فناء كبة وفاة 400 في بني بكر و200 في خلاقة بسبب جائحة (فناء كُبّة)

فناء كبة

وفاة 400 في بني بكر و200 في خلاقة بسبب جائحة (فناء كُبّة)

 

ما أشبه الليلة بالبارحة، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، كما يُقال، فإن جائحة كورونا التي تجتاح العالم هذه الأيام وتحصد مئات الآلاف من البشر، دون تمييز لعرق أو دين أو غني أو فقير، تعيد إلى أذهاننا أحداث مشابهة حفظتها لنا الوثائق التاريخية، التي تؤرخ لجائحة مماثلة، لا شك أنها حصدت أرواح الكثير من البشر، ونستدل فقط هنا على حجم وهول تلك الجائحة مما تعرضت له بلدتان في يافع، هما بني بكر وخلاقة.

الوثيقة هي عبارة عن رسالة من أحد المهاجرين من آل شعيفان البكري في حيدر آباد ومؤرخة 15 شعبان سنة 1282هجرية/ الموافق 3 يناير 1866م, يذكر فيها ما بلغه من أعلام عن وقوع  مرض خطير أسماه (فناء كُبّه) تسبب بموت 400 شخصاً في بني بكر و200 شخصاً في خلاقة وأعداد لا تحصى في يافع عامة, وجاء فيها بالنص :" إنها جاتنا أعلام في طبَّة (إرسالية) لآل باعباد من ناصر أحمد وابن أحمد خلف وذكروا فيها أنه وقع فناء كُبّه (مرض مُعدٍ) في بر عرب وأنها ماته (ماتت) من بني بكر أربعمائة ومن خلاقة مائتين وفي جبل يافع كله خلق ماته ما تعتد ومن يوم جاء هذا الخبر خلانا بلا عقول ولا جانا الحقيق من الحي والميت منكم وأنا في شغب  يعلم به إلا الله وحده"( 1).

وإذا كانت جائحة (فناء كٌبّة) التي لا نعرف اسمها العلمي قد أفنت 600شخصاً في بلدتين من يافع، فلنا أن نتصور حجم الأعداد الكبيرة من الضحايا في بقية مناطق يافع ومحيطها وربما مناطق أبعد من ذلك لأن مثل هذه الأوبئة تنتشر دون قيود، ولكن لانعدام التوثيق حينها لا نستطيع أن نصل إلى الرقم التقريبي لضحاياها، لكن من غير المستبعد أنها تتجاوز الآلاف في مناطق مختلفة حينها.

ولعل كثيرين في زمننا يجهلون معنى كبة او لا يتصورون انها اسم مرض ..اما كبار السن فيعرفون ذلك..ومن ذلك قول الشاعر شايف الخالدي:

الخالدي قال شايف ... من حبنا با نحبه

وذاك ذي ما يبانا ... لبوه كبه تكبه

وجاء في معاجم اللغة: كُبَّة، والجمع كُبَب: دُبَيْلة، خراج، دُمَيْلَة تظهر في جسم الإنسان عندما يصاب بالطاعون.

كُبَّة: طاعون، وباء، داء سارٍ.

كُبَّة: لعنة الله عليه، لِيهلك، وهي صيغة للدعاء باللعنة والهلاك أو التعجب. [انظر: محيط المحيط، تكلمة معاجم اللغة العربية].

وفي رسالة أخرى من حيدر آباد تعود لسنة1316هـ لأحد المهاجرين نتعرف من خلالها على ما بلغه من أخبار الجفاف والقحط والموت الذي أودى بحياة الكثيرين في يافع وأن أكبر ضرر (جعث) كما بلغه وقع في خلاقة وفي بني بكر، وأنه بسبب ذلك رخصت قيمة الأراضي الزراعية(2 ).

وقد أورد ذكر تلك الأحداث الجسام عدد من الشعراء الشعبيين منهم الشاعر الفقيه أحمد علي بن علي حيدر عزالدين البكري، توفى تقريباً في ثلاثينات القرن العشرين، ففي  قصيدة أرسلها  إلى السلطان بن هرهرة، يتحدث عن السنين العجاف، ويصفهن بالسبع الشداد ويذكر ما حدث خلالها من كوارث يجمعها حرف الجيم، وهي: الجام أي الجفاف، الجوع، مرض الجدري (الخامج)، مرض الجَرَبْ، ثم الحَرَاجَهْ وهي نفوق الماشية بسبب الجفاف، ثم آفة الجراد التي ظهرت في جماد سنة 1319هـ/1902م والتهمت ما بقي من الأخضر واليابس، كما يعبر عن ألمه لفقدانه شريكة حياته التي شبهها بالجوهرة وسط فؤاده، ويختم بمخاوفه من المطامع الأجنبية التركية والبريطانية حيث تحاول كل منهما أن توجد لها نفوذاً في يافع،يقول فيها بعد الاستهلال(3 ):

لا اتخبَّرك صالح من أعلام الفتن بقعا هَمَاد

 علم السماء ذي زيَّد الله به على الأمه زياد

مرَّت سنين اعْجَاف منكورات هن سبعاً شداد

 فيهن حروف الجيم كلاً جاهد الدنيا جهاد

بالجام ثم الجوع والخامج تسلَّط عالعباد

 ثم الجَرَبْ ثم الحَرَاجَهْ قيَّدَهْ لُمَّه قياد

حتى الغنم ما كانه ابتخرج من أبواب الأصاد

 واليوم في لسواق من خمسه بُقش بيضاء جِدَاد

هذا ولم نـشعـر في أربع  بـاقــيـة تالي جماد

 عن تسعة عشـر والثلاث الميه من قبل المداد

جتنا مدابي مدَّها الله مثلما مد البجاد

 وهي مُظلِّه من طرف بيحان لا أطراف النجاد

كُلَّه بلاد الشرق عزَّاني ولا نصبا كساد

وأرض الحميقاني وحدِّي والوسط زاده زاد

دوله إلهيه بلا بندق ولا هدَّه صعاد

 من زرعه اخضر كَوَّدَهْ، كاله ملان الصحن زاد

واليوم أبو ناصر صَدَاد النوم من عيني صَداد

 وكـيف يهنأ نوم عيني والعرب جمله رقاد

ما يرقد إلاَّ مَنْ سِلِمْ زرعه على أخْشَام الجراد

وغاليه كانه معيَّا جوهره وسط الفؤاد

عسى يوفق بيننا يوم التلاقي والتناد

واتخبَّرك من هرج يافع ذي تنوّوا عالشداد

ذي عزموا لا لحج حوطة أرميا ذات العماد

هيهات ثم هيهات ما حد من خزائنها استفاد

قد أهلكوا من قبلنا إرْمَا وشداد ابن عاد

يافع ضحية عيد ما ندي شـعرهـا والفؤاد

كيف آنعلقها بكافر ما يريد إلاَّ الفساد

واحد قدا التركي وواحد لا قدا الكافر عناد


هوامش:

1- رسالة من حيدر آباد مرسلة من سالم صلاح البكري  إلى علي بن أحمد سالم شعيفان البكري، ومؤرخة 15شعبان 1282هجرية (من محفوظات أبو حسين شعيفان).

2- من رسالة عبدالرب بن صالح عوض الخلاقي، محررة في 27محرم سنة1317هـ يقول:"وعرف لنا بالشدّة والقحط وفي من مات من أهل خلاقة وغيرهم نقول الله يلطف بجميع عباده ويبدل بعد العسر يسرا. وكذلكم قد وصلتنا أخبار ويذكرون أن أكبر جعث وقع في خلاقة وفي بني بكر ولا صفية لنا الأخبار إلا بخط محمد سالم وخطكم المؤرخ 15شعبان سنة 1316هـ وصل لدينا وعرفنا لما ذكرتوه الجميع فيه.. وقد عرف لنا محمد سالم أن القضاة أمراض والكاتب ما تحصل... كذلكم يا أولاد ذكرتوا لنا أن البلد وصله من عشرين كاس حب الحبل ولا حصل المشتري وانتوا صدرت إليكم اربعمئة وعشرين قرش بيد محمد سالم ولا بينتوا مضل مع رخص البلد ولا درينا أكلتوها يا كسبتوا بها".

3- انظر: أعلام الشعر الشعبي في يافع، د.علي صالح الخلاقي, ط1, 2009م.ص39.

التعليقات (0)