآخرة، في نصف الليل الآخر سنة ست وستمئة رأى في المنام أنه: " كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القبة التي على قبره وقبر صاحبه رضي الله عنهما منكشفة من غير تخريب وقد بقي منها ما يغطي القاعدة ومن القائم إلى مقعد الإزار فدنا منها فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما قاعدين متوجهين إلى القبلة قال فاستقبلتهم من وراء الجدار الباقي وجعلت القبلة إلى ظهري ثم أعطيت نورا في قلبي وطلاقة في لساني وقلت يا رسول الله القرآن كلام الله غير مخلوق؟ قال نعم قلت بحرف وصوت يسمع ومعنى يفهم؟ قال نعم، فقلت فمن قال إن القرآن مخلوق كافر؟ قال نعم، قلت وإن صلى وصام وآتى الزكاة وحج البيت هل ترجى له الشفاعة؟ قال لا، قلت يا رسول الله طلاق التنافي[11] باطل أو صحيح فقال صلى الله عليه وسلم باطل باطل وأنا أشك في الثالثة، وغالب ظني أنه قالها، ثم قلت يا رسول الله تارك الصلاة كافر، قال نعم، قلت يا رسول الله فهؤلاء يرعون البقر والغنم ويحيعلون وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويؤتون الزكاة متى وجدوا ويحجون البيت إذا استطاعوا ويصومون شهر رمضان ويحبون الصلاة ولكن يقولون هذه الدواب تنجسنا وإذا اجتعلنا أيضا تنجسنا أهم كفار أم مسلمون؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطعت عن الكلام، فقال أبو بكر وعمر نكتب لك بهذا كتابا لا ينسى فسكت ولم أدر ما شغلني عن القول لهما يكتبان لي ذلك"[12].

7 - الأحلام وتعدد المذاهب:

وأكثر هذه الرؤى غرابة مما له صلة بالتعدد المذهبي، ما نسب إلى فقيه حنفي جليل القدر هو أبو بكر بن يوسف المكي، وأنه رأى يوما كأن القيامة قامت فحضر الأئمة الأربعة بين يدي الله، أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، فخاطبهم الله سبحانه وتعالى قائلا: "إني أرسلت إليكم رسولا واحدا بشريعة واحدة فجعلتموها أربعا، رددها عليهم ثلاث مرات فلم يجبه أحد، فقال أحمد بن حنبل يا رب أنت قلت وقولك الحق لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. فقال له تكلم فقال يا رب من شهودك علينا؟ قال الملائكة، قال يا رب لنا فيهم القدح، وذلك أنك قلت وقولك الحق" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" فشهدوا علينا قبل وجودنا، فقال الباري جلودكم تشهد عليكم، فقال يا رب كانت جلودنا لا تنطق في الدنيا وهي تنطق اليوم مغصوبة، وشهادة المغصوب لا تصح، فقال الباري جل جلاله أنا اشهد عليكم، فقال يا رب حاكم وشاهد، فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم"[13].

هذه رؤيا عجيبة من حيث طبيعة الحجاج من قبل البشر في حضرة الباري عز وجل، وهي تعكس ما كان يدور في خَلَد الفقهاء من تساؤلات أصلا ولا سبيل إلى الإعلان عنها إلا بعرض رؤيا على هذا النحو، كما أن الغفران الوارد في نهاية الحجاج يمنح الاختلاف شرعية وإن فضل عليه الاتفاق لا الخلاف. ومن العجب أن يكون الإمام أحمد بن حنبل هو المتصدر لهذا الحجاج مع الله سبحانه، بينما كان الإمام أبو حنيفة أليق بهذا الدور، ولعل في هذا غمز بأن الجدل أصل في الفكر كله وأن الادعاء بالنصية ليست سوى استراتيجية لدحض حجج الخصم.

ومن الرؤى المتعلقة بالمذاهب والتي تكشف جدلا حول الموقف منها وتقييمها، ما روي من رؤيا متصلة بالفقيه الصالح عبيد بن أحمد الترخمي (ت:694هـ) وأنه كان ذات ليلة يسير في طريق فورد على مفترق طرق فيه ثلاثة اتجاهات، فتحير أي الطرق يسلك ثم اختار الوسطى فلما صار فيها لقيه رجل فقال: " أتدري ما الطريق قلت لا، قال أما الكبيرة فطريق ابن حنبل والوسطى طريق الشافعي والثالثة طريق مالك"، وقد توقفت الرؤيا هنا دون الإبانة عن سبب إهمال طريق أبي حنيفة، رغم أنه كان حاضرا في اليمن بمدارسه وعلمائه. والأكيد أن الرؤيا دعمت المذهب الشافعي باعتباره وسطا بين الوسع والضيق، وهو المذهب الغالب في اليمن، وهذه الرؤيا تعززه وتدعم رؤاه، وهكذا تم التعامل معها وإلا لما استحقت التواتر والتدوين.

وبعض الرؤى كان حاسما للشك في الأمور المشكلة مثل الصلاة على منتحر، فقد أفقر الجود رجلا وأتلف جميع ماله، ثم أخذ في الاستدانة ليواصل كرمه مع الناس فركبه من ذلك دين كبير، عجز عن سداده، فسمع من بعض الدائنين كلاما فاحشا كان سببا لشنق نفسه، ثم ثار سؤال حول جواز الصلاة عليه بوصفه منتحرا. وقد حُل الإشكال بما نقل عن بعض أخيار مدينة عدن وأنهم رأوا في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من أصحابه أقبلوا للصلاة عليه، وقد شك أحدهم في هذه الرؤيا واستبعد أن يأتي النبي للصلاة على مثل هذا المنتحر، لكنه بعد ذلك أغفى قليلا فسمع صوتا يقول له: " لا تَفُتْكَ هذه الجنازة"، فقام وشيع وصلى[14]. ومع ذلك فإن النقاش حول غفران الله سبحانه لهذا المنتحر ظل قائما حتى حسم برؤيا أخرى رأتها أخت للمنتحر، وصفت بالصلاح، فرأت أباها المتوفى قبل أخيها في المنام، فسألته عن سبب زيارته لها فأجاب: " منذ وصلنا أخوك نحن في ملازمة الله تعالى أن يغفر له جنايته على نفسه فلم يفعل ذلك إلا بعد مشقة شديدة وإشراف على اليأس من ذلك"[15]. وبهذه الرؤيا التي أخبرت عن المصير الأُخْرَوي للمنتحر المذكور هدأت النفوس طابت الخواطر.

8 - الأحلام وصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم:

ولا سبيل لنكران وقوع الرؤى على هذا النحو أو ذاك، ومنها رؤية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام، إلا أن رؤيته في حال اليقظة من الغرائب التي وردت في عقود الخزرجي، والرواية متصلة بفقيه مغمور عُرِّفَ فقط بالفقيه صالح، كان يقرأ كتاب "تفسير النقاش" في حلقة علم خاصة بالفقيه أبي عبد الله محمد الجِعْميم المتولي لشرح ما يقرأ الفقيه صالح، ورُوي على لسان صالح هذا أن الفقيه الشارح (الجعميم) كان ينعس في أثناء القراءة، ويغلب الظن أنه لا يسمع، فأراد صالح مرة أن يتوقف عن القراءة ليختبر حضور الفقيه معه في حالة النعاس تلك، وإذا به يرى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع الفقيه الجعميم، ثم التفت إليه النبي يأمره: " اقرأ يا صالح"، ثم أخذ يقرأ ولم يسكت بعد ذلك، وللرواية بقية وهي أن الفقيه الجعميم فتح عينيه إثر ذلك وتبسم له، ولم يفهم معنى تلك البسمة[16]، وبما أن هذه ليست رؤيا في المنام، بل مشاهدة للرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة، فإنها - بغض النظر عن الدخول في مناقشة صدقية المشاهدة للرسول صلى الله عليه وسلم - تفيد أن الفقهاء كانوا ينعسون في أثناء القراءات، وهي أحوال بشرية مفهومة تحدث دائما، لكن كيف يُعْتَذَر للنعاس يحدث وقت الدرس، إلا إذا قيل إنه ليس نعاسا وأنه غيبة قصيرة للاستمتاع بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، عند ذاك لا يكون هناك سبب لا للوم الفقيه على نعاسه ولا لاختبار حضور وعيه مع الدارسين، وهي كما نرى أحوال تكشف عن عقلية مستعدة لشرح كل شيء على نحو خرافي مؤسس باسم الدين.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الخامس)

(الجزء السادس)

(الجزء السابع)


[1] الخزرجي، ج1، ص 52.

[2] الخزرجي، ج1، ص 52-53.

[3] مؤلف مجهول من القرن السابع: تاريخ الدولة الرسولية، تحقيق عبد الله الحبشي، صنعاء، دار الجيل، 1984م. ص18.

[4] الخزرجي، ج1، ص 51.

[5] الخزرجي، ج1، ص 85.

[6] الخزرجي، ج1، ص 136.

[7] الخزرجي، ج1، ص 137.

[8] الخزرجي، ج1، ص 142.

[9] الخزرجي، ج1، ص 148.

[10] الخزرجي، ج1، ص 177.

[11] طلاق التنافي نوع من الطلاق دار حوله جدل بين الفقهاء، وهو ربط الرجل لطلاقه زوجته على طلاق قبله بالثلاث، كأن يقول الرجل لامرأته " متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها أنت طالق"، هذا هو الذي سمي طلاق التنافي وقد اختلف فيه. انظر: العمراني، يحيى بن أبي الخير: البيان في المذهب الشافعي، ج10، جدة، دار المنهاج للطباعة والنشر، 2000م، ص2019. ويمتلئ الجزء العاشر من كتاب البيان بمناقشة أنواع من الطلاق، وكلها تعكس الأحوال الاجتماعية وعلاقة الرجل والمرأة، وتوقف الفقهاء عند أنواع من الطلاق المشروط، أو أقوال تعسفيه يتفوه بها الرجال أمام زوجاتهم ثم يطلبون رأيا فقهيا حول ما قالوه، وهو ما يعني شغل الفقهاء لإيجاد رأي شرعي إزاء هذه الحالات الاجتماعية التي تطرأ.

[12] الخزرجي، ج1، ص 204.

[13] الخزرجي، ج1، ص 180.

[14] الخزرجي، ج1، ص 209.

[15] الخزرجي، ج1، ص 209.

[16] الخزرجي، ج1، مطبعة الهلال، مصر، 1911. ص 288.

التعليقات (0)